وجهة نظر

موقع ابن رشد الفيلسوف والقاضي والفقيه بين الإسلام والمسيحية اللاتينية (4/4)

أحمد رباص

يتمثل التمييز الذي قام به ابن رشد في القول بأن عمل الله الخلاق والراعي لا تتم ممارسته على تفاصيل حياة الفرد بل من خلال النوع. كل ذلك نابع من مفهوم ابن رشد عن الخلق من خلال قوله إن الله لم يخلق الأشياء من لا شيء، بل هو من ينقل الأشياء من القوة إلى الفعل، من العدم إلى الوجود. وبالتالي، فإن الخلق ليس تجزية وقت يتخيلها الله للترفيه عن نفسه أو لإطلاق العنان لخياله، بل هو نوع من التفسير، لإلقاء الضوء على ما كان ينتظر سوى هذا الفعل الإلهي ليوجد..
وإذا بدا أن بعض الأشياء تفلت من العناية الإلهية، فذلك لأنها تخضع للمادة وحتميتها. لا يوجد فشل في العناية الإلهية هنا لأن المادة وحتميتها يحتاجان إلى وجود الله وتحيلاننا مرة أخرى إلى عمل الله الخلاق.
هذه بعض الملاحظات التي تظهر وجود اهتمام ديني لدى ابن رشد. في العديد من النقاط، يأخذ تفكيره الفلسفي، بينما يظل حراً للغاية، في الاعتبار معطيات العقيدة الإسلامية. وعندما يشرح أرسطو، يقوم أحيانا بتوسيع النقاش لمعالجة الجوانب الدينية التي أثارتها حجة الإسطاغيري.
لقد رأينا أن مقاربة المشكلة الدينية، في كتاب “فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، تم من خلال تمشي فلسفي وشرعي. وعلى وجه الخصوص، يصر ابن رشد على القياس، من خلال إظهار أنه لا يمكن تطبيق القياس الشرعي إلا من خلال اللجوء إلى القدماء والمفكرين اليونانيين، الذين لم يكونوا مسلمين لأنهم عاشوا قبل ظهور الإسلام. لذلك من المناسب الآن الاقتراب من جانب آخر من جوانب شخصية ابن رشد، ليس فقط كفيلسوف ورجل دين، ولكن أيضا كفقيه.
انطلاقا من السطور الأولى من “فصل المقال..”، ثم طوال الحجاج التي تم تطويره في ثناياه، يشير ابن رشد باستمرار إلى استدلالات الفقهاء، إلى البرهان الشرعي. وهكذا نجده يقول: كما يستدل الفقيه من طلب دراسة الأحكام الشرعية الالتزام بمعرفة مختلف أنواع الاستدلالات الفقهية، كذلك يجب على العارف (الميتافيزيقي) أن يستنتج من طلب التأمل في الكائنات الالتزام بمعرفة القياس المنطقي وأنواعه.
إن اللجوء في الفلسفة إلى طريقة استدلال لم تكن موجودة في الأيام الأولى للإسلام له ما يبرره أيضا بهذا المعنى من خلال ممارسة القياس الشرعي بين اوساط الفقهاء، التي جرى ابتكارها في زمن لاحق على ظهور الإسلام.
ثم يضيف لاحقا هذه الملاحظة المهمة جدا؛ وهي أنه بما أنه ثبت بالشريعة الإسلامية التأمل في القياس العقلي وأنواعه، كذلك يكون من الواجب التأمل في القياس السرعي..
لكن، في نفس الوقت الذي مفهم فيه العلاقة الوثيقة جدا بين الفلسفة والشريعة كما تظهر في “فصل المقال..”، تميز ابن رشد في مجال الممارسة القضائية بعمله وبالوظائف التي أسندت إليه. يجب التذكير أولا أنه ينتمي إلى عائلة من رجال الفقه والقضاء الذين اكتسبت بفضلهم قرطبة شهرة بعيدة الآفاق.
كان جده، الذي يحمل اسمه، قاضيا كبيرا، وكان بلا شك أهم القضاة في عصره: كمدرس، اجتذب العديد من التلاميذ ذوي السمعة الحسنة. كقاضي قضاة في قرطبة، ترك مجموعة مهمة من التعليقات على الأعمال أو الفتاوى الشرعية الهامة.
ولد ابن رشد الفيلسوف في نفس العام الذي توفي فيه جده. تلقى تكوينا متينا في جميع مجالات المعرفة في ذلك الوقت، بما فيها الفقه.
وفقا لما كتبه ابن الأبار في كتابه “التكملة” الذي انتهى من تأليفه عام 1230، درس ابن رشد، بشكل خاص في طفولته، تحت إشراف والده، كتاب “الموطأ”، العمل الرئيس لمالك بن أنس مؤسس المذهب المالكي. جعله هذا التكوين يمارس بدوره وظائف مهمة في القضاء حيث تم تعيينه عام 1169، في سن الثالثة والأربعين، قاضي إشبيلية، وعاد بعد ذلك بعامين إلى قرطبة التي تم تكليفه فيها بمهمة قاضي القضاة عام 1182، عن عمر يناهز ستة وخمسين عاما.
هنا مرة أخرى، سيكون من الخطأ فصل صورة الفقيه عن شخصية رجل الدين؛ ذلك أننا نعلم دور العقيدة الإيمانية لابن تومرت في تكوينه الفكري الأول، وحيوية النضال الذي قاده الموحدون من خلال تبشيرهم المضاد للمذهب المالكي الضيق الذي سقط فيه المرابطون والعلماء في نهاية حكمهم.
يحتفظ ابن الأبار نفسه، في كتابه سالف الذكر، بأربعة عناوين فقط من بين كتب ابن رشد: كتابه في الفقه، “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”؛ كتابه الشهير في الطب، “الكليات”؛ اختصاره لكتاب الغزالي المخصص لأصول الفقه. وأخيراً كتاب عن اللغة العربية يتناول ما يجب معرفته في النحو.
كما نرى، تحدث ابن الأبار عن كتابين من بين الكتب الأربعة التي تم الاستشهاد بها ولم يقل كلمة واحدة عن الإنتاج الفلسفي، سواء تعلق الامر بكتبه الأصلية أو بشروحات أرسطو أو بكتاب “تهافت التهافت” الذي رد فيه على الغزالي.
من الواضح تماما أن هذه الأوجه المختلفة التي ذكرناها على التوالي لا تشكل ثلاث شخصيات مختلفة لابن رشد؛ إذ عرف كيف يوحد قناعاته الدينية والفلسفية بينما كان يمارس نشاطا فكريا عظيما كرجل فقه ويمارس نشاطا عمليا كقاض، وهما بدورهما لا ينفصلان عن تجربته كرجل مؤمن وفيلسوف باحث عن الحقيقة. لكن ضعف ثم اختفاء الإسلام في الأندلس، وما صاحب ذلك من انقراض للأوساط الفكرية الفلسفية والفقهية، دفع الإسلام الغربي على الفور تقريبا إلى نسيان هذا الوجه العظيم للفكر الإسلامي في العصور الوسطى، دون أن تكون للشرق الغارق آنذاك في الاضطرابات السياسية العارمة، القدرة على اتخاذ المبادرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى