مجتمع

اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2026.. ميثاق متجدد للكرامة

سرود محمود شاكر
في العشرين من شباط من كل عام، يقف العالم وقفة تأمل ومراجعة أمام أحد أنبل المبادئ الإنسانية: العدالة الاجتماعية. هذا العام، يأتي “اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2026” تحت شعار محوري هو «الالتزام المتجدد بالتنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية»، ليشكل صرخة مدوية في وجه التفاوتات المتنامية ودعوة صريحة لربط الازدهار الاقتصادي بالحقوق الأساسية للبشر.
من كوبنهاغن إلى الدوحة: مسيرة الالتزام الدولي
لم تكن العدالة الاجتماعية يوماً مجرد شعار عاطفي، بل هي ركيزة استراتيجية أرستها الأمم المتحدة منذ قمة العالم للتنمية الاجتماعية في كوبنهاغن عام 1995. هناك، تم تحديد “الأعمدة الثلاثة” للتنمية: محاربة الفقر، وتوفير العمل اللائق، والإدماج الاجتماعي.
واليوم، يستند احتفال عام 2026 إلى زخم جديد استمدته المنظمة الدولية من “إعلان الدوحة السياسي 2025″، الذي نقل الوعود من أروقة المؤتمرات إلى حيز التنفيذ القياسي. إن الرؤية الحديثة تتجاوز المفهوم التقليدي لتوزيع الموارد، لتشمل بناء مجتمعات مرنة قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، من الذكاء الاصطناعي إلى التغير المناخي.
المظلة الحقوقية: العدالة كحق أصيل لا كصدقة
تستمد العدالة الاجتماعية مشروعيتها من “الفاتورة الدولية لحقوق الإنسان”. فمنذ الإعلان العالمي (1948) وصولا إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، تم التأصيل للحق في العمل، والتعليم، والرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية كالتزامات قانونية على عاتق الدول.
إن هذا النهج الحقوقي هو ما يمنح العدالة الاجتماعية قوتها؛ فهي ليست “منحة” تقدمها الحكومات، بل هي استحقاق يضمن عدم ترك أي إنسان خلف الركب، وهو المبدأ الذي تتبناه منظمة العمل الدولية في إعلاناتها التاريخية لضمان أن تكون العولمة عادلة وشاملة للجميع.
أجندة 2030: بوصلة التنفيذ
تمثل أهداف التنمية المستدامة (SDGs) خارطة الطريق العملية لتحقيق هذه العدالة. فالترابط بين الأهداف هو سر نجاحها:
• الهدف الأول (القضاء على الفقر) والعاشر (الحد من عدم المساواة) يمثلان قلب العدالة.
• الهدف الثامن (العمل اللائق) يضمن كرامة الفرد في سوق العمل.
• الهدف السادس عشر يشدد على أن السلام المستدام لا يمكن أن يسود في مجتمع يفتقر للعدالة والمؤسسات الشفافة.
تحديات 2026: نحو انتقال عادل ورقمي
يواجه عالمنا اليوم تعقيدات غير مسبوقة؛ فالفجوة الرقمية وتغول الذكاء الاصطناعي يهددان بخلق أنماط جديدة من الاستبعاد. لذا، تركز رؤية الأمم المتحدة الحالية على ضرورة تأمين “انتقال عادل”:
1. اقتصادياً: عبر معالجة أزمات الديون العالمية وتوفير أجور معيشية كافية.
2. بيئياً: بضمان ألا يتحمل العمال والفئات الضعيفة فاتورة التحول نحو الطاقة الخضراء.
3. رقمياً: بحماية خصوصية البيانات وسد الفجوة التكنولوجية بين الشمال والجنوب.
خاتمة: العدالة هي خيارنا الوحيد للسلام
إن الاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية في عام 2026 هو تذكير بأن السلام والأمن الدوليين ليسا مجرد غياب للحروب، بل هما ثمرة لمجتمعات يشعر فيها كل فرد بالإنصاف والكرامة.
إننا أمام لحظة فارقة تتطلب تعاونا عابرا للحدود بين الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني. فالعدالة الاجتماعية ليست مجرد ترف أخلاقي، بل هي الضرورة القصوى لبقاء كوكبنا وازدهاره. لنكن جميعا جزءا من هذا الالتزام المتجدد، لنبني مستقبلاً يليق بالأجيال القادمة.
———————————————-
المصادر والمراجع:
• قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (A/RES/62/10).
• الإعلان السياسي للدوحة 2025.
• أجندة 2030 للتنمية المستدامة.
• تقارير منظمة العمل الدولية حول العدالة الاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى