عائلة المهدي بنبركة تصدر بيانا ترد فيه على اتهام عريس الشهداء بالعمالة والجاسوسية

أحمد رباص ـ تنوير
في أواخر الأسبوع الأول وبداية الأسبوع الثاني من يناير 2022، توصلت من البشير بن بركة نجل عريس الشهداء، ببيان مكتوب بالفرنسية، صادر يوم 28 دجنبر الماضي ومشفوع بتوقيعه.
أسباب نزول هذا البيان لا تبتعد عما راج في السنين الأخيرة في بعض وسائل الإعلام من أن المهدي بن بركة كان عميلا للمخابرات التشيكية، كما ورد في مقال سبق لـ”تنوير” أن نشرته على إحدى صفحاتها منذ أسبوعين تحت عنوان” جريدة الغارديان البريطانية تنعت عريس الشهداء المهدي بنبركة بالعميل والجاسوس”. ومن الطبيعي أن يأتي هذا البيان التوضيحي من عائلة المهدي في تلك الظرفية بالذات لتفنيد تلك الادعاءات الباطلة بناء على حجج وأدلة دامغة.
يتكون البيان من خمسة أقسام، ويتصدر كل قسم من الأقسام عنوان.
وهكذا نجد أن القسم الأول جاء تحت هذا العنوان: “مثل الأعشاب الضارة، تنمو الافتراءات باستمرار”. يبدأ القسم الأول بالإشارة إلى أنه منذ بضع سنوات، انتشرت بطريقة ماكرة اعتداءات على ذكرى المهدي بن بركة، أحد قادة حركات تحرر العالم الثالث، رمز مقاومة الاستعمار والكفاح ضد الاستعمار الجديد والصهيونية والإمبريالية. تمر هذه الاعتداءات عبر التضليل الافتراء، التلميح أو الخلط.
بعد هذه المقدمة، ينتقل البيان إلى صلب الموضوع المثار على إثر إعادة نشر إصدار منشور في نوفمبر 2020، بقلم الأستاذ الجامعي التشيكي يان كورا، من قبل جريدة الأوبزرفر، التي تصدر كل أحد عن صحيفة الغارديان البريطانية، بعنوان جذاب: “زعيم المعارضة المغربية المهدي بن بركة كان جاسوسا، كما توحي به سجلات الحرب الباردة”. يغطي الأوبزرفر تقريبا كل أطروحات جان كورا المعروضة.
هذان المقالان (خاصة مقال جان كورا) استنساخ بالتفصيل لمقال الصحفي التشيكي بيتر زيديك، نشرته الأسبوعية الفرنسية لكسبريس
في غضون يوليوز 2007. لذلك لا شيء جديد تحت شمس الافتراء.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها ذكرى وشخصية مهدي بن بركة للهجوم. بدلا من مهاجمة أفكاره ومساره النضالي، يحاول أعداؤه وخصومه ومنتقدوه الإيهام بأنه جاسوس مأجور لصالح هذه المصلحة الاستخبارية أو تلك، اليوم جهاز الاستعلامات التشيكي (STB)، أمس الموساد الإسرائيلي، ولم لا غدا وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أو حتى كاب 1 المغربي؟
والآن نصل إلى القسم الثاني الذي اختار محرر البيان أن يتصدره هذا العنوان: “قصة جان كورا”.
انطلاقا من وثائق رفعت عنها السرية من طرف StB، يدعي جان كورا، دون أي مراجعة أو رؤية نقدية، أن المهدي بن بركة كان يحتفظ بعلاقات وثيقة مع StB، وكان من الممكن أن ينال أجرا مقابل خدماته. لم يدرك حقيقة أن هذه “مادة خام” أنتجها جهاز استخبارات، ربما تم تنقيحها أو بقيت غير مكتملة، وهي لذلك مدعاة للحذر بأي حال من الأحوال.
يندرج مقال الأبزرفر في نفس المنطق، دون أي بحث تكميلي. لم يأخذ عمليا في الحسبان الملاحظات التي أدلى بها البشير بن بركة عندما سأله الصحفي عن مقال جان كورا.
بعد ذلك، يتساءل محرر البيان في غياب أدلة مادية، هل كان يجب تصديق كلام مدبجي هذه المقالات عندما أطلقوا مثل هذه الادعاءات السخيفة حول زعيم الحركة الأفرو آسيوية، والمناضل التقدمي الذي له ماض لا جدال فيه؟ لو تم تصديقهم، سيكون المهدي بن بركة عميلا لأجهزة المخابرات التشيكية، يتلاعب به سكرتير ثان من السفارة في باريس.
في مقال لكسبريس ـ يتابع البيان ـ أبدى بيتر زيديك على الأقل بعض التحفظات، مشيرا على سبيل المثال إلى غياب وثائق تثبت الوجود الملموس للعلاقات المزعومة بين المهدي بن بركة و StB.
