الإسلاميون المغاربة وشبكاتهم المحلية والعالمية

أحمد رباص ـ تنوير
ألف جان فرانسوا كليمون (Jean-François Clément) بحثا بالفرنسية حول الأسلاميين المغاربة وشبكاتهم المحلية والعالمية، ونشره في المجلة الرقمية journals.openedtion سنة 2006.
يتناول البحث تعقيد وتنوع الحركات الإسلامية المغربية، سواء العنيفة أو غير العنيفة، من خلال فحص أبعادها الدولية وخصوصياتها الوطنية.
ويرى الباحث أن الحركات الإسلامية المغربية تتبنى عقائد وممارسات تمس قضايا عالمية، ولكن تفاعلاتها مع مجموعات إسلامية أخرى قد تكون محدودة بسبب الخصوصيات الوطنية. مثلا، قد يواجه إسلامي مغربي صعوبات في التعاون مع إسلامي جزائري. تضيف الدياسبورا، وخاصة في إسبانيا أو فرنسا، طبقة من التعقيد، حيث يمكن أن تختلف سلوكيات النشطاء وفقاً لأصولهم.
ولا يمكن اعتبار الإسلاموية ككيان متجانس. فقد سعت بعض الجماعات إلى إعادة صياغة أخلاق المجتمع، معارضة التأثيرات الغربية والدعوة، بينما تتبنى نهجاً غير عنيف. وقد أدت هذه الجهود إلى تهميش المسلمين، مما يجعل اندماجهم أكثر صعوبة وقد ينتج عنها عنف على المدى الطويل.
في حين سعت بعض الحركات الأخرى أكثر راديكالية إلى السيطرة السياسية أو لجأت إلى العنف. كما رغب بعضها في المشاركة في الهياكل الديمقراطية، بينما رفض بعضها الآخر ذلك، معتبرين أن القانون إلهي فقط. هذه الجماعات يمكن أن تلجأ إلى الإرهاب، مما يوضح الفجوة الكبيرة بين قيمها والقيم النابعة من الأنظمة الديمقراطية.
يضيئ النص عتمات اللاتجانس بين الحركات الإسلامية في المغرب ويبرز التوترات بين طموحاتها السياسية، ونهجها الأخلاقي، ونتائج أعمالها الاجتماعية.
يتناول البحث الإسلاميين، وخاصة في المغرب، مسلطا الضوء على تنوعهم والفروق الدقيقة في ردودهم على القضايا التي تهمهم. رغم أنهم يشتركون في مرجعيات دينية مشتركة، ولا سيما القرآن، فإنهم يعتبرون أنفسهم نخبًا قادرة على إضفاء الشرعية على تدخلهم في حياة أعضاء الأمة، المجتمع الإسلامي. ويرون أن المسلمين العاديين يفتقرون إلى الاستقلالية ويتلقون معاييرهم بطريقة غير مكتفية ذاتيًا، وغالبًا ما تكون مفروضة من قبل شخصيات دينية أو مجموعات اجتماعية.
كما تم تناول مسألة هويتهم الوطنية مقارنة بانتمائهم الإسلامي. فالمجموعات الإسلامية المغربية، رغم تنافسها، يجب أن تحدد ما إذا كانت مصالحها أولاً مغربية أم أنها متأثرة بالمنظمات الإسلامية العالمية. هذا النقاش حاسم، خاصة في ما يتعلق بمسؤولية العنف الذي يُنسب إليهم، مثل تفجيرات الدار البيضاء وهجمات 11 سبتمبر 2001، حيث حاولت بعض الفصائل الانفصال عن الأعمال العنيفة.
في هذا السياق، بأتي جان فرانسوا على ذكر تصريحات الشيخ محمد بكري بشأن التخطيط لتفجيرات الدار البيضاء من قبل أعضاء مغاربة من القاعدة في أفغانستان، بمشاركة شخصيات بارزة مثل بن لادن والزرقاوي. وهذا يثير تساؤلات حول الروابط بين الإسلاميين المحليين والشبكات الإرهابية العالمية، ويطرح الضوء على الجدل والاختلافات في الرأي بين الإسلاميين حول الأحداث المأساوية الأخيرة.
