تُعدّ مجزوءة المعرفة (أو الإبستيمولوجيا) من أكثر المجزوءات التي تثير الجدل داخل درس الفلسفة، ليس فقط بين المتعلمين ، بل أيضا بين مدرّسي الفلسفة أنفسهم. فالملاحظ، من خلال الممارسة الصفّية وتبادل التجارب البيداغوجية، وجود اختلاف كبير، بل وأحيانا تناقض صريح، في طرق تقديم هذه المجزوءة، وفي صياغة مضامينها، وتحديد مفاهيمها، وبناء إشكالاتها. وهو اختلاف لا يمكن اختزاله في التنوع المشروع في الأساليب، بل يتجاوز ذلك ليعكس إشكالات أعمق تتصل بالتكوين والتصور والمرجعيات الفلسفية المعتمدة.
إن هذا الوضع السالف الذكر يعود في جزء كبير منه إلى ضعف التكوين الرصين في ميدان الإبستيمولوجيا وتاريخ العلوم، نتيجة التقاليد السائدة في الجامعة المغربية، حيث ظلّ التركيز موجها أساسا نحو قضايا فلسفية كلاسيكية وتقليدية، مما أدى إلى تهميش التفكير في المعرفة العلمية وشروط إنتاجها. فالإبستيمولوجيا، رغم مركزيتها في الفكر الفلسفي المعاصر، غالبا ما تُدرَّس بشكل هامشي وعرضي دون تعمق كافٍ في التحولات الكبرى التي عرفها العلم الحديث والمعاصر.
ويزداد هذا الوضع تعقيدا بفعل غياب التأطير والتكوين المعرفي والبيداغوجي المستمرين، الأمر الذي يجعل الأستاذ يعتمد في كثير من الأحيان، على اجتهاده الفردي أو على تمثلات معرفية سابقة، قد تكون غير محيّنة أو غير منسجمة مع التحولات الإبستيمولوجية الراهنة. كما أن اختلاف التصورات والمقاربات بين مدرّسي الفلسفة، بين من يتبنى مقاربة تاريخية، ومن يفضل المقاربة المفاهيمية أو الإشكالية، يساهم بدوره في تعميق هذا التباين.
ولكل هذه الأسباب، نجد أنفسنا أمام اختلاف، بل أحيانا تناقض، في صياغة المضامين والتصورات الفلسفية الموجهة لمعالجة قضايا ومفاهيم مجزوءة المعرفة، وهو ما ينعكس مباشرة على المتعلم، الذي يجد نفسه أمام خطاب معرفي غير منسجم، أو أمام مفاهيم تُقدَّم بطرق متباعدة، وقد تكون أحيانا متعارضة. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، باعتباره مساهمة فكرية ومعرفية تروم بسط الإطار العام للمفاهيم والقضايا والإشكالات التي تطرحها هذه المجزوءة، ومحاولة تأطيرها ضمن سياق فلسفي ومعرفي واضح.
وقبل الانتقال إلى الصياغة النهائية لمفاهيم وقضايا هذه المجزوءة، تجدر الإشارة إلى أن المعالجة الفلسفية لمجزوءة المعرفة تقتضي، في المقام الأول، الانفتاح على آراء فلسفية وإبستيمولوجية معاصرة، محايثة للفكر العلمي المعاصر، بدل الاقتصار على استحضار تصورات كلاسيكية، حتى وإن كانت تندرج ضمن نظرية المعرفة كقضية فلسفية كلاسيكية، فالإبستيمولوجيا ليست مجرد استعادة تاريخية لمواقف فلسفية حول المعرفة، بل هي تفكير نقدي حيّ، مرتبط بالتحولات الكبرى التي عرفها العلم عاى وجه الخصوص. لذلك يصبح من الضروري الارتباط بإسهامات الإبستيمولوجيين المعاصرين الذين حاولوا فهم الانقلابات التي عرفتها العلوم، سواء على مستوى المفاهيم أو المناهج، إن هذا الارتباط هو ما يمنح الدرس الإبستيمولوجي راهنيته، ويجعله قادرا على مساءلة واقع العلم اليوم، وفهم طبيعة التفكير العلمي المعاصر، بدل تقديم معرفة فلسفية منفصلة عن دينامية العلم وتحولاته.
