تأملات بومة مينيرفا حول هزيمة المغرب أمام السينغال في نهائي الكان 2025

أحمد رباص
كتب هيغل أن بومة مينيرفا لا تطير إلا عند حلول الليل. وهذا يعني أن الفيلسوف، مثل المؤرخ، لا يدرس العمليات التاريخية إلا بعد حدوثها. مناسبة هذا الاستشهاد هذا اللغط المزعج الذي ملأ وسائل التواصل الاجتماعي زعيقا يصم الآذان ويشوش على التفكير السليم مباشرة بعد انهزام المنتخب المغربي لكرة القدم أمام نظيره السينغالي في نهائي الكان 2025.
من هؤلاء الزاعقين الذين ينصبون أنفسهم مؤثرين (في القطيع) من تبنى نظرية المؤامرة التي تعفيه من تجشم عناء التحليل والتفكير المؤديين إلى معرفة الأسباب الموضوعية للهزيمة، والتي تزين له نسبة عوامل الفشل إلى جهة خارجية توصف بكونها معادية لنا.
ظهر هذا التوجه إلى تبني خطاب المؤامرة عند من روج لسينياريوهات خيالية من قبيل سفر مدرب الفريق السينغالي إلى فرنسا من أجل الالتقاء بمسؤولين جزائريين. كما برز من بعض المؤثرين المغاربة الذين ركزوا على اعتماد السينغاليبن على السحر والشعوذة لضمان الفوز وكأن لا علاقة للمغاربة بالسحر وطقوسه.
مثل هؤلاء المؤثرين المضللين مرغوب فيهم وتمنح لهم الحظوة والماكفأة من قبل إدارات وسائل التواصل الاجتماعي لأنهم يجيشون العوام عبر العزف على أوتار العاطفة وتضخيم المخاطر التي يتخيلون البلد معرضا إليها، ومع ذلك لا خوف عليهم ولا يحزنون ما داموا يختبئون وراء حرية التعبير والحس الوطنجي. بينما لا نجد سندا لادعاتهم الباطلة في الخطاب الرسمي للدولة المغربية والذي لا نلمس فيه أثرا للمؤامرة، بل يطالعنا منه رغبة في معاقبة السلوك الأرعن لمدرب الفريق السينغالي الذي قارفه فوق الميدان، وتأكيد على دوام وسلامة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
يتغافل المؤثرون وتابعوهم المغفلون عن أن الترويج لخطاب المؤامرة، التي يزعمون أن الجزائرين هم من حاكوها، هدية ثمينة يقدمونها على طبق من ذهب إلى النظام الجزائري ليكون بإمكانه أن ينتدب جناحه الإعلامي لتسويق نفس الخطاب كعلامة على مدى كراهية المغاربة للجزائريين، وصولا إلى إلهاء الشعب الجزائري بعدو وهمي عن قضاياه الأساسية، ونفس الشيء يحصل عندنا عندما يتناول مؤثرونا مشاهد التشفي التي جسدها بعض الجزائريين الذين خرجوا يهتفون بالسينغال ضدا على المغرب.
في سياق الجدل المثار على وسائل التواصل الاجتماعي، استوقفتني تدوينة لشابة صحافية مغربية تنصح فيها مواطنيها بحسن التعامل مع المهاجرين السينغاليبن المقيمين بالمغرب حفاظا على خصلة الكرم التي تميزنا. وفي إطار التفاعل معها كتبت ما يلي: “بنتي فلانة، الله يرضي عليك إلا ما جاوبيني على هاد السؤال: علاش المغرب فتح الحدود أمام الأفارقة؟ واش باش نبانو، حنا المغاربة، كرماء؟ ولا باش نحققو أهداف أخرى معلنة وغير معلنة؟ وكيفاش نسيتي الأجندة الجهنمية المراد تنفيذها من هذا التساهل مع تواجد الأفارقة في بلادنا ألا وهي تغيير المجتمع المغربي كما صرح بذلك وهبي بفمه المليان؟”
راكم تعليقي 14 تأييدا وإعجابا، وخصه أحد المستعملين بتعقيب أول يقول فيه أن أغلب المهاجرين الأفارقة دخلوا إلى المغرب بواسطة “الحريگ”، وأنا نرد عليه: “وعلاش خلاوهم يدخلو؟ واش الحدود مترعة؟” جاوبني في تعقيب تال: “خويا الهضرة ساهلة، راه من أصعب الأشياء مراقبة الحدود، أمريكا ومقدراتش”.
والغريب في الأمر أن هؤلاء الذين ملأوا وسائل التواصل الاجتماعي زعيقا كرد فعل منهم على الهزيمة لم ينتبهوا إلى أن الانفتاح على الآخر بدون شروط له من السلبيات أكثر من الأيجابيات. فأگثر السلبيات بداهة هو إتاحة الفرص لهذا الآخر لكي يعرف كيف تفكر وتخطط وتبرمج، فيمكن عليه بالتالي التفوق عليك عندما تحين الفرصة، ولنا في علاقة أمريكا بالصين خير درس يستفاد في هذا المقام. نقلت أمريكا صناعتها إلى الصين طمعا في جني الأرباح بعد تقليص تكلفة الإنتاج، وها أمريكا اليوم تعد العدة لخوض الحرب ضد خصم استراتيجي ساهمت في تقويته إلى أن صار يشكل تهديدا وجوديا بالنسبة إليها.
وبما أن موضوعنا متصل بكرة القدم، أرى أن فرصة ختم هذا المقال مناسبة مواتية لإزالة الغموض الذي يكتنف مفارقة تفوق أجرة لاعب كرة قدم على أجور كتاب مجتمعين ينتسبون إلى قومية شاسعة إبان فترة طويلة، فأقول إنه من الطبيعي للغاية أن تكون ثروة لاعب كرة قدم أكبر مما نتصور، لسبب واحد وهو أن غالبية الناس، عبر العالم، يميلون إلى اللعب والتسلية والفرجة والسفر وإلى كل ما يروح عن النفس. وتبقى القراءة نشاطا لا تقوم به إلا فئة قليلة صارت عندها، بفعل الممارسة والمراس، حركة الدماغ أمتع من حركة الجسد.. وهكذا يترافق إقبال الجماهير بكثافة على الملاعب مع تدفق الأموال الطائلة، وتترافق الصناعة الثقافية مع الفقر لأن الإقبال على منتوجاتها ضئيل جدا، خاصة في عالمنا العربي من الخليج إلى المحيط..