يتحدث الكاتب عن تفجيرات الدار البيضاء، كاشفًا عن تجنيد 14 انتحاريا محليا، استنادًا إلى معلومات معروفة مسبقًا من تحقيقات أُجريت في المغرب ومالطا. مع ذلك، لا توجد أدلة قاطعة بشأن الأحداث التي سبقت هذه الهجمات. سارعت السلطات المغربية، ولا سيما وزير الداخلية مصطفى الساهل، إلى تفسير هذه الأعمال على أنها نتاج شبكة دولية تسعى إلى ترسيخ قضية خارجية بهدف الحصول على دعم من الولايات المتحدة. يعكس هذا النهج تحيزات أيديولوجية لدى كل من المسؤولين المغاربة والولايات المتحدة، الذين كثيرا ما يستحضرون خطر تنظيم القاعدة والإسلام السياسي العالمي.
ورأى الكاتب أن التحليل الموضوعي يقتضي بالضرورة الاعتماد على الحقائق المعروفة ودراسة تاريخ الحركات الإسلامية في المغرب. ويعتزم الكاتب دراسة المشهد الديني المغربي، فضلًا عن الحركات الراديكالية، للإجابة عن السؤال الأساسي الذي يطرحه هذا التحليل.
وهكذا يلاحظ أن المشهد الديني في المغرب بتقسم إلى قسمين: الإسلام الرسمي، الذي تديره الدولة بأئمة معينين، والإسلام الخاص، حيث يجذب الدعاة المستقلون أتباعًا. وقد تنشر المساجد الحكومية أحيانًا خطابًا متطرفًا. أما الإسلام الخاص، فيمزج السلفية بتقاليد دينية متنوعة، مع دمج ممارسات مثل تقديس الأولياء والسحر. كما توجد فيه أيضًا مظاهر التصوف الإسلامي والنزعات المتطرفة. ورغم تعايش هذه التيارات، تنشأ صراعات، لا سيما عندما يستولي الإسلاميون على المساجد.
وتناول البحث الحركات الإسلامية في المغرب، مستكشفا مدى تأثرها بالشبكات الدولية أو بقائها ذات طابع محلي في المقام الأول. فالجماعات السلمية، وإن تأثرت بأيديولوجيات أجنبية، إلا أنها تمول نفسها ذاتيًا وتعمل دون أوامر.
في المقابل، تتلقى الجماعات العنيفة، كتلك المتورطة في تفجيرات الدار البيضاء ومدريد، أحيانًا تمويلًا وتوجيهات من الخارج، ولا سيما من تنظيم القاعدة. كما تسلط الدراسة الضوء على تنوع هذه الحركات، وتفاعلاتها مع السلطة السياسية، وتحديات اندماجها في المجتمع المغربي. وتخلص إلى أنه على الرغم من بعض الروابط الدولية، فإن غالبية الجماعات العنيفة تعمل بشكل مستقل ومحلي، وغالبًا ما تكون مدفوعة بقضايا خاصة بسياقها.
وعن علاقات الإسلاميين المتشددين المغاربة بالجماعات الأجنبية، قال كليمون إن الإسلاميين المتشددون في المغرب، المعزولين والذين لا يحظون بدعم كافٍ، يقيمون علاقات مع إسلاميين أجانب لتلقي التدريب والتمويل. تاريخيًا، تلقى شخصيات مثل عبد الله حكيمي تمويلًا وتدريبًا لتنفيذ هجمات. كان للمغاربة اتصالات مع مسلحين في مناطق نزاع مثل البوسنة والشيشان وأفغانستان، إلا أن وصولهم المتأخر إلى أفغانستان حدّ من تدريبهم. من بين 400 مغربي قاتلوا هناك، انضم حوالي 100 فقط إلى الجماعات المسلحة. وفي الآونة الأخيرة (قياسا إلى تاريخ نشر الدراسة)، مثّلت الاعتقالات في العراق بروزًا للمسلحين المغاربة على الساحة الدولية.
ويكشف الكاتب في هذا النص عن طبيعة الدعاية التي يستخدمها المتشددون المغاربة، ساعيًا إلى تحديد ما إذا كانت مشابهة لتلك المستخدمة من قبل الجماعات الجهادية في الشرق الأوسط أم أنها فريدة من نوعها. كما يتطرق إلى مسألة التمويل، سواء عبر أنشطة غير مشروعة أو مصادر خارجية، فضلًا عن التدريب العسكري. ويُعدّ التمييز بين الدعاية المستوردة والدعاية المنتجة محليًا أمرًا معقدًا. وقد دخلت الأفكار الإسلامية إلى المغرب عبر منشورات سعودية، روجت لانتشار الوهابية السلفية، دون أن تُرسّخ مفهومًا إسلاميًا شاملًا.
