افتتاحية

رحيل عبد الوهاب الدكالي.. حين يُدفن الكبار بصمت وتُنسى ذاكرة الفن

 الحنبلي عزيز – تنوير

لم يكن رحيل الفنان المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي مجرد فقدان صوت جميل أو اسم بارز في سجل الأغنية المغربية، بل كان لحظة مؤلمة أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً ومتجدداً: كيف نودّع رموزنا الثقافية والفنية؟ وكيف نعبّر، كمجتمع ودولة، عن الامتنان لمن صنعوا وجدان أجيال كاملة؟

فالفنان الراحل لم يكن مجرد مطرب أو ملحن عابر، بل كان جزءاً من الذاكرة المغربية الحديثة. صوته رافق تحولات المجتمع، وأغانيه صنعت وجداناً جماعياً قائماً على الرقة، والحنين، والكلمة الراقية، واللحن العميق. لذلك، فإن رحيله دون جنازة رسمية تليق بمكانته، ودون حضور مؤسساتي وازن، لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل بروتوكولي، بل هو مؤشر رمزي على العلاقة المرتبكة التي ما تزال تربطنا بالثقافة وبصناعها.

في بلدان كثيرة، تتحول جنازات كبار الفنانين والمفكرين والكتاب إلى لحظات وطنية كبرى. لا تُكرَّم فيها الأجساد الراحلة فقط، بل يُكرَّم ما مثّلته تلك الأسماء في الوعي الجماعي. فالأمم التي تحترم نفسها تعرف أن الفنان، مثل المفكر والعالم والروائي والفيلسوف، يساهم في بناء صورة الوطن، وفي تشكيل ذوق الناس وذاكرتهم ولغتهم المشتركة.

غير أن ما حدث مع عبد الوهاب الدكالي، كما حدث من قبل مع أسماء فنية كبيرة، يطرح سؤالاً موجعاً حول مكانة الفن في سلم الاعتراف الرسمي. فحين يحضر عامة الناس وبعض الأصدقاء لتوديع قامة فنية كبرى، بينما يغيب حضور رسمي يوازي حجم العطاء، يشعر الجمهور بأن جزءاً من ذاكرته يُدفن في صمت.

هنا يمكن استحضار ما قاله عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو حول الاعتراف والشرعية الاجتماعية. فالمجتمع، في نظره، لا يوزع الاعتراف بشكل عادل دائماً، بل تمنحه المؤسسات غالباً وفق موازين القوة والهيمنة. وهكذا قد يُهمَّش الرأسمال الثقافي الحقيقي، المتمثل في الإبداع والمعرفة والذوق الرفيع، مقابل تضخيم رموز أخرى لا تملك بالضرورة نفس الأثر في وجدان الناس.

إن تكريم الفنانين والمثقفين والعلماء ليس ترفاً، بل هو اعتراف رمزي بقيمة الثقافة في بناء الأمة. فالفن ليس زينة جانبية في حياة الشعوب، بل هو جزء من هويتها العميقة. الأغنية، والمسرح، والسينما، والرواية، والشعر، كلها أدوات تصنع الحس المشترك، وتمنح للناس ذاكرة عاطفية وجمالية لا تقل أهمية عن الذاكرة السياسية.

وقد كان عبد الوهاب الدكالي من هؤلاء الذين أسهموا في الرفع من الذوق الفني الجماعي، ومنحوا للأغنية المغربية إشعاعاً خاصاً داخل الوطن وخارجه. لذلك، فإن وداعه كان يستحق أن يكون مناسبة وطنية للاعتراف، لا لحظة عابرة تمضي في صمت.

ومع ذلك، فإن الفنان الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الموكب الرسمي، بل بقدرته على البقاء في قلوب الناس. قد تغيب المراسيم، وقد يتأخر الاعتراف، لكن صوت عبد الوهاب الدكالي سيظل حاضراً في البيوت المغربية، وفي ذاكرة الأجيال، وفي لحظات الحب والفقد والحنين.

رحم الله عبد الوهاب الدكالي، ورحم كل الفنانين والكتاب والمفكرين والمبدعين الذين منحوا هذا الوطن جزءاً من أرواحهم، ولم ينالوا دائماً ما يستحقونه من تكريم. فالأمم لا تنهض فقط بالسياسة والاقتصاد، بل تنهض أيضاً حين تعرف كيف تصون ذاكرتها، وتحترم رموزها، وترد الجميل لمن صنعوا جمالها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى