عندما يُتَّهَم الدفاع بإيذاء المتقاضين: أو كيف يُصنَع التضليل باسم المصلحة العامة؟
(من وحي بلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب، قيادتنا المهنية )

ذ. مصطفى المنوزي
كلما دخلت مهنة المحاماة محطة نضال مهني دفاعًا عن استقلالها ووظيفتها الدستورية، خرج علينا بعض الإعلام المأجور بخطاب جاهز: توقف المحامين عن العمل يضر بمصالح المتقاضين.
وهو اتهام يبدو في ظاهره إنسانيًا، لكنه في عمقه مناورة تضليلية تُفرغ النقاش من جوهره، وتُحوِّل الضحية إلى متهم.
أول ما يتجاهله هذا الخطاب أن المحاماة ليست خدمة تجارية يمكن تقييمها بمنطق “التوقف والخسارة”، بل هي ركن من أركان العدالة وضمانة أساسية لحق الدفاع. وحين تُمس استقلالية المحامي، أو تُفرض عليه نصوص تشريعية تُقزِّم دوره وتُضعف حمايته، فإن المتقاضي لا يخسر يومًا أو جلسة، بل يخسر محاميًا حرًّا قادرًا على الدفاع الفعلي عن حقوقه.
ثانيًا، هذا الإعلام يتعمد الخلط بين الأثر الظرفي للاحتجاج، وبين الضرر البنيوي الناتج عن تشريعات معيبة.
نعم، أي توقف نضالي قد يخلّف كلفة مؤقتة، لكن الكلفة الحقيقية هي الصمت على قوانين تُنتج محاماة خاضعة، وعدالة صورية، وتقاضيًا بلا أسنان. فهل مصلحة المتقاضي في محامٍ مُروَّض، أم في محامٍ مستقل حتى لو احتج؟
ثالثًا، يتم تحميل المحامين مسؤولية تعطل المرفق القضائي، وكأنهم هم من أغلقوا باب الحوار، أو صاغوا النصوص في غرف مغلقة، أو تجاهلوا الاعتراضات المهنية.
فالاحتجاج ليس سبب الأزمة، بل عرض من أعراضها. أما السبب الحقيقي فهو ضعف الحكامة التشريعية، وغياب المقاربة التشاركية، والاستخفاف بوظيفة الدفاع.
الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب الإعلامي يمارس ابتزازًا أخلاقيًا:
إما أن يقبل المحامون بقوانين تمس جوهر مهنتهم، أو يُتهمون بأنهم أعداء المتقاضين. وهو منطق لا يليق لا بالإعلام ولا بالدولة، لأنه يُحوِّل الحقوق إلى مقايضة، والعدالة إلى رهينة.
تاريخيًا، لم تتقدم حقوق المتقاضين بالامتثال، بل بالنضال المهني المسؤول. كل ضمانة حقيقية في المحاكمة العادلة كانت ثمرة توتر مشروع، لا نتيجة رضا مُعلَّب. ومن يهاجم هذا الإرث، إنما يهاجم ذاكرة العدالة نفسها.
والخلاصة بسيطة وواضحة: و إن المحامين لا يحتجون ضد المتقاضين، بل ضد الشروط التي قد تُفرغ الدفاع من معناه. أما الإعلام الذي يختزل المعركة في عناوين عاطفية، فهو إما يجهل وظيفة المحاماة، أو يؤدي دورًا وظيفيًا في تمييع الصراع الحقيقي ؛ وإن العدالة، حين تُدار بالتضليل، لا تخدم أحدًا… سوى من لا يريد لها أن تكون عادلة.
مصطفى المنوزي