لتعليل انتشار الأفكار الإسلامية في المغرب، قال الكاتب إن القنوات الفضائية الخليجية لعبت دورًا محوريًا في نشرىتلك الأفكار، لا سيما عبر الصور التي تحرض على الاستشهاد. وباستثناء السعودية، يُعدّ النفوذ الأجنبي ضعيفًا، مع تأثير محدود لإيران. ولم تستمر جماعة الإخوان المسلمين، التي نشطت في المغرب منذ ثلاثينيات القرن الماضي، طويلًا. وبعد تفجيرات الدار البيضاء، تراجعت الدعاية الإسلامية، لكنها عادت للظهور عام 2004، وخاصة في الدار البيضاء. ورغم الرقابة الصارمة من السلطات، استمر بعض البائعين يوزعون محتويات متطرفة، بما فيها مقاطع فيديو تحرض على العنف، ما جعل الناشطين الشباب عرضة لهذه الأيديولوجيا.
وعن نفوذ جماعة الإخوان المسلمين ودعايتها في المغرب، ذهب كليمون إلى أن جماعة الإخوان المسلمين المصرية زعمت أنها رسّخت وجودها في المغرب عبر منظمات محلية، أبرزها حزب العدالة والتنمية. وبلغ نفوذها ذروته بين أواخر الثلاثينيات وأوائل السبعينيات مع وصول الشيوخ المصريين. وبعد تفجيرات الدار البيضاء، تراجعت الدعاية الإسلامية، لكنها عادت للظهور منذ عام 2004، لا سيما في درب غلاف بالدار البيضاء. وباع التجار مواد متطرفة، بل وتم نشر مقاطع فيديو تحرض على العنف. واستخدمت عدة جماعات إسلامية مغربية أسماءً معروفة، دون صلة مباشرة بجماعة الإخوان، بينما استوحت جماعات أخرى أسماءها من مواقع محددة.
كما استخدم العديد من الجماعات الإسلامية المغربية أسماءً معروفة في الخارج دون أي صلة حقيقية بها. إضافةً إلى ذلك، تحمل العديد من الحركات الصغيرة أسماء مواقع جغرافية، مثل سيدي بنور أو الدار البيضاء. وغالباً ما تتولى السعودية ودول أخرى، كسوريا، تمويل الهجمات. ومن الأمثلة البارزة على ذلك اعتقال سعوديين عام 2002 وبحوزتهم 5000:دولار فقط، رغم امتلاكهم حساباً مصرفياً يحتوي على 130 مليون درهم. وذلك ما دفع بعضهم إلى اللجوء للجريمة، مثل حسن بوشي. كما شارك في هجوم مُخطط له في فرنسا فرنسي من أصل مغربي، لكن مصدر تمويله ما يزال مجهولاً.
التدريب العسكري والتحضير للهجوم
في عام 1985، تلقى أمراء متشددون تدريباً في الجزائر، تبعهم نحو 409 شاب مغربي في أفغانستان. وكان تمويلهم يأتي من منظمة فلسطينية في إسطنبول. كما سهّل الإنترنت عملية التحضير للقتال، مما مكّن صانعي القنابل، مثل منفذ تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، من العثور على وصفات المتفجرات. وكان الانتحاريون، الذين غالباً ما كانوا غير مستعدين جيداً ويفتقرون إلى المعلومات الكافية عن أهدافهم، يعملون بمزيج من التخطيط والارتجال، مما أدى إلى فشل بعض عملياتهم.
في نظر كليمون، يوجد نوعان من الجماعات المتطرفة. فهناك الجماعات المحلية التي تقوم بأعمال رمزية واغتيالات فردية، غالباً في محيطها المباشر، دون وجود روابط خارجية تُذكر.
وفي ما يتعلق بالجماعات المرتبطة بجهات راعية أجنبية، حاجج الكاتب بأنها تقوم بتنفيذ هجمات باستخدام انتحاريين. ويُظهر مثال الدار البيضاء عام 2003 أن غالبية الاعتقالات شملت مواطنين مغاربة، مع تورط عدد قليل من الأجانب. وغالباً ما شارك جزائريون في العمليات الخارجية، بينما عمل المغاربة في المقام الأول كعناصر تنفيذية. وبرزت الروابط الدولية بشكل خاص، لا سيما في تفجيرات مدريد.
ولتحليل صلات المغاربة بالإرهاب، أشار الكاتب إلى التواجد المكثف للمغاربة المتورطين في قضايا إرهابية بالخارج أثار تساؤلات حول الروابط المحتملة بين مختلف الجماعات واستراتيجية مشتركة. فعلى الرغم من عقد اجتماعات دُعي فيها إلى الجهاد، لا يوجد دليل على وجود تنسيق دولي. أما العمليات المعقدة، كعملية مدريد، فكانت تتطلب تواطؤًا عابرًا للحدود، غالبًا بأهداف جيوسياسية. في المقابل، اتسمت العمليات في المغرب عمومًا بانخفاض تكلفتها، إذ استخدمت فيها متفجرات محلية الصنع قبل تلقي تدريب انتحاري زهيد التكلفة، ما يستلزم تمويل عمليات سرية فقط.
وتوصل الباحث إلى عدم وجود صلة بين الإسلاميين المغاربة ونظرائهم في الشرق الأقصى أو جنوب شرق آسيا. ولم يشمل نطاق نشاطهم أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، وشرق أوروبا، بل ولم يمتد حتى إلى العالم العربي بأكمله. لذا، من غير الدقيق الحديث عن استراتيجية عالمية أو امتداد عالمي للمتشددين المغاربة.
وفي ما يخص الوضع الراهن للإسلام السياسي وعلاقته بتنظيم القاعدة، لا حظ كليمون أن عولمة الإسلام السياسي ذات طابع رمزي في المقام الأول، مع وجود عدد قليل من المنظمات المركزية. وتقتصر هذه المنظمات في الغالب على توفير التمويل، بينما تُتخذ القرارات التكتيكية عادةً من قبل قادة على مستويات أدنى. ويُثار التساؤل حول وجود تنظيم القاعدة واستراتيجيته، إذ كان هدفه الأولي طرد القوات الأمريكية من السعودية. ورغم أنه كان في يوم من الأيام فاعلاً عالمياً، فقد فقد تنظيم القاعدة نفوذه منذ ذلك الحين، ليحل محله جماعات محلية متفرقة. وقد سعت هذه الجماعات، رغم استقلاليتها، إلى إقامة روابط للحصول على الموارد والدعم، كما هو الحال في المغرب.
ختاما، يرى الباحث أن الإجابة على سؤال الجماعات الإسلامية معقدة، إذ تتداخل فيها أيديولوجيات عالمية مع خصوصيات محلية. وتؤثر الأفكار السلفية الجديدة، والأزمة القومية، وبطالة الشباب على استراتيجياتها. معظم الحركات العنيفة في المغرب محلية، على الرغم من تصور السلطات للتهديد العالمي. وهذا يسمح لها، كما يقول كليمون، بتحويل الانتباه عن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للعنف، ونسبه بدلاً من ذلك إلى سوء فهم النصوص الدينية من قبل الشباب. المغرب في المقام الأول مستورد للأيديولوجيات الإسلامية ومُصدِّر للمقاتلين.
واكتشف الباحث أن عبد الرحيم العمري، الأستاذ بجامعة كيبيك في مونتريال وجامعة القاضي عياض، شكك في قدرة الرؤية الياسينية على تحقيق الحداثة. ويتعين على الدولة المغربية والديمقراطيات الغربية مواجهة مختلف الجماعات الإسلامية، لكل منها دوافعها الخاصة. ومن الضروري اتباع استراتيجية تركز على الأسباب الداخلية للحركات الإسلامية. وقد تتأرجح التطورات المستقبلية بين الهجمات وفترات الهدوء. ويثير ظهور التقنيات الحديثة مخاوف بعض المحللين، الذين يشيرون إلى أن الإسلاميين غالباً ما يعانون من تناقضاتهم الداخلية أكثر من معاناتهم مع خصومهم الخارجيين.