بخصوص لقاء المهدي بن بركة (ربما حدث بالصدفة) في باريس عام 1960 مع العميل التشيكي الملقب بـ(MOTL)، تذكر الوثيقة أنه نال بالتأكيد اهتمام القادة التشيكيين لأنهم كانوا يعرفون المكانة الهامة التي اكتسبها فعلا المهدي بن بركة في العالم الثالث. رأوا في ذلك فرصة للحصول على تحليل مناسب للوضع الدولي وطلبوا من عميلهم متابعته (التحليل).
من ناحية أخرى من الواضح كذلك أن المهدي بن بركة لم يكن مدركا تماما للمهمة الحقيقية لـ MOTL (رسميا مستشار في السفارة).
وصولا إلى القسم الثالث من البيان، جاء العنوان الذي تصدره بهذه الصيغة: “براغ ، معقل مهم للسياسة الدولية للكتلة الاشتراكية”. وفي مستهله، كتب نجل الشهيد أن جان كورا، التي استعادته الأوبزرفر، أهمل تماما البيئة الجيوسياسية في الفترة المعنية. كانت براغ مقرا للمنظمات الدولية التقدمية (الاتحاد العالمي للنقابات، الاتحاد الدولي للطلبة، إلخ…) كانت محطة عبور ضرورية لقادة المنظمات الدولية السياسيين، مثل منظمة تضامن الشعوب الأفرو آسيوية (OSPAA) للالتحاق ببعض العواصم الأفريقية والآسيوية وبكوبا.
من وجهة نظر عملية بحتة، كانت تذاكر سفرهم وإقامتهم مدعومة إما مباشرة من خزائن هذه المنظمات، أو من الباطن من قبل لجان التضامن المحلية (اللجنة التشيكية، مثلا) التي كانت تعيد إرسال المساعدات المالية الدولية للمعسكر الاشتراكي.
كان المهدي بن بركة – يواصل البيان – عضوا في OSPAA، نائب رئيس لجنة صندوق التضامن المسؤول عن جمع المساعدات المالية لحركات التحرر الوطني في دول العالم الثالث، والرئيس المقبل للجنة التحضيرية لمؤتمر دول العالم الثالث تضامن شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية (أو “القارات الثلاث”).
بكل هذه الصفات، سافر بانتظام إلى آسيا، إفريقيا، كوبا، وأوروبا. كانت هناك مساعدات منحت أيضا عبر تشيكوسلوفاكيا، من أجل دعم العمل السياسي للقوات التقدمية (معدات، تكوين المناضلين، منح دراسية، إلخ..). ونظرا للأهمية التي اكتستها براغ، سافر إليها المهدي بن بركة بانتظام كرجل سياسي من عيار ثقيل، ومناضل من العالم الثالث. لم يكن من المستغرب إذا انتهز المسؤولون التشيك الفرصة للقائه. لم يتردد المهدي بن بركة في مشاركتهم تحليله السياسي للوضع الدولي. يتضح ذلك من نوع “التقارير” التي يزعم أنه قدمها).
وعلى ضوء مقال كورا، لم يقدم المهدي بن بركة ولو معلومة “حساسة” واحدة خارج إطار التحليل السياسي. وتجدر الإشارة إلى أنه في ربيع عام 1961، غادر المهدي بن بركة باريس متوجهاً إلى جنيف، وهذا ما لم يخبر به MOTL رؤساءه بأي حال من الأحوال.
والآن، نصل إلى القسم الرابع الذي اختار له محرر البيان عنوانا ورد على شكل سؤال: ماذا نستنتج؟ يستهله البشير بن بركة بملاحظة مهمة ضرورية، مفادها أن هناك مشكلة في المصطلحات منذ البداية.
فاستنادا إلى وجهة نظر StB – الوحيدة المعروضة في مقال جان كورا والتي تناولتها صحيفة الاوبزرفر – تم تقديم المهدي بن بركة إما كمصدر وإما كعميل. الفارق بينهما مهم؛ فقد كان مصدرا لا إراديا دون أن يمسي عميلا. كل شي يتوقف على الزاوية التي من خلالها ينظر المرء. لا وثيقة من الوثائق التي اطلع عليها كورا من شأنها إزالة الشك. وفي الوثيقة الوحيدة المتعلقة ب”تجنيده” المزعوم، والمؤرخة ب 1963 أصبح الاسم الأول للمهدي بن بركة “محمد”. هذا ليس معقولا.
كان أول اتصال قام به MOTL اتصالا سياسيا بين أحد المستشارين من السفارة في باريس وسياسي مهم. كان محتوى المناقشات سياسيا واستراتيجيا بطبيعته، لم يكن في أي لحظة من طبيعة علاقة ضابط يتعامل مع وكيله في الميدان.
وتشير التقارير التي قدمها اكورا إلى عدم وجود أي تطور في طبيعة العلاقة بين المهدي بن بركة والشخصيات التشيكية التي التقى بها. كل ما هناك أن كورا افترض أن المهدي بن بركة اهتدى إلى انتمائها إلى StB.
لا يمكن إنكار أن تحليلات المهدي بن بركة للأوضاع في المغرب وإفريقيا وفي العالم الثالث بشكل عام كانت مهمة. لم يكن هناك داع لعدم الاستفادة من دبلوماسي أو سياسي من “دولة صديقة”. كان أثناء أداء دوره زعيما سياسيا ولم يتخل أبدا عنه. كان لديه اجتماعات عمل منتظمة مع رؤساء دول مثل جمال عبد الناصر في مصر، أحمد بن بلا في الجزائر أو نكروما في غانا وآخرين …. إضافة إلى ذلك، لم يكن المهدي بن بركة بحاجة إلى وسيط ثان كسكرتير سفارة تشيكي في باريس أو الذهاب عبر براغ للتباحث مع المسؤولين السوفييت. كانت هذه الاتصالات متاحة بالفعل عندما كان رئيسا للمجلس
الاستشاري الوطني المغربي بعد استقلال المغرب. أكثر من ذلك، كان ممثل اللجنة السوفياتية للتضامن الأفروآسيوي وعضوا مهما في السكرتارية الدائمة لOSPAA بالقاهرة والرئيس المشارك لصندوق التضامن المسؤول عن جمع وتوزيع المساعدات على حركات التحرر في العالم الثالث.
كان المهدي بن بركة يشغل مناصب مهمة في هاتين المنظمتين، وبهذه الصفة، كان مسؤولاً عن استلام وتوزيع هذه المساعدات. وكانت براغ في كثير من الأحيان تقوم بدور الوسيط في هذه المعاملات.
وهناك ملاحظة أخرى أثارها البيان لا تتماشى والإكراهات التي كانت ستفرض على “العميل”. لم يتغير أبدا المهدي بن بركة عن خطه السياسي والإيديولوجي، ولم يتخل تحديدا عن تطوير النضال ضد الاستعمار والإمبريالية من خلال تعزيز التضامن الدولي مع الحفاظ على حركة العالم الثالث من التأثيرات الواردة من الاتحاد السوفياتي أو من الصين. هذا النمط من السلوك لم يتغير أبدا، حتى بعد مروره ببراغ.
بخصوص رحلته إلى بكين صيف 1965، يقول البشير إنها هدفت إلى إقناع القادة الصينيين بأهمية حضور الاتحاد السوفياتي في مؤتمر القارات الثلاث، الذي اعترضت عليه الصين بحجة أن الاتحاد
السوفياتي “أوروبي” ؛ لكن المهدي بن بركة ألح على أهمية الجمهوريات الآسيوية، وربح القضية في النهاية.
كان ل “النواة الصلبة ” العالمثالثية المستقلة عن الصين والاتحاد السوفياتي في قلب القارات الثلاث والملتفة حول المهدي بن بركة وزن كاف لفرضه بالإجماع رئيسا للجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث.
وأخيرا، نصل إلى القسم الخامس من البيان والذي جاء تحت عنوان “الذاكرة المستهان بها”، وفيه جرى التأكيد على أن عائلة المهدي بن بركة مصدومة وغاضبة للغاية من هذه “التصورات الكاذبة” الملفقة عمدا، دون تدارك أو تحليل للمواقف، وللسياق التاريخي والسياسي …. الهدف منها هو تدمير ذاكرة المهدي بن بركة لتشويه معنى عمله السياسي وفكره لصالح نضال الشعوب ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية من أجل تحررها السياسي.
أكيد أن المهدي بن بركة، ضحية ختطاف، وجريمة سياسية، وقعت يوم 29 أكتوبر 1965، لم يستطع إستكمال كفاحه من أجل تحديث المجتمع المغربي وتوحيد الحركات التقدمية في العالم الثالث. لكن أفكاره وعمله غذت ولا تزال تغذي نضالات أجيال في المغرب وخارجه. على غرار المحاولات السابقة، الهجمات الأخيرة على ذاكرته لا يمكن أن تؤثر على كفاحه أو تقلص نطاق مساهمته في ظهور مجتمع جديد.
وفي الأخير، عبر محرر البيان عن اندهاش أفراد عائلة المهدي بن بركة من مدى سهولة وصول البعض إلى الآلاف من الوثائق، بينما، خلال 56 عاما، كان لديهم مع الدفاع، أسوأ الصعوبات في استشارة أجهزة المخابرات الأخرى التي يمكن أن تساعدهم على معرفة حقيقة مصير المهدي بن بركة.




