مجتمع

من 20 فبراير إلى أزمة سبتة.. تحالف اليسار يحوّل «15 سنة من الأزمات» إلى مرافعة انتخابية

 الحنبلي عزيز

اختار تحالف اليسار العودة خمسة عشر عاما إلى الوراء، من احتجاجات 20 فبراير 2011 وصولا إلى أحداث سنة 2026، ليقدم قراءته الخاصة لمسار سياسي واجتماعي واقتصادي يعتبر أنه راكم الأزمات بدل معالجتها. غير أن الشريط الذي نشره التحالف لا يكتفي بجرد أحداث متفرقة، بل يبني، من خلال خط زمني مكثف، مرافعة سياسية وانتخابية تستهدف إقناع الناخب بأن ما عاشه المغرب خلال هذه المرحلة ليس سلسلة أزمات منفصلة، وإنما نتيجة اختيارات وسياسات متراكمة.

ويمتد الفيديو لنحو دقيقتين، معتمدا إخراجا بصريا بسيطا يقوم على تسلسل السنوات والعناوين القصيرة والصور الدالة. فمن «ربيع 20 فبراير» إلى احتجاجات المعطلين، ومن قضية «طحن مو» وحراك الريف واحتجاجات جرادة وزاكورة إلى فاجعة معمل طنجة وسياج مليلية وزلزال الحوز وأزمة طلبة الطب، تتوالى الوقائع بسرعة لتكوين ما يسميه التحالف حصيلة «15 سنة من تراكم الأزمات والفساد».

ليست لائحة أحداث.. بل بناء لسردية سياسية

تكمن دلالة الشريط أساسا في الطريقة التي رتبت بها الأحداث. فالتحالف لا يحمل المسؤولية لحكومة واحدة بقدر ما يحاول تقديم المرحلة الممتدة بين 2011 و2026 باعتبارها زمنا سياسيا متصلا، تغيرت خلاله الحكومات والأغلبيات بينما ظلت، بحسب قراءته، الاختلالات البنيوية قائمة.

ويتوقف الفيديو عند ملفات يضعها التحالف تحت عناوين شديدة الدلالة، من قبيل الفساد والريع وتضارب المصالح و«زواج المال والسلطة»، إلى جانب تحرير أسعار المحروقات وإصلاح صندوق المقاصة وتراجع القدرة الشرائية وأزمة الماء والضغط على الخدمات العمومية.

ويستحضر أيضا قضايا ذات حمولة اجتماعية وإنسانية قوية، مثل مأساة الطفل ريان وفاجعة معمل طنجة وزلزال الحوز وأوضاع بعض المتضررين منه، بما يجعل المادة المصورة تجمع بين الاحتجاج السياسي والذاكرة الجماعية للأزمات.

وهنا يبدو أن الرهان ليس تقديم دراسة دقيقة لنتائج السياسات العمومية بقدر ما هو استعادة وقائع لا تزال حاضرة في ذاكرة جزء من الرأي العام، وربطها بخيط سياسي واحد عنوانه فشل الحكومات المتعاقبة، وهي القراءة التي يتبناها التحالف وليست توصيفا محايدا أو متفقا عليه لهذه المرحلة.

من الأزمة الاجتماعية إلى سؤال الثقة

أحد أبرز الخيوط التي تربط بين الأحداث المعروضة هو محاولة نقل النقاش من الأرقام الاقتصادية إلى الإحساس الاجتماعي بنتائج السياسات.

فالبطالة، وارتفاع كلفة المعيشة، والماء، والصحة، والتعليم، والهجرة، والاحتجاجات الاجتماعية، تقدم في الفيديو باعتبارها مظاهر مختلفة لمشكلة أعمق ترتبط، وفق خطاب التحالف، بتوزيع الثروة وضعف العدالة الاجتماعية والمجالية.

وعندما يصل الشريط إلى أحداث 2025 و2026، بما فيها احتجاجات «جيل زد» وموجة العبور نحو سبتة التي يصفها التحالف بـ«طوفان الهروب الكبير»، يصبح موضوع الشباب محوريا في الرسالة السياسية: فالهجرة والاحتجاج وفقدان الثقة تُقدَّم جميعها باعتبارها مؤشرات على أزمة العلاقة بين فئات من المجتمع والسياسات العمومية.

فيديو انتخابي قبل أسابيع من الاقتراع

توقيت نشر الشريط ليس تفصيلا ثانويا. فتحالف اليسار، الذي يجمع فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، يستعد لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 بلوائح مشتركة، بعدما أعلن الطرفان أن تحالفهما يتجاوز التنسيق الانتخابي إلى مشروع سياسي يقوم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الفيديو بوصفه المرحلة الأولى من بناء العرض الانتخابي للتحالف: التشخيص أولا، ثم البديل لاحقا.

وهذا ما يؤكده الشريط نفسه في نهايته، عندما ينتقل من اللون الداكن الذي يرافق سرد الأزمات إلى خلفية صفراء ورسالة تدعو الجمهور إلى انتظار «البرنامج الاجتماعي الحقيقي». ويعلن التحالف أنه سيقدم برنامجا يقول إنه سيكون واقعيا وشفافا وقابلا للتطبيق، واضعا العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والكرامة ضمن أولوياته.

وبذلك يحاول التحالف الانتقال من موقع المعارضة التي تنتقد إلى موقع القوة السياسية المطالبة بإثبات قدرتها على تقديم بديل قابل للقياس والتنفيذ، وهو التحدي الأصعب أمامه في المرحلة المقبلة.

في المقابل.. للحكومة رواية أخرى للحصيلة

غير أن قراءة خمسة عشر عاما من خلال الأزمات وحدها تظل بالضرورة قراءة سياسية انتقائية. فالحكومة التي قادها عزيز أخنوش بين 2021 و2026 تقدم حصيلة مختلفة، وتعتبر أنها أطلقت أوراشا واسعة في الحماية الاجتماعية والصحة والاستثمار والتعليم والدعم المباشر.

وخلال تقديم حصيلة ولايته أمام البرلمان في أبريل الماضي، تحدث أخنوش عن توسيع التغطية الصحية، واستفادة ملايين الأسر من الدعم الاجتماعي المباشر، ورفع ميزانية الصحة والاستثمار العمومي، إلى جانب مشاريع في مجال الماء وتحلية مياه البحر وإصلاح التعليم. وهي معطيات تقدمها الحكومة باعتبارها دليلا على بناء أسس «الدولة الاجتماعية» رغم توالي الأزمات الدولية والجفاف والتضخم.

وهنا بالتحديد ينتقل النقاش من وجود المشاريع والإصلاحات إلى تقييم آثارها الفعلية: هل انعكست الاستثمارات والبرامج الاجتماعية بالقدر الكافي على حياة المواطنين؟ وهل استطاعت تقليص الفوارق ورفع جودة الخدمات وخلق فرص العمل؟ أم أن فجوة ما تزال قائمة بين الأرقام الرسمية والإحساس الاجتماعي؟

وهي أسئلة ستشكل، على الأرجح، جزءا أساسيا من المواجهة السياسية خلال الحملة الانتخابية المقبلة.

«ذاكرة الأزمات» في مواجهة «حصيلة الإنجازات»

بهذا الشريط، يبدو تحالف اليسار وكأنه اختار خوض معركة انتخابات 2026 عبر ذاكرة الأزمات، في مواجهة خطاب حكومي يستند إلى حصيلة الإنجازات والأرقام.

فالتحالف يقول للناخب، عمليا، إن الحكم على المرحلة يجب ألا يتم فقط من خلال المشاريع المعلنة والمؤشرات الاقتصادية، وإنما أيضا باستحضار الاحتجاجات والأزمات الاجتماعية والحقوقية التي عرفتها البلاد. أما الحكومة، فتدافع عن حصيلة تعتبرها إصلاحية في سياق اقتصادي ومناخي ودولي استثنائي.

وبين الروايتين ستكون المرحلة المقبلة اختبارا لتحالف اليسار نفسه. فالنجاح في جمع أحداث خمسة عشر عاما داخل شريط مؤثر لا يكفي لبناء بديل سياسي؛ إذ سيصبح التحالف مطالبا، عندما يكشف برنامجه، بالإجابة بالأرقام والإجراءات والتمويل والآجال عن السؤال الذي أنهى به حملته التشخيصية: إذا كانت هذه حصيلة الماضي كما يراها، فما الذي يقترحه فعليا للمستقبل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى