أحمد رباص
قبل ساعات، ظهر عبد الحق الصنايبي على شاشة قناته في “يوتيوب” بمنشورٍ لا يليق—من حيث الأسلوب والمعنى—حتى بتلميذ في السنة السادسة ابتدائي، فكيف بصاحب شهادة الدكتوراه؟
وحتى لا نظلم الرجل، لا بد من نقل فحوى كلامه ثم مناقشته، مع الحرص على تقويم عباراته لتغدو صالحة للنشر. ولعل سبب الركاكة التي طبعت منشوره أنه من الذين هجروا الكتابة لصعوبتها وضيق جمهورها، وآثروا عليها الخطابة المرتجلة لما فيها من سهولة وجاذبية، خصوصًا لدى غير المتعلمين، وبعض المتعلمين الذين انصرفوا منذ زمن عن قراءة النصوص المحكمة.
استهل الصنايبي منشوره بالقول إن “الجالية القطرية والإيرانية” “تحتج” على اختطاف مادورو، الذي نعته بأنه “رئيس عصابة كارتيل المخدرات الصلبة”. ولي على ذلك جملة ملاحظات، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
أولًا: بغضّ النظر عمّن يقصدهم بعبارة “الجالية القطرية والإيرانية”، فإنني لا أستسيغ إطلاقًا هذا التعبير، لأنه يوحي بأن المغاربة صاروا شيعًا وطوائف تدين بالولاء لهذه الدولة أو تلك، بينما هم شعب واحد، مُجمع على نظامه الملكي، متشبث بوحدة وطنه، رغم اختلاف ألوانهم وأصولهم ولغاتهم.
ثانيًا: يبدو أن صاحب المنشور يسلّم بما يروّج له ترامب ضد مادورو بشأن الاتجار بالمخدرات، وكأنه يمتلك دليلًا قاطعًا لم يثبت حتى لدى من يطلق الاتهام. وكيف غاب عنه أن جورج بوش الأب برّر عدوانه على العراق بأسطوانة “أسلحة الدمار الشامل”، ثم تبيّن زيفها؟ وها هو ترامب يعيد الحيلة نفسها، مستبدلًا “أسلحة الدمار الشامل” بـ“المخدرات”، لتسويغ الهجوم على فنزويلا، وفتح الطريق للسطو على ثروتها النفطية.
ثالثًا: ما تبقى من منشوره لا يعدو أن يكون سؤالًا عن صمت المدافعين عن مادورو عندما “كان ينتهك السيادة المغربية”. وحتى في هذا المقام، يحق لنا التساؤل: كيف يسمح الصنايبي لنفسه بالجزم بأن مادورو انتهك سيادتنا، وهو لم يقد جيشًا لاحتلال بلادنا، ولم يشن عدوانًا عليها؟ ثم إن الشعوب—ومنها الشعب المغربي—مطالبة بتحسين علاقاتها الخارجية وبناء جسور المصالح، أما مواقف الرؤساء والزعماء فقد تعبّر عن تقديرات سياسية ظرفية، وقد تتغير تحت ضغط الوقائع أو تبدل الحسابات، إن لم تُغرقها أمواج السياسة في النسيان. أكثر من ذلك، جعلنا القرار الأممي في غنى عن تأييد مادورو وغيره لوحدتنا الترابية ما دام أن بلادنا مقبلة على تفعيل الحكم الذاتي في أقاليمنا الصحراوية بعد مفاوضات ودية مع إخواننا الصحراويين.
والثابت عند قراءة منشور الصنايبي أنه، في العمق، يريد منع الناس من استنكار انتهاك القانون الدولي، وكأن صبرهم على هذا الانتهاك لم يطل حتى نفد، خصوصًا بعد ما اقترفته إسرائيل في حق سكان غزة الأبرياء، وما تلا ذلك من توترات إقليمية. وكيف يتغافل الصنايبي عن الانتفاضات الحاشدة التي ما فتئت شعوب دول الاتحاد الأوروبي تنظمها احتجاجًا على الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني؟ وهي احتجاجاتٌ دفعت ترامب ونتنياهو ومن يسير في ركبهما إلى مهاجمة أوروبا واتهامها—زيفًا—بالتساهل في استقبال المهاجرين المسلمين.
ويبقى السؤال الأهم: هل يجوز لنا التفريط في القانون الدولي وفي السلم العالمي بدعوى حماية مصالحنا؟
إن عبد الحق الصنايبي—على الرغم من صفته الأكاديمية—يخلط بين مواقف الناس وحقوقهم. فمهما كانت مواقف بعض الأطراف مناقضة لمصالحنا، فإن الدفاع عن حقوق أصحابها يظل دفاعًا عن حقوق الإنسان بوصفها حقوقًا كونية، وهو في نهاية المطاف دفاعٌ عن حقنا نحن أيضًا حين نكون ضحايا الظلم أو الاعتداء.