محمد جرو/تنوير/:
هل تراجع الإقبال على الطب الحديث بتراجع الأنظمة الصحية في العالم العربي.. وهل يشكّل الطب التقليدي ملاذًا آمنًا للمرضى؟
شخصيا وقبل هذا التاريخ ،وبعدما جربت حروب الطب الحديث من مستشفيات عمومية ومصحات خاصة أثناء مرض فلذة كبدي ذي 15 سنة ،إذ بعد التقرير الطبي ،تبين ماذا فعلت الأدوية بكبد الفقيد ،وليس لأني لا اومن بالعلم والتطور الحاصل في مجال الطب ،ولكن لانخفاض منسوب الثقة ،وانتشار “فراقشية “والمتاجرين في صحة البشر ..
غيبيا ،آمنت بحديث للرسول الكريم محمد ولأن مثلا الحجامة سنة ودواء كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ،فقد أخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة اسري به، انه لم يمر على الملائكة إلا امروه : ان مر أمتك بالحجامة. كما أنه صلى الله عليه وسلم قال “استعدوا للبرد كما تستعدوا للحرب “ولأن هذا ما عشته من خلال تجربة شخصية ،فوضعت ثقتي في هذا الطب البديل ،والذي كذلك لم ولن يسلم من الزيف وكذلك “فراقشية” خاصة على مستوى مواقع التواصل الإجتماعي بنشر فيديوهات حول منتوجات وطرق علاجية تعتمد الأعشاب وغيرها من الطب التقليدي ،فيما يتعلق بأمراض العصر وضرورة الإلتجاء الحجامة والفوطة النارية والسوجوك والوخز بالإبر الصينية ،والذي ولجته طلبا للعلاج واكتشف هذا العالم ،في ظل ارتفاع العلاج عبر بوابة الطب الحديث ،ولضعف وهشاشة التعاضديات بل وفسادها ..فبين الممارسات العلمية والعشوائية، يبقى مستقبل الطب التقليدي في العالم العربي مرهونًا بقدرته على الانتقال من خيار اضطراري فرضته الأزمات، إلى مكوّن منظم ومكمّل داخل أنظمة صحية منهكة تبحث عن أي مساحة للصمود.
فبالعودة للطب التقليدي ومنه الصيني الذي انتشر انتشارا واسعا ،وقد أصبحت زبونا لدى أحد أطبائه بمراكش الدكتور محمد مروان ،الذي بعد عودته من الصين ولمعادلة شهادته مر من المركز الإستشفائي محمد السادس ، وصفة صينية قديمة تُظهر نتائج واعدة في تحسين خصوبة النساء،الطب التقليدي، القائم بمعظمه على المنتجات الطبيعية، شكّل لقرون طويلة الأساس الأول للممارسة الطبية، ولا يزال يحمل رصيدًا معرفيًا غنيًا. مراجعة علمية شاملة نُشرت عام 2020 في مجلة Saudi Journal of Biological Sciences أظهرت أن نباتات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشكّل خزّانًا واعدًا لاكتشاف مركّبات جديدة مضادة لمرض السل، في منطقة يتميز تنوعها البيئي والمناخي بغنى نباتي لافت.
وتشير المراجعة إلى أن نحو 165 نوعًا نباتيًا من أصل 184 نوعًا تُظهر توافقًا واضحًا بين الاستخدامات الشعبية المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي وبين الأدلة المخبرية. وتشمل هذه النباتات على سبيل المثال: الحبة السوداء والأوكالبتوس والزعتر وإكليل الجبل وأعشاب Cymbopogon… ما يدعم فكرة أن المعرفة العلاجية الشعبية ليست منفصلة عن الدليل العلمي، بل قد تشكّل نقطة انطلاق لأبحاث دوائية محلية أكثر أمانًا وأقل كلفة.
في هذا الصدد ،ونتيجة أزمات اقتصادية وحروب أنهكت الأنظمة الصحية وقلّصت خيارات المرضى في العالم العربي،يعود الطب البديل إلى الواجهة مع استضافة الهند القمة العالمية الثانية لمنظمة الصحة العالمية حول الطب التقليدي في نيودلهي بين 17 و19 ديسمبر من السنة الماضية ،وهي قمة تهدف إلى إعادة إدماج هذا النمط العلاجي ضمن أطر علمية قائمة على الأدلة وحوكمة أخلاقية واضحة.
ويبدو أن القمة لم تُطرح بوصفها احتفاءً بالماضي، بل كاستجابة لأزمات الحاضر، مع التركيز على إمكانية دمج الطب التقليدي بأمان في أنظمة الرعاية الصحية، في مسعى لبناء أنظمة صحية أكثر شمولًا واستدامة. وفي العالم العربي، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الحروب وتفكك البنى الصحية، يبدو هذا النقاش أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
كما تؤكد مراجعة نُشرت عام 2006 في مجلة Evidence-Based Complementary and Alternative Medicine أن شرق المتوسط يمتلك إرثًا واسعًا من الطب العشبي، يُستخدم فيه ما بين 200 و250 نوعًا من النباتات لعلاج أمراض الجهاز التنفسي والهضمي والجلدي والكبد والسكري، وأن كثيرًا منها يحتوي مركبات فعالة مثبتة علميًا.
وبالنسبة لباقي الأنواع العلاجية التقليدية ،لاشك أنكم سمعتم بعلاج رمال مرزوگة بالجنوب الشرقي ،أو حمامات الرمال الطبيعية ،والتي مكنت كثيرين من الوقوف بعد أن فقدوا الأمل في ذلك ،بل منهم من حضر للمنطقة من خارج المغرب ،هناك كذلك مياه مولاي يعقوب وحامات الريش..
وطبعا لكل نوع من الطب محاسنه ومخاطره ،ولن يخرج الطب التقليدي الطبيعي عن هذه القاعدة ،لا يخلو استخدام الطب التقليدي من مخاطر حقيقية، فغياب التنظيم والرقابة يفتح المجال أمام الاستغلال المادي وعمليات الاحتيال، وتسويق مواد غير فعالة أو ضارة بالصحة، في ظل ضعف وعي المستهلكين.
وتحذّر مراجعة عام 2006 من تراجع خطير في المعرفة التطبيقية لدى المعالجين التقليديين، حيث تُمارس وصف الأعشاب بشكل عرضي قائم على الأعراض فقط، من دون فهم علمي للمرض أو للمركبات الفعالة، إضافة إلى استخدام نباتات لا تطابق المعايير ويمكن أن ينتج عن ذلك نتائج عكسية خطيرة ..