حين يختلط الاختصاص بالتحكيم: ملاحظات نقدية حول موقف وزير العدل

مصطفى المنوزي
إذا صحّ ما نُسب إلى وزير العدل، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر حول التنسيق الحكومي، بل أمام مؤشر مقلق على ارتباك في تمثّل أدوار المؤسسات داخل السلطة التنفيذية، وعلى خلط غير بريء بين منطق الاختصاص القطاعي ومنطق التحكيم السياسي الذي يضطلع به رئيس الحكومة دستوريا.
فما جرى، وفق المعطيات المتداولة، يتجاوز احتجاج وزير على عدم إشراكه في لقاء سياسي، ليكشف عن أزمة أعمق تتعلق بفهم العمل الحكومي الجماعي وحدوده، وبالسؤال الجوهري: متى يصبح تدخل رئيس الحكومة ضرورة سياسية ومؤسساتية، ومتى يتحول الدفاع عن “الاختصاص” إلى تعطيل لمسار التهدئة والتوافق؟
من حيث المبدأ، لا خلاف في أن وزير العدل هو المسؤول المباشر عن مشروع القانون موضوع النقاش، وأن التشاور داخل الحكومة قيمة أساسية من قيم العمل التنفيذي. غير أن هذا المبدأ لا يمكن عزله عن سياقه السياسي والمؤسساتي. فحين يبلغ الاحتقان التشريعي درجة تهدد السلم المهني، وتعطل السير العادي لمرفق العدالة، يصبح تدخل رئيس الحكومة ليس فقط مشروعًا، بل مطلوبًا، باعتباره الضامن لوحدة وتماسك العمل الحكومي، لا مجرد منسق تقني بين القطاعات.
اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة بجمعية هيئات المحامين لا يمكن قراءته كـ“تجاوز” لوزير العدل، بل كفعل تحكيم سياسي في لحظة انسداد. التحكيم هنا لا يلغي الاختصاص، بل يضعه داخل أفق أوسع: أفق احتواء الأزمة، وإعادة فتح قنوات الحوار، وتخفيف منسوب التوتر. الاعتراض على هذا الدور يوحي بتصور ضيق للوظيفة الحكومية، أقرب إلى منطق الملكية القطاعية للملفات منه إلى منطق المسؤولية الجماعية.
الأكثر إشكالية هو استدعاء مبدأ “التضامن الحكومي” في مرحلة متأخرة من الأزمة، وكأنه درع دفاعي عن موقع سياسي، لا آلية اشتغال استباقية. فأين كان هذا التضامن أثناء إعداد مشروع قانون أثار رفضًا واسعًا داخل المهنة؟ وأين كان خلال تجاهل مقتضيات دراسة الأثر، والتشاور الموسع، والإنصات المؤسسي؟ إن التضامن الحكومي لا يُستحضر فقط عند الشعور بالإقصاء، بل يُبنى منذ اللحظة الأولى لصناعة القرار.
أما التلويح بالاستقالة، فهو في هذا السياق يفقد كثيرًا من قيمته الرمزية والأخلاقية. فالاستقالة موقف مبدئي حين تُبنى على رفض مضمون أو قناعة سياسية واضحة، لا حين تُستخدم كورقة ضغط احتجاجًا على مسار لم يكن صاحبه مهندسه. الأخطر من ذلك، هو الإعلان المسبق عن رفض مخرجات لجنة شكلها رئيس الحكومة، بما يعني نسف الحوار قبل اكتماله، والتشكيك في وظيفة التحكيم داخل الجهاز التنفيذي.
في العمق، نحن أمام صراع سرديات داخل الأغلبية نفسها: سردية تعتبر الملف تشريعيًا تقنيًا خالصًا، وسردية ترى فيه أزمة سياسية ومؤسساتية تستوجب تدخلًا تحكيميًا أعلى. وبين السرديتين، يضيع جوهر النقاش: كيف نُنتج قانونًا منظمًا لمهنة دستورية، في مناخ من الثقة، والاحترام المتبادل، والتوافق المسؤول؟
خلاصة القول، إن الإشكال لا يكمن في لقاء رئيس الحكومة بالمحامين، بل في مقاومة هذا اللقاء باسم أعراف تُستدعى انتقائيًا. ففي الديمقراطيات، حين تتعارض شرعية التهدئة مع شرعية التوقيع، يُفترض أن تنتصر الأولى، لأن وظيفة السلطة التنفيذية ليست إدارة الصراع، بل تفكيكه بعقل سياسي ومسؤول.
والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل نريد وزير عدل يُدبّر النصوص فقط، أم رجل دولة يُسهم في تدبير الأزمات التي تولدها هذه النصوص؟
نتمنى أن يصدق تخميني ، وهو أن الأمر لم يبلغ بعد حد المطالبة بالتحكيم الملكي ، لأن التحكيم الملكي يتم لرأب الصدع فيما بين المؤسسات ، والحال أن مبادرة السيد رئيس الحكومة لم تتم إرتجالا ، فلابد من ترخيص قبلي ، خاصة وأن الرئيس لن يجازف في أمر شبه سيادي لعلاقته بسلطة قضائية مسؤولة عن إنتاج العدالة خارج منطق الهاجس الإنتخابي ؛ وفي جميع الحالات فانتقاء مدراء من خارج مبادرة وزارة العدل ضمانة و دليل على أن المقاربة عدلت أو إن صح التقدير صححت مسطريا ، وإذا حصل الإتفاق ورفض الوزير فهناك حلول أهمها تفعيل سلطة الحلول ، فسلطة الحلول هي إجراء قانوني استثنائي يسمح لسلطة عليا (كالوزير أو الوالي) بالتدخل المباشر للقيام بتصرفات أو توقيع إجراءات إدارية، كان يجب أن يقوم بها مرؤوس (مثل رئيس جماعة) ولكنه امتنع أو عجز عن ذلك، مما يهدد سير المرافق العامة. نعم، يمكن تصورها قانونيًا في حالة رفض وزير توقيع إجراء حكومي، حيث يمكن لسلطة أعلى (رئيس الحكومة مثلاً) الحلول محله لضمان المصلحة العامة، أو كما مألوف لدينا تجربة في العمل الجماعي لجوء السلطة الوصية للحلول محل رئيس الجماعة بعد توجيه تنبيه.
مصطفى المنوزي




