الحنبلي عزيز
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاء الإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مع انخراط إسرائيل في التهدئة، ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا التحول: هل نحن أمام بداية مسار سياسي جاد نحو تسوية شاملة، أم مجرد استراحة تكتيكية في حرب مفتوحة لم تُحسم بعد؟
الهدنة التي تمتد لأسبوعين، وفق ما أعلنته الإدارة الأمريكية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن ميزان القوى على الأرض. فبعد أربعين يوماً من المواجهة المباشرة وغير المباشرة، بدا أن جميع الأطراف وصلت إلى نقطة إنهاك نسبي، حيث لم يعد التصعيد العسكري وحده كافياً لتحقيق أهداف استراتيجية حاسمة. هنا، تبرز الدبلوماسية كخيار اضطراري، لا كتحول مبدئي.
اختيار العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمقر للمفاوضات ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يحمل دلالات سياسية واضحة. فباكستان، التي تحافظ على علاقات معقدة ومتوازنة مع كل من واشنطن وطهران، تسعى إلى لعب دور الوسيط الإقليمي القادر على تخفيف التوتر، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وحساباتها الخاصة في جنوب آسيا والشرق الأوسط.
غير أن نجاح هذه الوساطة سيظل رهيناً بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية، وهو ما يبدو حتى الآن محل شك، خاصة في ظل الشروط الإيرانية العشرة التي طُرحت كأساس للتفاوض.
تتضمن الخطة الإيرانية المقترحة عشرة بنود تعكس رؤية طهران لنهاية الحرب، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن سقف تفاوضي مرتفع للغاية:
-
ضمانات أمريكية بعدم الاعتداء
-
الإبقاء على السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز
-
القبول الدولي بالتخصيب النووي
-
رفع شامل للعقوبات (الأولية والثانوية)
-
إنهاء قرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية
-
تعويضات مالية لإيران
-
انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة
-
وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان
هذه البنود، في مجملها، لا تعكس فقط مطالب تفاوضية، بل خطاباً سيادياً يهدف إلى تثبيت موقع إيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. ومن هنا، فإن قبول واشنطن بهذه الشروط “كأساس للنقاش” لا يعني تبنيها، بل يعكس إدراكاً أمريكياً بأن الاستمرار في المواجهة المفتوحة قد يكون أكثر كلفة من الدخول في مسار تفاوضي معقد.
إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف الضربات لمدة أسبوعين، وربط ذلك بفتح مضيق هرمز، يعكس تحولاً في الخطاب من التصعيد إلى البراغماتية. فالرئيس الذي لوّح بالقوة التدميرية، وجد نفسه أمام واقع ميداني وإقليمي يفرض إعادة الحسابات.
هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بالضغوط الدولية أو الوساطة الباكستانية، بل أيضاً بحسابات داخلية أمريكية، حيث تصبح الحروب الطويلة عبئاً سياسياً واقتصادياً، خاصة في سياق انتخابي أو داخلي حساس.
رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، فإن المعطيات الميدانية تشير إلى استمرار القصف المتبادل، سواء بين إيران وإسرائيل، أو عبر جبهات أخرى كجنوب لبنان. وهذا يعكس حقيقة أساسية: أن الهدنة لم تتحول بعد إلى التزام ميداني كامل، بل لا تزال في إطار النوايا السياسية.
كما أن إدراج “محور المقاومة” ضمن شروط وقف الحرب يعقّد المشهد أكثر، إذ يوسّع دائرة التفاوض لتشمل أطرافاً غير مباشرة، ما يجعل أي اتفاق نهائي أكثر صعوبة.
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد وقف إطلاق نار، بل هو إعادة تشكيل لمعادلة الصراع في المنطقة. فإيران تسعى إلى ترجمة صمودها العسكري إلى مكاسب سياسية، بينما تحاول الولايات المتحدة احتواء التصعيد دون الظهور بمظهر المتراجع الكامل.
أما إسرائيل، التي وافقت على تعليق عملياتها، فهي تراقب بحذر مسار المفاوضات، مدركة أن أي اتفاق قد يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
في النهاية، تبقى مفاوضات إسلام آباد اختباراً حقيقياً لإمكانية الانتقال من منطق القوة إلى منطق السياسة. لكن في منطقة اعتادت على الهدن الهشة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام بداية سلام طويل الأمد، أم مجرد فصل جديد في حرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد؟
زر الذهاب إلى الأعلى