ثقافة و فن

رحيل المؤرخ المغربي لطفي بوشنتوف بالمحمدية.. مسار أكاديمي كرّسه لقراءة تاريخ المغرب وأسئلة الدولة والمجتمع

   فقدت الساحة الأكاديمية المغربية، يوم الجمعة 7 غشت 2026، الباحث والمؤرخ لطفي بوشنتوف، أحد الأسماء التي راكمت حضوراً لافتاً في مجال التاريخ الحديث للمغرب، واهتمت على امتداد سنوات طويلة بالعلاقة بين الدولة والعلماء، وبناء الشرعية السياسية، والتحولات الدينية والثقافية، إلى جانب الانفتاح على أسئلة العلوم الاجتماعية والإنسانية.

كان لطفي بوشنتوف أستاذاً للتاريخ الحديث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، وعُرف باهتمامه الواسع بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، وبمحاولة قراءة التاريخ المغربي بعيداً عن الاقتصار على سرد الأحداث والتواريخ، عبر مساءلة البنيات الفكرية والسياسية والدينية التي صنعت تحولات المجتمع والدولة.وقد راكم مساراً علمياً اهتم خلاله بتاريخ المغرب الثقافي والديني والسياسي، خاصة خلال الفترتين الحديثة والوسيطة، مع تركيز واضح على علاقة السلطة بالمعرفة، وأدوار العلماء والنخب في التحولات التي عرفها المجتمع والدولة المغربية.

واتخذ جزء مهم من أبحاثه من الدولة السعدية وعلاقة العلماء بالسلطة مدخلاً لفهم انتقال الحكم ومصادر المشروعية السياسية والدينية في المغرب. وتجسد هذا الاهتمام بصورة خاصة في مؤلفه البارز «العالِم والسلطان: دراسة في انتقال الحكم ومقومات المشروعية – العهد السعدي الأول»، الصادر سنة 2004 عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بعين الشق، في 488 صفحة.

ولم يتعامل بوشنتوف مع العلماء بوصفهم مجرد شخصيات دينية على هامش الأحداث، بل درسهم باعتبارهم فاعلين داخل لحظات التحول السياسي، وسعى إلى فهم أدوارهم في صناعة الشرعية ومواقفهم من انتقال السلطة، وهو ما جعل أعماله حاضرة في عدد من الدراسات اللاحقة المتعلقة بتاريخ الدولة السعدية وعلاقات الدين بالسياسة.

من التاريخ السياسي إلى الثقافة والتصوف والرموز

امتدت اهتمامات الراحل إلى تاريخ الأفكار والتصوف والكتابات المناقبية. ومن بين دراساته «اللغة والرمز في الكتابة المنقبية»، المنشورة سنة 2006 في مجلة البحث التاريخي، حيث اشتغل على طبيعة الخطاب المرتبط بالأولياء والزوايا ودلالاته الرمزية والاجتماعية. كما تناول في كتاباته قضايا التقليد والتغيير والحداثة والتاريخانية، بما يكشف عن اهتمام يتجاوز التأريخ السياسي التقليدي إلى تحليل الأفكار والتمثلات الثقافية.

وكان بوشنتوف من الباحثين الذين دافعوا في السنوات الأخيرة عن ضرورة تجديد كتابة تاريخ المغرب وربطه بالتحولات العالمية. ففي دراسته «Une histoire-monde pour le Maroc» المنشورة سنة 2020، دعا إلى تجاوز القراءة التي تعزل التاريخ المغربي عن سياقه الدولي، واقترح الاستفادة من مقاربات «التاريخ العالمي» و«التاريخ المتصل» لإعادة فهم تحولات المغرب ضمن ديناميات أوسع.

وعاد إلى هذه الفكرة في دراسته «تاريخ المغرب الثقافي والديني في الفترة الحديثة»، حيث ناقش تطور الكتابة التاريخية المغربية منذ ستينيات القرن الماضي، ودعا إلى مراجعة عدد من المسلمات وفتح البحث التاريخي المغربي على المناهج والأسئلة الجديدة العابرة للحدود. ونشرت الدراسة في مجلة «أسطور» سنة 2024.

حضور في التأليف والترجمة والعمل الجماعي

لم يقتصر إنتاج لطفي بوشنتوف على كتاب واحد، بل توزع بين التأليف، والمقالات الأكاديمية، والتحقيق والترجمة والمشاركة في الكتب الجماعية.

ومن أبرز الأعمال المرتبطة باسمه «التاريخ القديم: قضايا وأبحاث»، الذي صدر سنة 2005 ضمن عمل شارك فيه مع المؤرخ عثمان المنصوري، كما شارك مع محمد معروف الدفالي في كتاب «دور الدار البيضاء في الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة» الصادر سنة 2006 بمناسبة الذكرى الذهبية للاستقلال.

وفي مجال الترجمة والاشتغال على المصادر التاريخية، شارك إلى جانب إبراهيم بوطالب وعثمان المنصوري في تقديم وترجمة «أخبار أحمد المنصور سلطان المغرب» لأنطونيو دي صالدانيا، الذي صدر سنة 2011 عن الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر.

كما ارتبط اسمه بكتاب «مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا» لعبد العزيز الفشتالي، الصادر سنة 2015 ضمن سلسلة «منتخبات من التراث المغربي».

وظل حضوره العلمي مستمراً خلال السنوات الأخيرة، إذ قدّم سنة 2024 كتاب «الحراك الاجتماعي في مغرب ما بعد الاستقلال 1956-1975» للباحث إبراهيم أيت إزي، في مؤشر على استمرار انخراطه في النقاش حول التاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب المعاصر.

وفي مارس 2025، شارك في حلقة فكرية خصصت لمفهوم الحداثة، حيث قُدّم بوصفه متخصصاً في تاريخ الأفكار، وهو ما يعكس اتساع دائرة اهتمامه من التاريخ الحدثي إلى القضايا الفكرية الكبرى المرتبطة بمسار المجتمع المغربي.

حضور داخل الوسط التاريخي المغربي

كان الراحل عضواً في الجمعية المغربية للبحث التاريخي، وشارك في عدد من أنشطتها وندواتها العلمية، كما ألقى محاضرات تناولت قضايا من قبيل الأشراف وقيام الدولة في المغرب، والعلاقة بين التاريخ المحلي والتحولات الكبرى.

وتوثق المصادر الأكاديمية أيضاً مشاركته سنة 2008 بصفته رئيساً لشعبة التاريخ في أعمال ندوة دولية نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق والجمعية المغربية للبحث التاريخي تكريماً للمؤرخ عثمان المنصوري.

رحيل باحث ظل يسائل التاريخ إلى سنواته الأخيرة

برحيل لطفي بوشنتوف، تفقد الجامعة المغربية باحثاً لم يتعامل مع التاريخ بوصفه مخزوناً من الوقائع الجاهزة، وإنما باعتباره مجالاً دائماً لإعادة طرح الأسئلة: كيف تتشكل الدولة؟ ومن أين تستمد السلطة مشروعيتها؟ وكيف يتفاعل الدين والعلماء والمجتمع مع التحولات السياسية؟ وكيف يمكن كتابة تاريخ المغرب من داخل خصوصيته، من دون فصله عن تاريخ العالم؟

لقد تحرك مشروعه العلمي بين العالِم والسلطان، والدولة والمجتمع، والتقليد والحداثة، والمحلي والعالمي، وظل وفياً لفكرة أن وظيفة المؤرخ لا تقتصر على استعادة الماضي، بل تمتد إلى إعادة فهمه وإخضاع المسلمات التاريخية للنقاش.

ومع رحيله بمدينة المحمدية، تنتهي مسيرة أكاديمية امتدت لعقود، لكن مؤلفاته ودراساته والطلبة والباحثين الذين استفادوا من أعماله سيحفظون حضور اسمه داخل حقل البحث التاريخي المغربي.

رحم الله الأستاذ لطفي بوشنتوف، وألهم أسرته وطلبته وزملاءه جميل الصبر والسلوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى