وجهة نظر

وظيفة هزة الجماع حسب وليام رايخ (2/2)

أحمد رباص

تصطدم سيرورة الحضارة برمتها بالفعل الانتعاظي، وتنتج بالتالي عصابا جماعيا كبيرا، لدرجة أنها نجحت في إنتاج صورة خاطئة عن القوة الانتعاظية التي من بين عناصرها: سرعة العلاقة، إهمال الآخر، كبت الحنان والشهوانية، النزعة القضيبية، ارقام قياسية جنسية، وبالتالي اعتبار هزة الجماع كشيء مكمل.
هذا الهدف من مسيرة الحضارة يذكرنا بالشعار الشمولي الذي أطلقه جورج أورويل في روايته “1984”: “لنلغ هزة الجماع!” (أورويل، 1972). وهكذا، بالنسبة لرايخ، فإن صيغة هزة الجماع هي صيغة الحياة. وإذا كانت هزة الجماع تجعل الناس يتحدثون، فذلك لأجل كبتها وإساءة فهمها أكثر فأكثر، لأن المشكلة تكمن في هذه الواقعة وهي أن الحضارة تتكون ضد إيروس. ولا يتعلق الأمر بالنسبة إلى رايخ – مثل ماركوز – بأداء دور إيروس ضد الحضارة، ولكن بابداع الحضارة في الشهوانية.
لفهم صيغة هزة الجماع، سنقلب الأمور رأسا على عقب من خلال وصف تأثيرات الطاعون العاطفي، وفقا لملاحظات رايخ عن النشاط الجنسي البشري:
– التمهيدات إما غائبة أو لا نهاية لها؛
– غياب الحنان، الاحترام والاستماع إلى لآخرين؛
عدم اكتمال التفريغ النهائي (ما يؤدي إلى “احتباس”) ؛
انتصاب “بارد”، شبه ميكانيكي؛
– فروج جافة ومقاومة؛
– تخيلات الذكور من الثقب والكسر، إلخ.. ؛
– هواجس أو استيهامات الاغتصاب لدى النساء؛
– فرك خشن وجاف ومتسرع لا يتوافق مع تحركات الشريك؛
– غزو ​​التخيلات غير الجنسية المرتبطة بالصور الطفولية والعواطف السابقة (مثل علاقات الهيمنة والخضوع، إلخ..) ؛
– البحث عن الأداء، الاستغلال أو الفشل؛
– المثابرة على السيطرة الطوعية؛
– الحفاظ على الإثارة في منطقة واحدة مثيرة للشهوة الجنسية وليس الإثارة الجنسية للشخص كله؛
– غياب انحلال الوعي (وبالتالي استحالة الوصول إلى حالة التمتع؛
– وجود أحكام أخلاقية (حياء، اشمئزاز، إلخ..) ؛
– هزة جماع مقيدة وإفرازات غير مكتملة أو مخيفة تسبب العصبية؛
– الشعور بالتعب أو الاشمئزاز تجاه النفس أو الآخرين؛
أخيرا، شعور نهائي بالمرارة وهو شعور ثقافي: Omne animal post coitum triste est
(كل حيوان حزين بعد التزاوج).
هذه المجموعة هي مصدر عدم الإشباع الذي يصفه رايخ تحت المصطلح الطبي “الاحتباس اللبيدي”. إذا لم يتم تفريغ الطاقة الجنسية بالكامل من خلال هزة الجماع في علاقة جنسية مرضية تماما، فهناك “بقية” تتراكم وتتعفن مع “البقايا” الأخرى: هذا هو الاحتباس الليبيدي، الذي يصبح شيئا فشيئا مصدرا للأمراض الجسدية والليبيدية، أو الذي يفسر الشبقية والشبق الرجولي.
إن التناسلي والجنسانية التناسلية بالنسبة لرايخ هما علاقة تبادل بين الأنا والآخر وليسا علاقة قوة، صادرة عن عصاب. تبادل الامتلاء في احترام للآخر، co-ire (سير جنبا إلى جنب) (رايخ، 1982ب: 88) لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تجاوز النشاط الجنسي الطفولي، وهو مصدر لإشكاليات (انظر الأمثلة في “الكتابات الأولى”، مرجع سابق، ج 2، ص: 337) فموية، شرجية، قضيبة، تلصصية، استعراضية، سادومازوشية، إلخ..
وإذا كان القضيب عضوا مركزيا في النشاط لجنسي، أو فتيشة أو موضوعا نرجسيا، وبالتالي منافسا لجنس المرأة، فمن المستحيل بالتالي الوصول إلى الامتلاء، الذي هو راع وتصالحي في آن واحد. من هنا تأتي أهمية الهجر التام للذات بالنسبة إلى الفعل الانتعاظي. لكن بشرط صريح أنه أثناء الجماع، يحدث ارتداد من إثارة الأعضاء التناسلية نحو سائر الجسم والجهاز النفسي حتى يتمكن هذا المجموع من تفريغ كل توتراته: هذه هي القوة الانتعاظية التي يحدثنا عنها رايخ.
وهكذا نرى أن الانتعاظ الجسدي الناجح لا ينحصر في منطقة واحدة مثيرة للشهوة الجنسية، ولكن يعود الفضل في ذلك إلى الكائن كله، على وجه الخصوص، إلى انحلال الوعي، وهو شرط لتفريغ التوترات بشكل تام.
في الواقع، بالنسبة إلى رايخ، فإن الإشباع الانتعاظي يجنب العصاب، الذي قد يكون اضطرابا في التناسل (يضطرب بسبب النشاط الجنسي الطفولي)، وليس اضطرابا في النشاط الجنسي بشكل عام: هذه في الواقع مساهمة مهمة لرايخ في التمييز داخل النشاط الجنسي بين البعدين الطفولي والتناسلي. لأن “الصحة النفسية تتوقف على القوة الانتعاظية، أي على القدرة على العطاء خلال ذروة الإثارة الجنسية. وإلا فإن تثبيط الطاقة الانتعاظية ينتج عنه تأثيرات “الاحتباس” وتشكيل مقاومات نفسية جسدية مجمعة تحت اسم “درع الشخصية” (أو الدرع العضلي).
هكذا، يكون الميل التناسلي مصدر شفاء، وحيوية بشكل عام؛ إذ يسمح لنا بالتوجه نحو الآخر والعالم الخارجي. سيكون الانتعاظ التناسلي بمثابة ترياق مضاد للسم، وبهذا المعنى، يندرج رايخ ضمن تيار فكري يضم، من بين آخرين، اوتو غروس وماكس إيتينغون.
على سبيل الاستنتاج الحاسم، فسر رايخ كل السلوك البشري من خلال الفعل الانتعاظي والتناسلي فقط، خاصة منذ الثلاثينيات ومنافيه (برلين، الدنمارك، الولايات المتحدة الأمريكية)، مع تقعيد مفهوم “الأورغون” باعتباره الليبيدو الأعلى والطاقة الوحيدة للإنسان. أن يصبح هذا تفسيرا أوحد ووحيدا، مفتاحا كونيا، فذلك أمر بارانويدي، من ترتيب جنون الارتياب العلمي (فضلا عن ذلك، تصبح الأطروحة هوية)، لكن هذا لا ينبغي أن يلعي الجوانب المهمة من مساهمته.
يرتبط هذا التفسير الوحيد بإنكار القطبية الثنائية، مثلا إنكاره لوجود غريزة الموت.(بينما في الواقع تجد امتدادها، بشكل آخر، في مفاهيم مثل مفهوم الطاعون العاطفي”).
ولكن إذا كنا منتبهين إلى فكر رايخ، نجد فعلا أن غريزة الموت “تقوم بالعودة بلا وعي” إلى مفهومه عن المجتمع، لدرجة أن المجتمع أصبح غريزة موت. هذه الفكرة مدين بها كثيرا لجان جاك روسو ومبدئه “الإنسان خير بطبيعته” المجتمع هو الذي أفسده، المبدإ الذي أصبح عند رايخ: الإنسان عدواني ومدمر لأنه يعيش في مجتمع يعوق الإشباع الحر للغرائز الجنسية.
لكن، شيئا فشيئا، تقوم النظرية الرايخية بإجلاء العالم النفسي (اعتبار الاستيهامات أعراضا، استبدال الأنا الأعلى بالمجتمع، إلخ..) نحو تفسير ميكانيكي وجسدي لكل شيء. التناقض بين النشاط الجنسي التناسلي والجنس الطفولي سيكون مقاومة معينة للأخير، أو سوء فهم معين من جانب رايخ. مثلا، يجعل الاستمناء بطريقة ممنهجة فعلا تناسليًا … وبالتالي يتجاهل الشبقية الذاتية وعملها النفسي. ورغم أنه، في دفاعه، يميز بشكل مثير للاهتمام بين الفعل وتشخيصه (هذه هي التفاصيل التي تشهد على النشاط الجنسي الطفولي). أما البظر فيبقى إما غائباً أو ذكريا عند رايخ.وأخيرا، دعونا نلاحظ عليه غلبة الحاضر كما لو أن الأفعال في الحاضر يمكن أن تشفي جراح الماضي.
في الختام ، لا ينبغي للنهاية المأساوية لرايخ أن تلقي بظلالها على مساهمته في عشرينيات القرن الماضي. سيكون هذا في الواقع رفضا للاستماع إلى محاولة صياغة سؤال مركزي وأبدي: “كيف تكون فردا ضمن مجموعة؟”؛ أي كيف نكون مع الآخرين دون أن نتنازل عما يشكلنا.
وإذا كان رايش قد ركز مفاهيمه على الجنسي، جنسي بيولوجي وجسدي أكثر مما هونفسي (كفرويد، مثلا)، فذلك لأن إيروس، كما تبين الملاحظة – بالمعنى الجنسي وليس الغرامي – هو قوة تدفع نحو التفرد، نحو اللااغتراب. هنا يكمن بلا شك سبب عودة مؤلف مثل رايخ إلى الظهور في الستينيات (عبر ماركوز)، وسيعود إلى الظهور مرة أخرى كلما ظهر سؤال الفرد في مواجهة الجماهير. لأن هذه هي النقطة المشتركة في عشرينيات وستينيات القرن الماضي: الفرد أم الحشد؟ سؤال أبدي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى