كلما اقترب موعد الانتخابات، ازداد حضور السياسة في الشارع، وازدادت في الوقت نفسه هشاشتها داخل المجتمع. تلك هي المفارقة التي تختصر، أكثر من أي تحليل نظري، شيئًا من المشهد الانتخابي المغربي : مواطن يمضي سنوات في انتقاد السياسي في المقاهي وعلى منصات التواصل، ثم يستقبله بابتسامة حين يطرق بابه؛ وسياسي يرفع طوال الولاية شعار «المصلحة العامة»، ثم يعود في الحملة إلى لغة أقدم من تاريخ الانتخابات نفسها: لغة القرابة والجوار والقبلية والوساطة؛ وحزب يقدّم نفسه مؤسسة فكرية وسياسية، قبل أن يتحول محليًا، خلال أسابيع الحملة، إلى شبكة تعبئة وتفاوض وتوزيع للمصالح. وهنا تصبح الحملة الانتخابية مرآة للمجتمع أكثر مما هي مرآة للأحزاب.
هذه المسألة تستحق قراءة تتجاوز الإدانة الأخلاقية السريعة. فالحملة الانتخابية تكشف كيف تُنتَج السلطة داخل المجتمع، وكيف يتحول رأس المال الاجتماعي والاقتصادي والرمزي إلى رأسمال انتخابي. وما يُختزل أحيانًا في عبارة «فساد الحملات الانتخابية» يمكن قراءته أيضًا باعتباره نافذة على علاقة أعمق: علاقة المواطن بالدولة، والناخب بالمنتخب، والتفويض بالمحاسبة، والسياسة بالحياة اليومية.
وثمة وهم شائع يربط السوق الانتخابية ببداية الحملة. والحقيقة أن الحملة تكشف هذه السوق فقظ وتظهرها ولا تنشؤها. فالوساطة اليومية بين المواطن والإدارة، والبحث عن شخص يستطيع تسريع ملف ما، أو متابعة شهادة أو وثيقة ما، أو فتح باب مغلق، أو التدخل لدى مسؤول، كلها تصنع عبر الزمن نوعًا من الرأسمال السياسي غير المعلن. ومن هنا تظهر أسئلة بسيطة، لكنها تحكم جزءًا من الحياة السياسية اليومية أكثر مما تفعل البرامج الانتخابية:
من يعرف من؟ ومن يستطيع أن يفعل كذا…أو ماذا؟
حين تصبح هذه الأسئلة جزءًا من علاقة المواطن بالمؤسسة، تتشكل شبكة من التوقعات والمصالح والولاءات قبل أن تبدأ الحملة بوقت طويل. ولهذا قد يكون يوم الاقتراع، في بعض السياقات، أقل شبهًا بلحظة بداية وأكثر شبهًا بلحظة تصفية حساب لتراكم طويل من العلاقات. فهل نحن إذن أمام شراء آني للصوت؟ أم أمام لحظة تتبلور فيها علاقة سياسية بُنيت خلال سنوات من الوساطة والانتظار والاعتماد المتبادل؟
هذاالسؤال مهم لأن الحملة، في هذه الحالة، تصبح اللحظة الأكثر ظهورًا لاقتصاد سياسي ظل يعمل بعيدًا عن الأضواء.
وفي التصور الديمقراطي للانتخاب، يفترض في الصوت أن يكون تعبيرًا عن اختيار سياسي : تفضيل برنامج على آخر، أو رؤية على أخرى، أو فريق سياسي على منافسيه. لكن الصوت قد يتحرك، في بعض السياقات، داخل منطق تفاوضي يتقاطع فيه المال مع الخدمة، والوعد مع الواسطة، والانتماء العائلي أو القبلي مع الحساب المحلي، والثقة الشخصية مع المصلحة الآنية. وعند هذه النقطة التفاوضية، يصبح الصوت نفسه موردًا سياسيًا. وهنا ينبغي التمييز بين شراء الصوت باعتباره تبادلًا مباشرًا للمنفعة مقابل الدعم الانتخابي، وبين الزبائنية السياسية باعتبارها علاقة أوسع تقوم على تبادل المنافع والولاءات عبر الزمن. فشراء الصوت قد يكون لحظة داخل علاقة زبائنية أكثر امتدادًا، بينما قد توجد علاقات وساطة وخدمة وتعبئة انتخابية لا تصل بالضرورة إلى شراء مباشر للصوت.
