ثقافة و فن

العودة من الرماد: حين يكتشف الإنسان معنى الحياة في مواجهة الألم

بوشعيب شكير
ضمن فعاليات ليالي رمضان السينمائية – الموسم الثالث التي نظمها النادي السينمائي ببوزنيقة بتنسيق مع الجامعة الوطنية للأندية السينمائية، كان لجمهور المدينة موعد، في الأمسية الرمضانية من يوم أمس السبت، مع عرض الشريط القصير «العودة من الرماد» للمخرج سعيد الخالفي. وهو عمل سينمائي لا يكتفي بسرد قصة شخصية، بل يفتح باب التأمل في واحدة من أعمق ثنائيات الوجود الإنساني: ثنائية الألم والحياة.
هناك لحظات في حياة الإنسان لا يعود فيها الألم مجرد حادث عابر في الجسد، بل يتحول إلى تجربة وجودية عميقة تجعل الإنسان يقف أمام ذاته، عارياً من كثير من اليقينيات التي كان يظنها ثابتة. في تلك اللحظات، يكتشف الإنسان هشاشته، لكنه يكتشف أيضاً قوة خفية كانت كامنة في داخله دون أن ينتبه إليها.
يتناول الفيلم تجربة الرفيقة ليلى الشافعي، الكاتبة والمناضلة والإعلامية، لا بوصفها شخصية عامة فحسب، بل بوصفها إنسانة واجهت امتحان المرض بكل ما يحمله من ألم وهشاشة. فقد خضعت لعدة عمليات جراحية، وكانت أول عملية بنسبة نجاح لا تتجاوز عشرة في المائة. ومع ذلك، فإن ما يبرز في هذا العمل ليس المرض في حد ذاته، بل تلك الإرادة الهادئة التي تجعل الإنسان يتمسك بالحياة رغم كل شيء.
في الفيلم تبدو ليلى الشافعي وكأنها تقف عند الحد الفاصل بين الحياة والموت، في تلك المنطقة الرمادية التي يصبح فيها الجسد ضعيفاً، بينما تظل الإرادة يقظة. هناك، وسط القلق والانتظار، يتجلى ذلك الضوء الداخلي الذي يرفض أن ينطفئ.
إن تجربة الألم التي يقدمها الفيلم ليست معزولة عن التجارب الإنسانية التي تناولها الأدب والفكر عبر العصور. فقد كتب كثير من الأدباء عن الألم باعتباره تجربة تكشف للإنسان عمق وجوده. ففي رواية Pain للكاتبة زيرويا شاليف يعود الألم إلى الجسد بعد سنوات، لكنه يحمل معه ذاكرة كاملة من المشاعر والندوب الخفية. وفي رواية Body Friend تتحول تجربة المرض إلى حياة يومية داخل الجسد، حيث يكتشف الإنسان أن الوجود ليس كما كان يظن، بل كما يستطيع أن يعيشه رغم القيود.
كما نجد في رواية “The “Fault in Our Stars للكاتب جون غرين تجربة إنسانية أخرى، حيث يتحول المرض إلى لحظة وعي عميق بقيمة الحياة، وكأن الألم أحياناً يصبح الطريق الأقصر لفهم معنى الوجود.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الصدى الرمزي الذي يحمله عنوان «العودة من الرماد» في تاريخ الأدب والسينما. فقد ظهرت هذه الفكرة أيضاً في رواية Le retour des cendres للكاتب الفرنسي Hubert Monteilhet، التي تحولت لاحقاً إلى فيلم بريطاني شهير سنة 1965 بعنوان Return from the Ashes من إخراج J. Lee Thompson. تحكي تلك القصة عن امرأة يهودية نجت من معسكرات الاعتقال النازية بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها تعود إلى حياتها السابقة بوجه مختلف بعد عملية جراحية، لتكتشف أن العالم الذي كانت تعرفه لم يعد كما كان. في تلك الحكاية يصبح “الرجوع من الرماد” استعارة عن قدرة الإنسان على استعادة ذاته بعد تجربة قاسية كالحرب والاضطهاد والخيانة.
وإذا كانت تلك القصة تعكس مأساة إنسانية في سياق تاريخي عنيف، فإن تجربة ليلى الشافعي تعكس شكلاً آخر من هذه العودة: العودة من رماد الألم الشخصي إلى فضاء الحياة من جديد. فكلا التجربتين تلتقيان في فكرة واحدة، وهي أن الإنسان قد يتغير بعد المحنة، لكنه يستطيع أيضاً أن يولد من جديد.
غير أن تجربة ليلى الشافعي لا تتوقف عند حدود الألم الشخصي، بل تمتد إلى الفعل الثقافي والفكري والإنساني. فهي، رغم ما عاشته من محن صحية قاسية، تظل حاضرة في الفضاء الثقافي والفكري والفني والسياسي. حضور دائم يكاد يجعلها في كل مكان: في النقاشات الفكرية، وفي المبادرات الثقافية، وفي الفعل الإبداعي. وكأنها تؤكد من خلال هذا الحضور أن الحياة لا تُقاس بسلامة الجسد فقط، بل بقدرة الإنسان على تحويل تجربته الخاصة إلى طاقة للعطاء.
هذا السؤال نفسه نجده في الفلسفة العملية للمفكر الأميركي بنيامين فرنكلين (Benjamin Franklin)، الذي رأى أن المعنى لا يولد من لحظات الانتصار الكبرى فقط، بل يتشكل عبر الاختيارات اليومية الصغيرة التي يصنع بها الإنسان شخصيته. فقد اعتبر فرانكلين أن الحياة ذات المعنى ليست فكرة مجردة، بل مساراً أخلاقياً يتجسد في الفضائل والعمل وخدمة المجتمع.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة ليلى الشافعي وكأنها تحقق هذا المعنى في الواقع الحي. فهي لا تختار الانسحاب من الحياة رغم قسوة التجربة الصحية، بل تختار أن تظل في قلبها، مشاركةً في الفعل الثقافي والإنساني، وكأنها تقول إن الإنسان لا يقاس بما يمر به من محن، بل بقدرته على تحويلها إلى قوة للاستمرار.
وأنا أتابع هذا العمل، لم أستطع إلا أن أستحضر جزءاً من تجربتي الشخصية كنقابي. فقد عشت بدوري تجربة قاسية حين تعرضت للطرد والتشريد بسبب انتمائي النقابي، وتوقفت عن العمل لمدة خمس سنوات. كانت سنوات مليئة بالضغوط الاجتماعية والنفسية والأسرية، تجربة تركت آثاراً عميقة في حياتي.
لكن تلك السنوات كانت أيضاً درساً في معنى الصمود. ففي لحظات الانكسار، يكتشف الإنسان أن الكرامة ليست شعاراً يُرفع، بل موقفاً وجودياً يُدفع من أجله الثمن. ولذلك، ورغم قسوة تلك المرحلة، ظللت متمسكاً بقناعاتي ومنخرطاً في النضال إلى أن عدت في النهاية إلى عملي.
ربما لهذا السبب بدا لي فيلم «العودة من الرماد» قريباً من هذه التجربة الإنسانية. إنه فيلم عن تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن الحياة لا تُقاس بغياب الألم، بل بقدرته على الاستمرار رغم وجوده.
ولا يمكن الحديث عن هذه الأمسية السينمائية دون الإشادة بالدور الثقافي الذي يقوم به عبد الإله زيرات Abdilah Zirat، مدير دار الثقافة ببوزنيقة والمخرج السينمائي ابن المدينة، الذي يواصل جهوده في ترسيخ ثقافة سينمائية داخل المدينة، من خلال دعم النادي السينمائي وتشجيع الأجيال الناشئة على الانفتاح على الفن السابع باعتباره فضاء للتفكير والحوار.
فالسينما، في نهاية المطاف، ليست مجرد صور تتحرك على الشاشة، بل محاولة لفهم الإنسان وهو يواجه هشاشته الخاصة.
وهكذا يذكرنا فيلم «العودة من الرماد» بحقيقة إنسانية بسيطة لكنها عميقة: أن الإنسان قد ينكسر أحياناً تحت وطأة التجربة، لكن في داخله دائماً قدرة عجيبة على النهوض من جديد. فالحياة لا تصبح ذات معنى لأنها خالية من الألم، بل لأنها تمنح الإنسان فرصة دائمة ليبدأ مرة أخرى.. حتى من الرماد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى