
يجب الاعتراف مسبقا أن المؤرخ، بين المثقفين المغاربة والعرب، وحده من يشفي غليل الأسئلة الحارقة. فيكون كلامه بمثابة البلسم، الذي ينزل على الجلد المحترق بردا وسلاما. هذه الجملة بمثابة دفع من الدفوع الشكلية كما يقول المحامون في مرافعاتهم أمام القضاء الواقف المكلف بصياغة صكوك الاتهام.
في الموضوع، ودائما على طريقة المحامين في المرافعة، مهما هرّب المسيَّسُون الأسئلة الحارقة وحاولوا إخفاء الجرح، لأن المسيّسين غالبا ما يجسدون كلام المتنبي “ما لجرح بميت إيلام”، فالمؤرخ شغله مساعدة المسيّسين على الإفاقة من غفوة الكيد والمراوغة والإشارة بالأصبع إلى أماكن الجراح التي لا علاج دون علاجها مهما طال إخفاؤها. لذلك، قال المؤرخ: اقترحت أن يكون النقاش حول “وطن المواطنة”، فقيل لي أحسن الحديث عن اليسار…فعقد العزم على الموافقة مقابل “إسقاط الطائرة في الحديقة”.
بعد الانشقاق، قلت قبل ثلاثة أشهر، وأنا أتحدث عن كتابات محمد صلحيوي: للأغلبية (المتبقية طبعا في الاشتراكي الموحد) مُنَظِّرُها. بعد الانصات للمؤرخ، أقول اليوم: لليسار المواطن منظره. بل لوطن المواطنة منظره.
ألا يرى القارئ المتابع أن الابتعاد عن التقوقع مفيدٌ، وأن التموقع حركة دائمة تعين الحركي على التوقع، دون أن يفقد البوصلة؟
قال المؤرخ: منذ طـُرِحَ الاندماج سنة 2007، اعتبرتُ أن المشروع غير قابل للتحقيق، لأنه صاغ هدفا لاهوتيا يعود الى الوحدة المركزية.
قبل أن يتيه القارئ في غابة التفاصيل، ألفِتُ انتباهه كما يلي: ذات يوم، تابعت الشيخ غوغل بصدد مدينة فيكيك، وأعيد على مسامع المؤرخ، أنا لا أصغي إليك لأنك حامل الدكتوراه في التاريخ من السوربون، بل –نعم بسبب ذلك ولكن- لأنك مهموم بتاريخ بلدك ولأنك قبل – ذلك وبعده- من فكيك. وأنت على شاكلة اليساري المقاوم بنسعيد، فكما لسوس العالمة، بصمة تاريخية لا تستطيع صولة السلطة أن تتغلب عليها (حكاية ادريس البصري مع بنسعيد بصدد السؤال في البرلمان حول تازمامارت)، وبكل الأدب واحترام الأصول “المرعية”، تتحدث ويتحدث بنسعيد عن مقتضيات التغيير. أستعيد معك نخوة المغاربة الذين وهبوا عمرهم من أجل هذه التربة الطيبة بين قارات العالم. أذكّرُكَ يوم كنتَ تشير بأصبعك، على شاشة التلفزة، كيف تحوَّلَ جزءٌ من الميراث العقاري لأسرتك، من أرض مغربية إلى السيادة الجزائرية بموجب المصالحة بين البلدين سنة 1973، وأتأمل اليوم تهديد العالم كله اليوم بالحرب النووية، كيف كانت الحكمة المغربية تنظر بعيدا…لأن السنة الموالية، 1974، سيحرك المغرب، قضية الجنوب المحتل. لا ننسى أن خط فيكيك، كان محليّا بمثابة خط التماس بين الشرق والغرب وكل مخاطر الحرب الباردة ساعتها. ولأن التناقض الرئيسي المؤجل (أقاليم الجنوب)، كان مع الغرب الذي التزمت الدولة منذ 1960، أن يكون المغرب جزءا من استراتيجياته في النظام العالمي أثناء الحرب الباردة، فقد تمت المقايضة بميراث عائلتك في فكيك، مقابل الاشتغال على بقاء الحدود الجنوبية ملتصقة بالشقيقة موريطانيا، على طول الساحل الاطلنطي. وكان بعد ذلك التكتيك التاريخي للدولة على مرحلتين، مرحلة اتفاقية مدريد، لضمان عودة الساقية الحمراء، وفيها الكثير من روح بريستك ليطوفسك، التي وقّعها لينين مع ألمانيا (مارس 1918)، {التي ستنهار ظرفيتها وظروف توقيعها بعد ستة أشهر (صيف 1918)}، ثم تكتيك الدولة، العسكري بصلابة أذرع الجنود المغاربة في معركة بئر انزران، المعركة التي أسقطت أوراق اتفاقية مدريد في الماء بعد أربع سنوات (14 غشت 1979)، فالتحق وادي الذهب بالوطن الأصلي، بدهاء السياسة وصلابة الجنود. هذه المعركة كانت ملحمة لأمر بسيط، وهو عودة مكونات الدولة المغربية إلى توازنها الداخلي الاستراتيجي: الالتحام بين المؤسسة الملكية والمؤسسة العسكرية. لم يكن هذا الالتحام العائد بقوة هيّنًا في ميزان الصراع العالمي. لأن القوة المحافظة الدينية كانت قد أسقطت الشاه في إيران قبل بضعة أشهر، وقلبت موازين القوى وكل الحسابات في الشرق الأوسط على الأقل على السطح “المنظور”. كيساريين، لا يمكن أن نكون مفيدين لبلدنا ولا أن نتجذر بين صفوف الشعب ونحن سطحيون يغلب علينا “مرض الطفولة اليسارية” ساعة، وساعة أخرى نصبح في حكم آلة ايديولوجية “منتهية الصلاحية”.
ومثل ما تشترك أنت مع الراحل محمد عابد الجابري في موطن الميلاد، فكيك، لعب اليسار المغربي، الناشئ من التربة المغربية معا وسويا لعبة الموقف التاريخي المثبت اليوم في المحصلة النهائية: سنة 1979، يقرر محمد بنسعيد آيت يدر قلب الأوراق ومراجعة ما فيها وتكون صدور أنوال، امتدادا في الرأي العام لملحمة بئر انزران، ودعما نضاليا ديمقراطيا شعبيا. وسنة 1981، يقرر الاتحاديون، نقابة وحزبا، مناصرة الشعب والوطن، فيتخذون قرارا ضد الاستفتاء في الصحراء الذي أثبت التاريخ عدم صلاحيته قط. وقد أدت القيادة الاتحادية ثمن التشبث بموقفها المستشرف الصائب في سجن ميسور، بقيادة عبد الرحيم، ويساند الشعب قرارهم وينتهي الخطاب البئيس الذي نعت الشهداء ب”شهداء كوميرة” مقالا في باريس معزولا لا يعيره أحد حتى جلسة في المقهى. لم تظهر الكتلة الديمقراطية بداية التسعينات، سوى بما صنعته أحزابها الديمقراطية من ملاط وحجارة منذ منتصف السبعينات بلا كلل.
يا منظر وطن المواطنة، مد يدك لابنة الشعب، تلك التي لا تركب رأسها سوى لكثرة النفحة الذكورية في هذا المجتمع المحافظ. ولن ننسى، أنها يوم ذهبت إلى السويد، على رأس الوفد اليساري المغربي، ولو لم تنتبه، ولست أدري ما إذا كانت وفقت لتقول للسطلة السويدية، تذكروا يوم ساندتم انفصال بيافرا في نيجيريا وانهزم موقفكم، كان للمغرب مختلف، محافظ على وحدة نيجيريا أرضا وشعبا، وكان للفرنسيين موقف يشبه موقفكم، جند الجينيرال دوغول كل الطاقات الاعلامية والسياسية و”الانسانية” بحيث من هناك خرجت منظمة “أطباء بلا حدود”. انهزم الكولونيل اوجوكو ومعه انهزم الانفصال. واليوم ونحن نرى فرنسا من جديد تنزعج من المغرب، لأنه استثمر مواقفه السديدة التضامنية مع نيجيريا، ويبرم اتفاقية أنبوب الغاز، يفيد نصف مليار افريقي عبر 15 دولة افريقية، فمن حق ماكرون أن ينزعج، لكن ليس من حق المؤرخ أن يرى مجرد “الخراب” في الأفق.
فهذه السوداوية في التوقع تعني اضطراب في التموقع وتعني إغراقا في التقوقع والانكماش داخل رؤية تاريخية فرنسية ويا ليتها اتبعت الفرنسيين في منطق “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. هل يعلم المؤرخ أن السلطان اسماعيل وجه رسالة إلى ملك انجلترا جاك الثاني الهارب الى باريس، نهاية القرن 17، في خفية عن لويس 14، يلومه فيها عن الخروج عن ملة شعبه، بعدما قرر جاك الثاني التمذهب بالكاثوليكية وشعبه بروتستانتي. بالمناسبة ليس اليسار هو المؤهل لتقديم النصائح الى الدولة بصدد المذاهب الدينية. ومشكل اليسار هو جهله بكيفية وضع نفسه على سكة الحياة السياسية في البلاد، مقابل ركوب رأس البرجوازية الصغيرة والاعتداد بالنفس حيث لا يجب، وصمّ الأذن عما يحسن الانصات إليه.
مع ذلك، لقد استمتعت بحديث المؤرخ وهو من أحسن الأصوات وأجمل الأفكار وأكثرها ملاءمة لمستقبل اليسار وسط هذا الشعب الصبور العظيم. وللحوار بقية رفقة دونيس ديدرو وما قاله عن المؤرخ وفضله به عن الرحّالة. المؤرخ نبيه ومنصت، والرحّالة أبله ومُعجَب. ….الخ
أحمد الخمسي