وجهة نظر

ما معنى أن تكون يساريا اليوم؟ (الجزء الأول) منير الطاهري

معنى ذلك أن ترفض التراتبية التي يحاول أن يفرضها النظام العالمي الجديد، أن تنتقد النزعة التطبيعية مع هذا النظام، أن تستوقفه وأن تعيد مساءلته إلى أين يسير؟
معنى ذلك أن ترفض وأن تمانع، ومعنى ذلك أن تعيد البناء كذلك في اتجاه آخر …
أن تواجه السيل الجارف الإقصائي وأن تقف إلى جانب المهمشين والمنبوذين والمحشورين في أسفل هذه التراتبية.
أنت يساري، إذن فأنت تعارض الرأسمال، هذا الطابو الذي لا يمكن لأحد أن يعارضه اليوم. أنت ماركسي تعيد إحياء الماركسية
في زمن ينظر إليك كمقاول صاعد يستثمر في ذاته وقناعاته، حسب جيمس بوكانان
ينظر إليك كرأسمال جديد، لتنظيم العملية الإنتاجية، رأسمال الكفاءة التنظيمية التي تجعلك قادرا على تغيير تراتبية العالم في حلبة تنافسية بين الفاعلين والمالكين لوسائل الإنتاج والأفكار التسويقية والسلع …
لكن بما أن الرأسمال هو مجرد مرحلة تاريخية في تطور أنماط الإنتاج، كيف لك أيها المقاول الماركسي أن تقود المرحلة المقبلة – المرحلة المأمولة بعد تكسير تراتبية العالم القديم.
أنت يساري إذن، أنت أمل البشرية للخروج من نظام التراتبية السائد، نظام التسليع الاجتماعي والسياسي والثقافي، ونظام الربحية الاقتصادية كذلك، يساري يفكر لصالح الطبقات المطحونة؛ أي المهمشين والعاطلين والعمال العاملين في ظروف لا إنسانية.
أن تكون يساريا هو أن ابحث عن علاقات إنسانية أخرى داخل هذا العالم .
تعرف جيدا أن العالم انتقل من مقولة (دعه يعمل دعه يمر) وهي مقولة رأسمالية جاءت لتحرير الإنسان من قيود الإقطاع إلى مقولة (دعه يمر دون أن يطيل النظر لاشيء يستحق النظر)، وهي مقولة المرحلة الاستهلاكية القصوى التي وصلت إليها المجتمعات الرأسمالية.
دور السياسي في هذه المرحلة هو ضبط السكان كي يمروا بين مراكز عملهم والأسواق وبيوتهم دون الاهتمام بما يجري حولهم بعد اقتناعهم بأن الجميع يتشابهون، وبأن معاناتهم مع الفقر والحرمان أمر لامفر منه، وبأن الحلول التي يمتلكونها هي الاستمتاع بالتلفزيون والاستهلاك والتفكير في وسائل لتوفير الأموال.
إذن، الرأسمال ينظر إليك كمقاول تستثمر في أفكارك وقيمك من أجل تقلد مهام تدبير الشأن العام، وفي جميع حالاتك فتدبيرك للشأن العام وللعملية الأنتاجية، لا يعدو أن يكون محاولة لضبط حركية السكان.
الرأسمال ، يسعى إلى تدجينك ليجعلك مجرد ضابط سياسي.
ومقابل ذلك، أنت تنظر إلى الرأسمال بطرق مختلفة.
أولا، تنظر إليه كمرحلة ضرورية في تدبير أنظمة الإنتاج للوصول إلى مرحلة التنظيم القاعدي للعملية الانتاجية؛ وهو بذلك واقع تنظيمي يحتاج إلى المراقبة المستمرة كي لا يصل إلى مستوياته المتوحشة.
ثانيا، تنظر إليه كمرحلة لابد من تجاوزها للوصول إلى مرحلة نهاية نظام الملكية. ولتجاوز هذه المرحلة علينا أن نرسي نظاما إشتراكيا انتقاليا يضع حدودا للتراتبية الاجتماعية التي أسس لها النظام الرأسمالي ويعيد ملكية الأراضي والمعامل للطبقة العاملة والطبقات الوسطى.
ثالثا، المجتمع الاشتراكي المأمول لابد أن يستفيد من التجارب والتطبيقات التي لم يكتب لها البقاء في البلدان الاشتراكية السابقة، وعليه أن يتحرر من دولة التأميم نحو دولة التوجيه والتقنين.
معنى ذلك أن صراعك مع الرأسمال يحتاج إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تراهن على العيوب الموضوعية التي تعتري هذا النظام وهي عيوب تتمثل في تركيزه على مراكمة فائض القيمة لفائدة الطبقة المالكة لوسائل الانتاج، وتعميق صور استغلال الطبقة غير المالكة لوسائل الانتاج، واستنزاف البيئة.
(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى