وجهة نظر

تساؤلات مشروعة حول مستقبل المشهد الديني في العالم العربي والإسلامي بقلم ذ. محمد اكديد

قد يتسائل بعض من كان يتتبع كأس العرب لماذا رفض بعض لاعبي النصر السعودي التوقف دقيقة صمت ترحما على والد لاعب عراقي، بل ومواصلة الجمهور السعودي على المدرجات أهازيجه البدوية في تشجيع اللاعبين دون اكثرات إلى الحد الذي دفع كريستيانو رونالدو إلى توجيه أمر لهم بالتوقف عن هذا العبث!!

أما الجواب على هذا السلوك المخجل فيكمن في الواقع في العقلية الوهابية التي لازالت توجه مواقف وسلوكات هؤلاء بل أغلب أطياف الشعب السعودي وقطاع كبير من المسلمين عبر العالم..

هاته العقلية المغرقة في النهي وتبديع كل ماهو طارئ أو مستحدث مما توصل إليه الإنسان من اختراعات وإبداعات وطقوس ومراسيم لاتوجد في قاموس سلفهم من الفقهاء والتابعين والصحابة إلى حد التكفير أحيانا.

فالتوقف دقيقة صمت على روح الميت في الملعب بدعة لاأصل لها عند السلفية الوهابية، ولاأدري كيف أجازوا لعب كرة القدم بعد أن كان أغلب فقهاءهم يرفضونها ويعدونها أيضا بدعة من اختراع الكفار لأن كل قوانينها وضعية فضلا عن القول بحرمة لباس اللاعبين الذي لا يوافق الشرع حسب شيوخهم، وإن كانت الغلبة في النهاية لقرار ولي الأمر الذي لاتجب مخالفته حسب القوم مهما فعل!

ولعل الجدال العقيم الذي تفجر مؤخرا حول لباس لاعبة المنتخب المغربي نهيلة بنزينة لايخرج عن هذه الرؤية المتشددة، بالرغم من أن اللاعبة قد اختارت اللعب بالحجاب، وهو ما أحرج الفيفا وفرض عليها الاعتراف بهذا اللباس كلباس رسمي لدى النساء بجانب اللباس المتوافق عليه في عالم المستديرة عند الجنسين.

لقد قام ابن سلمان فعلا بخطوة مهمة عندما ضيق الخناق على دعاة وفقهاء المؤسسة الوهابية بعد تورطهم في تكفير وإرهاب المسلمين فضلا عن تشددهم المستميت في كل أحكام الدين طيلة عقود، كان لها أسوأ الأثر على مواقف وتمثلات أغلب المتدينين في العالم العربي والإسلامي، حيث ما إن تخوض في أي نقاش ولو كان تافها مع أحدهم حول موضوع معين، إلا ويستدعي لك قاموسهم المفعم بمصطلحات النهي والحرمة والتبديع إن لم يخرجك من الملة أو يعتبرك زنديقا تتربص للطعن في الإسلام (طبعا حسب الطرح الوهابي المتشدد).

هذه الأحكام التي تفنن فقهاؤهم ودعاتهم في إخراجها وإسقاطها على سلوكات وأعمال عادة ماتكون بسيطة ومن تدابير الحياة اليومية، لكنها لاتوافق ماكان عليه السلف في العصور الغابرة حسب تصوراتهم المحدودة وطروحاتهم المتشددة، وكأن الشارع لم يضع في حسبانه تطور الحياة الإنسانية ولم يفتح باب الاجتهاد فيما استجد من أحوال الناس، والذي أغلقه هؤلاء للتحكم في عقلية وسلوكات العوام وحتى ينصبوا أنفسهم وكلاء لله على خلقه، أوصياء عليهم في الدنيا والآخرة..

حيث أن التضييق على دعاة وفقهاء هذه الأيديولوجيا المتطرفة في معقلها ومهد نشوءها وتطورها مع الحاكم الجديد للسعودية، ووقف أو تقليص الدعم الموجه لدعاتها ومنابرها داخل وخارج المملكة مع استدعاء وسائل الترفيه والبهرجة لمواجهة التشدد والتطرف، ليس بالضرورة كافيا للجم هيمنتها ونفوذها على العقول والقلوب، خاصة وأن أصحاب هذا المشروع كانت لهم اليد العليا والضوء الأخضر لفرض تصوراتهم ومواقفهم عبر المنابر الإعلامية والمدارس والمؤسسات الدينية طيلة عقود وبدعم مالي وسياسي غير محدود، مما بات يستدعي بالموازاة مع هذه الإجراءات تكوين نخب جديدة قادرة على تفكيك هذه الأيديولوجيا المتشددة وتبيان مواطن تطرفها وإخفاقاتها بالإضافة طبعا إلى استثمار النخب الموجودة فعلا، والتي لازالت تواجه بتهم الزندقة والتكفير سواء من طرف بعض الدعاة المتشددين الذين لازالوا يعيشون حلم العودة والتمكن، أو حتى بعض العوام المنخدعين بهذه الأيديولوجيا ممن لايعوزهم مستواهم المعرفي والتعليمي للوقوف على تخاريفها وتناقضاتها العجيبة.

ولعل بعض الأسماء التي لازالت تقبع داخل سجون المملكة قادرة على لعب هذا الدور التنويري كالدكتور فرحان المالكي الذي زج به في السجن بتحريض من رعاة المؤسسة الوهابية قبيل التحول الكبير الذي سيفرضه ابن سلمان فيما بعد، والذي يعتبر رجل هذه المرحلة بامتياز وأحد أبرز القادرين على ترجمة التوجهات الجديدة للمملكة..فضلا عن عدد من الوجوه التنويرية التي باتت معروفة في العالم العربي والإسلامي عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وإن اختلفت توجهاتها وطرق معالجتها لهذا الموضوع، لكن القاسم المشترك بينها جميعا هو إفساح المجال لنقد التراث والروايات التي تعد من أبرز الأسس التي تقوم عليها هذه الأيديولوجيا بطريقة عقلانية عادة ماتستدعي منطق وأدوات البحث العلمي..

وأخيرا، فإن الطبيعة لاتقبل الفراغ، وفي ظل تضعضع وانحسار المد الوهابي (الذي لازال يقاتل بعض دعاته للعودة إلى الواجهة ولو بطرق ملتوية)، وغياب مشاريع تنويرية هادفة تحت إشراف مؤسسات دينية مسؤولة، فإن المشهد الديني لامحالة متجه نحو الفوضى والعبث..والضحية الأولى هي الشباب من جيل اليوم الذي تربى على ثقافة سمعية لاتكثرت للتحقيق في أصل المعلومة خاصة إذا صدرت عن بعض المؤثرين المتمرسين على خلق البوز ممن يجيدون تمرير أفكارهم ومواقفهم مهما بدت غرابتها أحيانا وفق منطق خالف تعرف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى