اسمهان شرقي
يحلّ شهر محرم كل عام حاملاً معه أبعاداً دينية وتاريخية عميقة، تجعله واحداً من أكثر الشهور مكانة في الوجدان الإسلامي. فهو ليس مجرد بداية للتقويم الهجري، بل يمثل محطة للتأمل في مسيرة الأمة واستحضار القيم الكبرى التي شكلت تاريخها وحضارتها.
ويُعدّ محرم أول شهور السنة الهجرية، وأحد الأشهر الحرم الأربعة التي خصّها الله تعالى بمزيد من التعظيم والتشريف، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ… مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾. وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الشهر وصفاً مميزاً حين قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم»، في دلالة واضحة على فضله ومكانته الروحية.
ومن أبرز المناسبات التي يحتضنها هذا الشهر يوم عاشوراء، الذي يصادف العاشر من محرم. وقد ارتبط هذا اليوم بحدث عظيم في التاريخ الديني، يتمثل في نجاة نبي الله موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون. ولذلك صامه النبي صلى الله عليه وسلم شكراً لله، وحث المسلمين على صيامه، مبيناً ما فيه من فضل وأجر.
ولا تقتصر أهمية محرم على الجانب التعبدي فحسب، بل تمتد إلى بعد تاريخي وحضاري بالغ الدلالة. فالتقويم الهجري الذي يبدأ بمحرم ارتبط بأحد أعظم التحولات في التاريخ الإسلامي، وهو حدث الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة. وقد مثّلت الهجرة نقطة انطلاق لبناء الدولة الإسلامية وترسيخ قيم العدل والتعايش والتنظيم المجتمعي، الأمر الذي جعلها رمزاً للتجديد والتغيير الإيجابي في حياة الأمم والشعوب.
ويحمل استقبال العام الهجري الجديد معاني متجددة من المراجعة والمحاسبة والتخطيط للمستقبل. فكما كانت الهجرة انتقالاً من مرحلة إلى أخرى أكثر إشراقاً، فإن بداية السنة الهجرية تمثل فرصة لاستلهام دروس الإرادة والصبر والعمل من أجل تحقيق الأهداف السامية.
إن شهر محرم يظل مناسبة تجمع بين عبق التاريخ ونفحات الإيمان، وتذكر المسلمين بمحطات مضيئة من سير الأنبياء والصالحين، كما تدعوهم إلى استحضار قيم التضحية والثبات والتجدد. ومن هنا تتجلى عظمة هذا الشهر بوصفه بداية زمنية جديدة، ورسالة متجددة تؤكد أن الأمم الحية هي التي تستلهم من تاريخها ما يعينها على صناعة مستقبلها.