بادئ ذي بدء، من أجل بناء تقديم لمجزوءة المعرفة، لابد من استحضار السياق الفلسفي والمعرفي العام الذي تنتظم داخله هذه المجزءة باعتبارها جزء لا يتجزأ من الفلسفة، فهذه الأخيرة في شموليتها، لا تخرج عن ثلاثة مباحث كبرى: مبحث الوجود، ومبحث المعرفة، ومبحث الأخلاق، أوبعبارة أخرى، إن كل ما قاله الفلاسفة منذ نشأة الفلسفة إلى اليوم، يدور بشكل أو بآخر، حول أسئلة وجودية، أو معرفية، أو أخلاقية. ومن هذا المنطلق، تحتل الإبستيمولوجيا موقعا مركزيا داخل الفلسفة، لأنها تنشغل بالسؤال عن المعرفة: طبيعتها، مصادرها، حدودها، ومعايير صدقها. انطلاقا من هذا السياق، يمكن الإحالة إلى العلاقة الضرورية بين العلم والفلسفة، مع التمييز بين الإبستيمولوجيا بوصفها تفكيرا في المعرفة بصفة عامة، وإبستيمولوجيا العلوم بوصفها دراسة نقدية للمعرفة العلمية على وجه الخصوص، فالعلم كما يذهب إلى ذلك العديد من الفلاسفة، لا يفكر في ذاته، بل ينشغل أساسا بمنطق البراكسيس والنتيجة. وهنا ضرورة الإبستيمولوجيا كمساءلة نقدية لمنطلقات العلم، ومفاهيمه، ومناهجه ونتائجه، خاصة في سياق الأزمات والتحولات الكبرى التي عرفتها العلوم في الزمن المعاصر.
فمفهوم الأزمة العلمية يحيل على لحظة اهتزاز في الأسس والمفاهيم التي يقوم عليها العلم. وقد تجلّت هذه الأزمات بوضوح في الفيزياء، فالفيزياء الكلاسيكية بمنطلقاتها المنهجية والمفاهيمة عجزت في لحظة من تاريخ العلم تفسير ظواهر جديدة، مما أدى إلى الانتقال من الفيزياء الكلاسيكية إلى النسبية وميكانيكا الكم، وفي الرياضيات، خاصة مع ظهور الهندسات اللاأقليدية، بل وحتى في البيولوجيا. وقد كانت هذه الأزمات وراء نشأة الإبستيمولوجيا المعاصرة، باعتبارها تفكيرا نقديا في العلم ، ومحاولة لفهم الانقلابات التي عرفها العقل العلمي.
لقد أفرزت هذه التحولات تفكيرا علميا جديدا يختلف جذريا عن التفكير العلمي الكلاسيكي، وأثر ذلك بشكل مباشر على المفاهيم الأساسية للعلم، وعلى رأسها مفهوما النظرية والتجربة، ثم مفهوم الحقيقة العلمية. فلم تعد التجربة وحدها هي المنطلق الحاسم في بناء المعرفة العلمية، بل أصبح البناء النظري والعقلي يحتل مكانة مركزية، وهو ما غيّر من معنى التجربة والتجريب ومعايير التحقق العلمي. وفي هذا الإطار العام، عرفت العلاقة بين النظرية والتجربة تحولات عميقة. ففي الفكر العلمي الكلاسيكي، كانت العلاقة بينهما علاقة جدلية تكاملية، ينطلق فيها العالم من التجربة والواقع، ليبني فرضية نظرية، ثم يعود إلى التجربة عبر التجريب العلمي. غير أن الانتقال إلى الفيزياء المعاصرة أفرز علاقة جديدة، أصبح فيها العلم أكثر ميلا إلى ما هو نظري وعقلي، وهو ما أثّر على معنى التجربة والتجريب، وعلى أسس العقلانية العلمية، بل وعلى معايير علمية النظريات العلمية نفسها.
أما في مجال العلوم الإنسانية، فإن نشأتها المتأخرة خلال العصر الحديث تفرض التفكير في خصوصيتها الإبستيمولوجية. فالظاهرة الإنسانية ظاهرة مركبة ومعقدة، لا تخضع بسهولة لمناهج العلوم الطبيعية، مما يستدعي ابتكار مناهج جديدة والتفكير في شروط علمية هذه العلوم. ومن هنا برزت إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية بوصفها مجالا يشتغل على إشكالات الموضوع والمنهج والموضوعية والتفسير والفهم.
وخلاصة القول، إن تقديم مجزوءة المعرفة يقتضي من الأستاذ وعيا بالسياق الفلسفي العام، وبالتحولات الإبستيمولوجية الكبرى، وبالتمييز بين أنماط المعرفة والعلوم، حتى لا تتحول هذه المجزوءة إلى مجرد تجميع لمفاهيم متناثرة، بل إلى فضاء للتفكير النقدي في المعرفة، وفي شروط إنتاجها، وحدودها، ورهاناتها في العالم المعاصر.