ثقافة و فن

ميموزا كتاب، قراءته تطيل العمر وتنعش الروح -احمد الخمسي

 “ميموزا”، مستودع بضاعة “صنع في المغرب”، خلال، هذه العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين.

أهمية مستودع البضاعة، في عالم الرأسمال تتلخص فيما يلي: لا يمكن لصاحب ثروة أن يطمئن لمشروعه، إذا لم يكن له مستودع يُخَزّن فيه مؤونة كافية احتياطية، تضمن له، ليس فقط تجاوز بسلام أزمة اقتصادية غير منظورة في الأفق.

صلاح الوديع، جعل من نفسه، من خلال كتاب “ميموزا”، أمينا على ثروة عائلة مغربية مناضلة، بكل أفرادها على مدى زمني، غطى أكثر من نصف قرن، منذ استقلال المغرب إلى اليوم (2026).

قد يلاحظ المؤرخ المحترف العضوي، أن سِنَةً أو غفوة، أصابت صلاح بصدد الواقعة الفلانية أو أو الحدث الفلاني، والمؤلف بالمناسبة، يحيل على دور المؤرخين في تدقيق البحث مستقبلا، بصدد كذا وكذا (مثلا ص. 342)، أكثر من مرة. لذلك، فقد استبق المؤلف كل نقد يشير بالأصبع إلى إغفال حدث مهم هنا وهناك.

ولا ضير، يمكن أن يسقط كل مؤلف في سهو ما. خصوصا إذا كان وهو يؤلف، يذكر الدمع الذي سقط من عينيه عفوا، عندما قرأ كتاب أم تصف فيه كيف كانت في زنزانة تازمامارت، كي ترى صورة ابنها يمر أمام زنزانتها، تهرق ماءً، علها تسترق نظرة لانعكاس وجه أو قدم ابنها يخطو فوق المساحة المائية، إن لم تجف قبل مرور الابن.

يكاد يكون الكتاب، بمثل الصورة الشاعرية المذكورة في الفقرة السابقة، يصبح قصيدة نثرية طويلة، بحجم الإلياذة أو الكوميديا الإلهية في الأدب الأوربي.

ف”ميموزا” كما يقول المغاربة ببلاغة معجزة استثنائية “اللي قراه يموت، واللي ما اقراه يموت”.

كتاب قراءته تطيل العمر…   

كتاب سمفونية، حيث المقطوعات التي تتألف منها سلسلة السمفونية، يهز أوتار الجهاز العصبي، لجمهور متعدد: منه الجمهور الذي عاش أقبية المعتقلات السرية، وهم فئة صنع منها الاعتقال الجهنمي، كوكبة مؤلفي كتب السيرة الذاتية، تتفوق على الرواية البوليسية في هول ما تحكيه، لأنها كتب تصف هول جهنم القمع، من منتوج أوفقير…يكاد يكون المهدي بنبركة سوى الاسم الحركي لتلك الكوكبة المتجددة،

تلك الكوكبة، ظلت تتجدد، من داخل المعتقلات، تخيّل، أيها القارئ الكريم، تخيّل معي، وكاتب هذه الانطباعات حول كتاب “ميموزا”، ذات يوم في “الغرفة السوداء” قابع معصب العينين مصفد اليدين، في اللباس “الرسمي” الخاص بضيوف معتقل درب الشريف، وأنا أبتسم أضحك، أسمع “الذيب” يأمر: “انت اللي كتضحك؟ نوض”، افتعلت نفسي غير معني، لربّما لا يعنيني، ولربما يتعلق الأمر برفيق آخر هو من وقع في “التلبس”، ثم أحلتُ على دماغي مهمة اختراع سيناريو يفلتني من العقاب. ثم ما لبثت قدم الذيب أن هزت قدمي وأنا جالس القرفصاء،…فنهضت..دفعني الذيب نحو الجدار وسألني آمرا: مع من كتضحك؟…

دماغي كان عند حسن الظن… وتقمصت دورا في مسرحية درب الشريف كما فرضها “الحُجّاج” على المعتقلين، واقتربت من الذيب وهمست في أذنه وقلت: الحاج، كنخاف إلى قلت لك السبب تضحك عليّ؟ قال: قل؟ وبصوت خفيض كما لو كنت أفرده بسر لتنتفخ أنانيته كونه هناك الحاكم بأمره في درب الشريف لأدغدغ أنانيته وأشغل باله حتى ينسى أن أبوح له مع من كنت أضحك…وهمست له بسيناريو دماغي وهو عبارة عن حلم يقظة حيث تذكرت دعابة عائلية ودون أن أنتبه ضحكت…هذا ملخص السيناريو الذي أسعفني به دماغي.

كان هاجسي في هذا السيناريو هو: حفظ رفيقي الجالس بجانبي، الراحل رشيد نزهري…طيب القلب وجميل الروح…دون أن أبوح كونه بدعابته المراكشية الجميلة المرهفة..

لا يمكن أن أُسَلّمَ اسمَ رفيقي للجلاد…سبق في حديث آخر… وضمن الواقعية والعقلانية البسيطة، التي تفوقت لدي في حياتي النضالية ما استطعت.. ولأنني ما حقدت قط لو للحظة على المغاربة الذين كانت وظيفتهم المعيشية مهمة القمع… ولأنني ما اعتقدت أن على أجهزة الدولة أن تستقيل…كي يبقى المناضلون على خاطرهم…من يناضل…عليه أن يؤدي ضريبة موقفه…بل وعليه أن يناضل بسعادة وروح متصوفة…كي تتوفر له الطاقة الإضافية حتى لا يسقط في دور الضحية ويتقمص نفسية المظلومية…بل الطريق وإن كان شاقا…فهو مزهر للمكتسبات المعنوية.. مقوٍ لروح الكرامة وسط الشعب…مع معادلة بسيطة: “أكون، أو لا أكون”.

ما سوف أبوح به للمؤلف اليوم، هو أن إقامتي بمراكش في مركز الشرطة بجامع الفنا، قبل الرحيل إلى درب الشريف بالحي المحمدي، كان حسن الموطا ورشيد نزهري، لدعابتهما ومرحهما، بالمناسبة، كان ساعتها طالع السعود الأطلسي معنا تلميذا معتقلا مبتسما وصامتا، كما كان أيضا أحمد اخشيشن، الذي زودتنا الأستاذة طموح بالقفة المتنوعة، بفضل دانون في قفته كنت أستعيد معنوياتي من حصة التعذيب.. في تلك الأجواء اطلعت على اعتقال ابني المناضل الاتحادي محمد الوديع الآسفي، ضمن منظمتنا 23 مارس.

لا يعلم صلاح أن اعتقاله رفقة الراحل عزيز الذي جسّد التواضع والدعة.. لما اطلعت على الخبر عن طريق رشيد نزهري، رفقة خبر رئاسة محمد بنسعيد، للمنظمة، قلت مع نفسي إن انضمامي لم يكن خطوة في المجهول، بل خطوة على طريق ألف ميل… بالإضافة إلى تنشئتي العائلية التي رسخت فيّ الهدوء وحسن التدبر، اعتقال صلاح وعزيز، جعل تشربي بالسير على خطى محمد بن يوسف العلوي والزرقطوني وعلال بنعبدالله و الفطواكي والروداني والمهدي بنبركة…ثم عمر بنجلون ونحن في السجن، ثم سعيد المنبهي وأنتم ما زلتم في السجن…

عندما قرأت في الكتاب انطلاق ثلاثة إخوة إناثا وذكورا: آيبة وصلاح وأسماء في شوارع البيضاء، وكذا عندما كانت الأم السقاط  والأب الآسفي يستقبلان معا الضيوف في المنزل، تذكرت أن دخول قيادة 23 مارس من المنفى بالتحديد يوم 8 مارس 81، كان دخولا سياسيا حيث تمّ نسج معادلة جميلة “دمقرطة الدولة، ودمقرطة المجتمع”، فالدولة أعادت صياغة الميثاق السياسي بالاستجابة للأحزاب الديمقراطية التي كانت تدعو إلى النضال الوطني لاستعادة الأقاليم الجنوبية من الاحتلال الاسباني الغاصب، وها هو اليسار الجذري يستجيب بدخول قواعد الحياة السياسية ببند جديد واضح: تحرير “نصف السماء”.     