وتشير دراسات ميدانية حديثة إلى أن ظاهرة شراء الأصوات أكثر تعقيدًا مما توحي به الانطباعات السريعة، وأن قياس انتشارها يظل صعبًا بسبب حساسية الموضوع وطبيعة العلاقات التي تحيط به. لذلك يصعب اختزالها في صورة واحدة أو تعميمها على جميع الناخبين والمرشحين والمناطق. الأهم هو فهم الشروط الاجتماعية والسياسية التي تجعل الصوت قابلًا للتفاوض، وتسمح لعلاقات المنفعة والوساطة والولاء بأن تدخل إلى المجال الانتخابي.
ولفهم سبب قدرة بعض المرشحين على التعبئة أكثر من غيرهم، تبدو أدوات بيير بورديو مفيدة بصورة خاصة. فالمال وحده لا يصنع القوة الانتخابية. فهناك رأس مال اقتصادي يمنح القدرة على الإنفاق، ورأس مال اجتماعي يوفّر شبكة العلاقات، ورأس مال رمزي يرتبط بالسمعة والمكانة والثقة، ثم شبكات محلية تضم جمعيات وتعاونيات وأعيانًا وفاعلين مؤثرين. ويمكن، لأغراض تحليلية، التعبير عن ذلك في صيغة مبسطة:
الرأسمال الاقتصادي + الرأسمال الاجتماعي + الرأسمال الرمزي + الشبكات المحلية = قدرة أكبر على التعبئة الانتخابية.
هذه المعادلة هي طريقة مبسطة لفهم تفاوت القدرة على الوصول إلى الناخبين وحشدهم.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يبدو الترشح أحيانًا أقرب إلى الاستثمار منه إلى الالتزام السياسي. فالمرشح الذي أنفق وقتًا ومالًا وجهدًا في بناء شبكته، وراكم علاقات ووعودًا وتوقعات، قد ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مرحلة لاستعادة ما استثمره من موارد مادية ورمزية.
وهنا يتغير السؤالإلى:
هل يدخل الفرد السياسة لأنه يحمل مشروعًا يريد تحقيقه، أم لأنه يمتلك شبكة يستطيع تحويلها إلى قوة انتخابية؟
في الواقع قد يجتمع الدافعان معا. لكن الخلل يبدأ حين تصبح الشبكة أقوى من المشروع، والمصلحة أقوى من الفكرة.
وربما تكمن المشكلة الأعمق في المسافة الفاصلة بين انتخابين. فإذا استُعيدت علاقة المواطن بمن ينتخبه بحماس كل أربع أو خمس سنوات، ثم خفتت آليات التواصل والمساءلة بعد إعلان النتائج، فإن الحملة المقبلة ستعيد إنتاج المنطق نفسه، لأن البنية التي أنتجت العلاقة الانتخابية لم تغير.. وهنا تظهر فكرة «الولاية الانتخابية الغائبة». والمقصود بها تلك الفترة الطويلة التي يظل فيها المواطن حاضرًا بوصفه صاحب مصلحة، بينما يتراجع حضوره بوصفه شريكًا في مراقبة القرار وصناعة السياسات ومتابعة تنفيذ الوعود.وحين تضعف قنوات التواصل والمساءلة، يتحول التفويض الانتخابي إلى علاقة مؤجلة بين طرفين لا يلتقيان سياسيًا إلا عندما تقترب ساعة الاقتراع. وهكذا تتحمل الحملة الانتخابية عبئًا أكبر من قدرتها: أن تكون، خلال أسابيع قليلة، تعويضًا عن سنوات من التواصل السياسي الضعيف. ومن هنا يمكن فهم لماذا تصبح بعض الحملات مكثفة إلى هذا الحد؛ فهي لا تبحث فقط عن أصوات جديدة، وإنما تحاول إعادة بناء علاقة سياسية كان يفترض أن تستمر طوال الولاية.
فمن السهل إدانة الناخب الذي يقبل منفعة آنية مقابل صوته ووصفه بالفساد أو ضعف الوعي السياسي. لكن هذا التفسير الأخلاقوي يغلق باب الفهم قبل أن يفتحه. فالمواطن قد يتصرف، في بعض السياقات، وفق منطق عقلاني قائم على حساب المنفعة والمخاطرة. وحين يدرك، من خلال تجربته المتكررة، أن صوته قد لا يتحول إلى تغيير ملموس في حياته اليومية، وأن الوعود السياسية مؤجلة وغير مؤكدة، قد تبدو المنفعة الآنية أكثر يقينًا من وعد سياسي بعيد المنال. وهذا التفسير لا يبرر شراء الأصوات ولا يمنحه شرعية أخلاقية أو قانونية؛ لكنه يحاول فهم الشروط التي تجعل السلوك ممكنًا ومغريًا. ومن هنا ينبغي تغيير السؤال. من : لماذا يبيع المواطن صوته؟ إلى سؤال أعمق هو:
ما الذي حدث للعلاقة بين المواطن والسياسة حتى أصبح الصوت قابلًا للتسعير أصلًا؟
والسؤال المقابل الذي يخص المرشح:
لماذا يحتاج بعض السياسيين إلى شراء الولاء الانتخابي بدل إقناع المواطن بمشروع سياسي؟
عند هذه النقطة نغادر أخلاق الأفراد المتناثرة إلى اقتصاد المؤسسات والعلاقات الاجتماعية. وهنا يبدأ التحليل السوسيولوجي الحقيقي.
كما يصعب على قارئ مغربي أن يتأمل هذه الظاهرة دون أن يستحضر مفهوم «العصبية» عند ابن خلدون؛ ذلك الرابط الذي يمنح الجماعة قدرتها على التماسك والفعل والدفاع عن مصالحها. فبنيات القرابة والجوار والجماعة المحلية والأعيان وشبكات الانتماء لا تختفي بالضرورة مع الانتقال إلى المؤسسات الحديثة. وإنما قد تعيد تشكيل نفسها داخلها. وهذا ما يجعل الانتخابات فضاءً سوسيولوجيًا بالغ الدلالة: مؤسسة رسمية تقوم على القانون والصندوق والتمثيلية، وشبكات اجتماعية تعمل في الوقت نفسه بمنطق الثقة والقرابة والانتماء والمصلحة. فالمرشح الذي يمتلك رأسمالًا اجتماعيًا واسعًا يستطيع تحويل جزء منه إلى رأسمال سياسي داخل واجهة مؤسساتية تحكمها قواعد انتخابية رسمية، بينما تستمر في داخلها شبكات اجتماعية أقدم من اللعبة الانتخابية نفسها. وهنا تكمن إحدى مفارقات الحداثة السياسية:فالمؤسسات الحديثة قد تغيّر قواعد اللعبة، لكنها لا تمحو بالضرورة اللاعبين الاجتماعيين الذين اعتادوا العمل داخلها. كما قد تدخل العصبية إلى صندوق الاقتراع بثوب جديد؛ وقد تتحول القرابة إلى شبكة تعبئة، والجوار إلى وحدة انتخابية، والوجاهة المحلية إلى رأسمال سياسي.
وفي نهاية المطاف، تكشف الحملة الانتخابية شيئًا يتجاوز صناديق الاقتراع. إذ تكشف صورة المجتمع عن نفسه، وصورة السياسة في وعي المواطن، وصورة الدولة في تفاصيل الحياة اليومية. فحين يصبح الصوت وسيلة للحصول على خدمة، وحين تتحول القرابة إلى شبكة تعبئة، وحين يستعيد السياسي علاقته بالمواطن مع اقتراب موعد الاقتراع، فإن السؤال الحقيقي يتجاوز من فاز ومن خسر إلى : كيف تُنتَج السلطة نفسها داخل المجتمع؟
فالديمقراطية الانتخابية تحتاج إلى مواطن يشعر أن أثر صوته يمتد إلى ما بعد يوم الاقتراع؛ وإلى منتخب يدرك أن التفويض الشعبي بداية للمساءلة؛ وإلى أحزاب تجعل من السياسة مجالًا لصناعة المشاريع والأفكار،وليس مجرد هندسة للتحالفات واللوائح.
ولهذا فإن إصلاح الظاهرة الانتخابية يبدأ من مكان أعمق من الحملة نفسها: من إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وبين التفويض والمحاسبة، وبين السياسة والمصلحة العامة. فالمشكلة، في النهاية، أن السياسة حين تفقد قدرتها على الإقناع تجعل الصوت قابلًا للتسعير، وحين يصبح الصوت سلعة، فإن السوق تكشف أكثر من فساد البائع والمشتري؛ إنها تكشف قيمة السياسة نفسها داخل المجتمع. وربما هنا تكمن المفارقة الأكبر: حيث كلما ارتفع ثمن الصوت، انخفضت قيمة السياسة التي يُفترض أن يعبّر عنها.