1 – عرف المشهد السياسي – الإعلامي المغربي صحوة استثنائية غير مسبوقة، في عقد التسعينيات من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، إذ ارتفع عدد عناوين الصحف المستقلة والحرة بشكل قياسي، انخرط فيها خيرة الشباب المغربي الطموح المصر على إحداث انعطافة نوعية في مسار الفعل الإعلامي، بهدف تجسيد وبلورة مغرب آخر؛ مغرب الديمقراطية والحرية والحداثة، الذي ظل حلما راود المغاربة قبل الاستقلال وبعده بعقود! مَنْ مِنَ المهتمين بالشأن المجتمعي المغربي لا يتذكر الصحف الورقية الرائعة التي كنا نتهافت على قراءتها بنهم لا يوصف، في هذه الفترة بالذات من قبيل: تيلكيل ونيشان لأحمد رضا بن شمسي و لوجورنال إبدو مادير لأبي بكر الجامعي ودومان الأسبوعية الساخرة لعلي المرابط ولكم (1) لعلي أنوزلا وأخبار اليوم لتوفيق بوعشرين ..من منا لم يسكنه حلم التغيير والإصلاح الشاملين وهو يسبح في أعماق هذه الدرر النفيسة؛ التي حملت رؤية ومنهجية ولغة تتعارض كليا مع الصحافة التقليدية السطحية. لقد امتلأنا إيمانا ويقينا بأن أرض المغرب ولادة، وعلى استعداد متواصل للبرهنة والاستدلال على أن العنصر البشري كان دائما حاضرا مجتهدا مبدعا، يكفيه ضمان مستلزمات الحرية بمعناها الإنساني الوارف.
2 – وما أثلج صدورنا هو أن هذه الثورة الصحفية السامية صاحبت وفاة الملك الراحل الحسن الثاني، وتربُّع ولي العهد آنذاك محمد السادس على عرش أجداده، في مناخ من الانسيابية والسلمية والروح الوطنية العالية، مما رفع منسوب تطلعاتنا وآمالنا نحو الأعلى. وماذا ينقص أمة تملك تاريخا تليدا عظيما مثل أمتنا المغربية، يتزعمها ملك شاب يشتعل حماسة وحيوية، وشباب طموح متعلم يسعى سعيا إلى نشر الوعي السليم، والقيم والمفاهيم الإنسانية الداعية إلى محاربة مظاهر القصور والنقص؛ في التعاطي مع قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع، والدعوية إلى إرساء معالم الدولة الحديثة بحصر المعنى؟ إلا أن كل هذه الأمنيات والرغبات أضحت إثر بضع سنوات، “صرحا من خيالٍ فهوى”! لأن من كان يسميهم عن حق، الراحل عبد الرحمن اليوسفي بجيوب المقاومة والمنتفعين المحظوظين أدركوا ألا مستقبل لهم مع الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن الإصلاح عدو الفساد والاستبداد، فانطلقت مرحلة التراجع القمع وترهيب الأصوات الحرة والزج بها في السجون، وعوالم الصمت والانسحاب الإرادي و الهجرة إلى بلدان، تحتضن الزهور اليانعة والورود اليافعة والأحلام الباسقة؟
3 – لكن ماذا جنى المغرب من معركة “قطف الرؤوس اليانعة”؟ وخنق حرية التعبير الحر المستقل، الداعي إلى البناء بدل الهدم وإلى الحياة بدل الموت وإلى الاستقرار والوحدة بدل الفتنة والتفرقة؟ لا أحد يشك بأن مغرب اليوم يختلف كثيرا عن مغرب ما قبل 25 سنة الماضية، فهناك تطور مذهل عربيا وإفريقيا على مستوى البنيات التحتية، من طرق سيارة ووسائل مواصلات رفيعة ومعاهد تعليمية عليا و مؤسسات استشفائية وموانئ ومطارات عالية الجودة ومركبات رياضية بالمقاييس الدولية .. لكن في الآن عينه نرى الخصاص المهول في الميادين الاجتماعية بالغة الدقة والحساسية، ميادين التعليم والصحة والشغل والسكن والتضخم وتجميد الأجور .. مما ينذر بتشنجات وصدامات مجتمعية في أي لحظة من اللحظات، خاصة وأن المسؤولين السياسيين في بلادنا تخلوا عن فضيلة التواصل مع الشعب، كل هذا ما كان ليحصل بهذا الحجم المخيف، لو كانت لدينا صحافة حرة مستقلة تدق ناقوس الخطر، وتتنبأ بالتحولات غير المطمئنة للمستقبل استنادا إلى معطيات اقتصادية واجتماعية ودراسات علمية، تنجزها مؤسسات وطنية وعالمية مرجعية.
4 – وعلى ضوء ما سبق، يمكن الجزم بأن التقدم الذي تنشده الأمم وترنو إليه المجتمعات، رهين بوجود صحافة حرة مستقلة، بمعية استقلال القضاء والفصل بين السلطات، وتنافس شريف على الحكم، في مضمار انتخابات شفافة بين هيئات حزبية وطنية، مسلحة ببرامج مجتمعية مفصلة ملموسة، وليس بشعارات ومزاعم غير مطابقة للواقع الملموس.
* إطار تربوي – باحث في قضايا الفكر والسياسة