متابعة سعيد حمان
مرة أخرى، تؤكد المحكمة الدستورية أن الدستور المغربي ليس مجرد نص رمزي، بل مرجعية فعلية تضبط إيقاع التشريع وتحمي التوازنات الأساسية داخل الدولة. فقد قضت المحكمة بعدم دستورية قانون “إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة”، الذي دافعت عنه الحكومة ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، رغم ما أثاره من جدل واسع داخل الأوساط الصحافية والحقوقية.
القرار لا يمكن اختزاله في كونه ملاحظة تقنية أو إجراءً شكليًا، بل يحمل في طياته رسالة سياسية ومؤسساتية واضحة: لا يمكن تمرير قوانين تمس جوهر الحريات، وعلى رأسها حرية الصحافة واستقلالية التنظيم الذاتي، بمنطق الأغلبية العددية داخل البرلمان أو بمنطق “الأمر الواقع”.
منذ الإعلان عن مشروع هذا القانون، عبّر عدد كبير من الصحافيين والمهنيين عن رفضهم لمضامينه، معتبرين أنه يشكل محاولة مكشوفة لإعادة هندسة المجلس الوطني للصحافة على مقاس السلطة ومراكز النفوذ، وضربًا لمبدأ الاستقلالية الذي نص عليه دستور 2011، خاصة في فصله 28 الذي يقر بحرية الصحافة والتنظيم الذاتي للقطاع.
ورغم هذه التحفظات، تم الدفع بالقانون في مسار تشريعي سريع، وكأن صوت الجسم الصحافي لا وزن له في معادلة الإصلاح، وكأن النقاش العمومي مجرد إجراء شكلي لا أثر له على القرار السياسي.
اليوم، قالت المحكمة الدستورية كلمتها الفاصلة: بعض المواد تخالف صراحة الدستور، وبعض المقتضيات تمس جوهر التوازن داخل المجلس، سواء من حيث طريقة التمثيل أو آليات التدبير والحكامة. والنتيجة واضحة: القانون في صيغته الحالية مرفوض دستوريًا.
ما حدث لا يمثل فقط انتصارًا للمعارضة البرلمانية التي طعنت في القانون، بل هو قبل ذلك انتصار لمهنة الصحافة نفسها، وانتصار لفكرة مركزية في الدولة الديمقراطية، مفادها أن التنظيم الذاتي لا يُفرض من فوق، ولا يُصاغ في المكاتب المغلقة، بل ينبع من المهنيين أنفسهم، وبمشاركتهم الحرة والمسؤولة.
إنه انتصار للدستور على منطق التحكم، وانتصار للمؤسسات على النزعات السلطوية المقنّعة بخطاب “الإصلاح”.
ويبقى السؤال الحقيقي المطروح اليوم:
هل ستستوعب الحكومة هذا الدرس الدستوري والسياسي؟
أم أننا سنشهد عودة نفس المقاربة، لكن بقناع جديد وصيغة أخرى؟
الكرة الآن في ملعب الحكومة، والامتحان ليس تشريعيًا فقط، بل ديمقراطيًا بامتياز.