بقلم ذ.عبد اللطيف رقيق
أُلغي حفل فرقة الروك الأمريكية Earth، بقيادة الموسيقي ديلان كارلسون، في مركز TPO الاجتماعي بمدينة بولونيا الإيطالية، بعد خلاف حاد لم يكن موسيقيًا بقدر ما كان سياسيًا وأخلاقيًا. الخلاف اندلع بسبب وجود علم فلسطين معلق داخل القاعة، إلى جانب المسرح، وهو ما اعترض عليه قائد الفرقة قبل صعوده للأداء، مطالبًا بإزالته كشرط لبدء الحفل.
طلبٌ بدا بسيطًا شكليًا، لكنه فجّر سؤالًا جوهريًا:
هل يمكن للفن أن يكون محايدًا في زمن الإبادة؟
وهل يُطلب من الفضاءات الثقافية أن تُفرغ جدرانها من مواقفها كي لا تُزعج فنانًا قادمًا من مركز العالم الغربي؟
فرقة Earth: موسيقى تجريبية… وصمت سياسي
تُعد فرقة Earth من الأسماء المؤثرة في موسيقى drone doom وexperimental rock، وقد تأسست في تسعينيات القرن الماضي بمدينة سياتل. ويُعتبر ديلان كارلسون عضوها الدائم الوحيد، وشخصية موسيقية ذات حضور في مشهد بديل يدّعي غالبًا التمرد على السائد.
غير أن هذا “التمرد” الموسيقي لم ينعكس يومًا في مواقف سياسية واضحة تجاه القضية الفلسطينية. فموقف كارلسون، الرافض لوجود علم فلسطين داخل القاعة، لا يخرج عمليًا عن الحياد السلبي الذي يُشكّل، في السياق الحالي، اصطفافًا غير مباشر مع الرواية الغربية الرسمية، وخصوصًا الموقف الأمريكي الذي يسعى إلى إقصاء الرموز الفلسطينية من الفضاء العام تحت ذرائع “عدم التسييس” أو “الحياد”.
فالاعتراض لم يكن على شعار حزبي أو خطاب كراهية، بل على علم شعب يخضع للاحتلال، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى رمز عالمي لمقاومة الظلم، وراية أخلاقية قبل أن يكون راية سياسية.
TPO بولونيا: الثقافة حين ترفض خلع جلدها
في المقابل، جاء موقف مركز TPO الاجتماعي والثقافي في بولونيا حاسمًا وواضحًا. إذ رفضت إدارة المركز طلب إنزال العلم، مؤكدة في بيان رسمي أن العلم الفلسطيني جزء من تاريخ وهوية المكان السياسية والثقافية، وأن القاعة احتضنت على مدى سنوات فعاليات تضامنية ونقاشات سياسية مرتبطة بقضايا العدالة وحقوق الشعوب.
وأوضحت الإدارة أن إزالة العلم لم تكن خيارًا مطروحًا، حتى لو كلّفها ذلك خسائر مالية قُدّرت بنحو 5000 يورو، وهي قيمة الإلغاء والتكاليف المترتبة عنه. وبناءً عليه، اتخذ المركز قرارًا بإلغاء الحفل، لا بدافع التصعيد، بل دفاعًا عن انسجامه مع ذاته.
قرارٌ نادر في زمن تُقايَض فيه المبادئ غالبًا بعائد التذاكر.
من الخسارة المالية إلى الربح الأخلاقي
إثر الإلغاء، أطلق المركز حملة جمع تبرعات (crowdfunding) لتغطية الخسائر، في خطوة تحوّلت سريعًا إلى فعل تضامني جماعي. كما عبّر عدد من الحاضرين عن دعمهم لقرار الإدارة بهتافات “Free Palestine” داخل المكان، في مشهد اختصر جوهر القضية:
الجمهور سبق الفنان، والقاعة انتصرت على المسرح.
هنا، لم يكن العلم الفلسطيني مجرد قطعة قماش، بل اختبارًا للقيم. اختبار فشل فيه فنان اختار الصمت المريح، ونجح فيه مركز ثقافي قرر ألّا يخلع تاريخه عن الجدران لإرضاء ضيف عابر.
الثقافة ليست محايدة
ما حدث في بولونيا ليس حادثًا معزولًا، بل جزء من صراع أوسع حول من يملك الفضاء الثقافي، ومن يقرر ما يُرفع وما يُخفى. فحين يُطلب إنزال علم فلسطين باسم “الحياد”، فإن الحياد نفسه يصبح موقفًا سياسيًا منحازًا، خاصة عندما يتماهى مع الخطاب الأمريكي الرسمي الذي يجرّم الرمز ويبرّئ الجريمة.
في بولونيا، اختار مركز TPO أن يكون واضحًا:
إما الثقافة كما هي، أو لا حفل على الإطلاق.
وهكذا، خسر الروك ليلته، وربحت فلسطين مساحة جديدة.
وربح المكان احترامه لنفسه.