     وها هي اليوم جمعية درر، اسم على مسمى: نجلاء، سميرة، ليلى، سامية، أمين…. جمعية، تعطي الدليل، على أن 8 مارس في حياة المغاربة نساء ورجالا، لم يعد مجرد يوم رمزي للدخول من المنفى وطي الصفحة، بل لحظة زمنية رمزية لتجديد دمقرطة المجتمع، ولم يلتفت أحد، كون المنظمة التي ولدت سرية سنة 70، دخل قادتها سنة 81، كي لا يتركوا الدولة وحيدة منفردة، تواجه البركان الذي انفجر من تحت، بعدما أصبح مناضلو الساعة 25، كما قال يوما السي محمد اليازغي، الله يطول عمره، يلعلعون بشعارات الدكتاتورية من تحت، والمغرب ساعتها مجمع، شعبا ودولة على تحييد الدكتاتورية من فوق.

     لا يعلم صلاح أن أنثى وزانية (من قدماء جيران الطفولة) صادفته وأعجبت للتو بطريقة تعبيره، بعد خروجه من السجن، فتسبب لها في ولع سماع الكلام عن يسار السبعينات…كانت مناسبة لأردد لها حكايات الاعتقال…

     ولا يعلم صلاح ان أمثالي الذين يعملون في أنفسهم على كبح دكتاتورية العقل من أجل فسح مساحة للقلب، كانت أغلب الألحان التي تطربني، تنهمر من صلب الشجرة الفنية التي منها أينع غصن ثريا السقاط، ففي ساعات الحزن، كما في لحظات الفرح، يختار السامع ما يناسب نفسيته: سواء “ما بقيتي عندي فالبال” للحبيب الادريسي، أو “بلغوه سلامي” لعبد الوهاب الدكالي.. أو ما بينهما في صيغة تساؤل المعطي بنقاسم “علاش يا غزالي”، ولكن يعود عبد الوهاب الدكالي، كما لو أنه يجيب المعطي بنقاسم ليعلن أن الأمر يتعلق ب”وشاية” من شعر نزار قباني.

     ولأن صلاح مؤلف الكتاب المحتفى به بتطوان ضمن درر الدرر المذكورة أعلاه، يجسد شخص المفكر في تاريخ المغرب، فهو شاعر قبل كل شيء.

على أن تطوان بنهضتها الثقافية الحالية، في الرواية والترجمة والشعر ومسرح الطفل والتنشيط الثقافي الرصين، من خلال صلاح الوديع تعلن للبلاد بمتسعها الجغرافي وتمييزاتها المزمنة بين المركز والمحيط، أن التغيير الذي دفع ثمنه صلاح وعائلته، تغيير ساهمت فيه تطوان بحجم أكبر مما كان يخصص لها. يتذكر الجميع أن تطوان ساهمت في إسقاط قرار وزير الداخلية الراحل، سنة 1996، كما لم يسبق من قبل. لأن تطوان أيضا مثلت المستودع الوطني للذخيرة من أجل الديمقراطية، مثل ما صانت الطاقة المقاومة في مرحلة الاستعمار.

وها هي خلال الربع الأول من هذا القرن الذي لم يستقر عالميا بعد على حال، تبادل الاهتمام الوطني والنهضة العمرانية التي عرفتها بما يملأ جسدها المادي الجميل، بروح وثابة.

الكلمة الأخيرة، يمكن القول، إن صلاح لم يتبوأ شخصيا ما يستحق مقابل ما بذله، ولعل قراءة الكتاب توفي بغرض التعرف على ذلك، وشخصه ليس سوى عينة وطنية على التفريط في استحقاقات ها هنا يهدر الوطن خبرتها ويشيح عنها وجهه. ولسنا هنا بصدد نظرة عدمية. إنما نشير إلى أشكال الظلم الفاقعة. سواء بالمنع من ولوج الاعلام العمومي، ولو أنه ليس بغريب، لأن محو جريدة فلسطين من رصيد الصحافة المغربية في بعض البحوث الأكاديمية المغربية، حري باستكمال المحو، وكذا استثمار الخبرة المكتنزة ها هنا في تطوان، بنصيب وافر وعلى مستوى عال. والأستاذ عمر عزيمان، وهو في أرقى منصب يمكن لإطار مغربي أن يصل إليه، يعلم التفاصيل بالتأكيد.  

  

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى