وجهة نظر

الصندوق الانتخابي في زمن الذكاء الاصطناعي: هل حان وقت إعادة التفكير في طريقة التصويت ؟ بقلم: هشام فرجي

   في 23 شتنبر 2026، ذهب المغاربة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب. كان العالم من حولهم قد قطع مسافات هائلة في طريق الرقمنة: الهواتف تعرف مواقع أصحابها، والمنصات الرقمية تدير المعاملات، والخوارزميات تحلل ملايين البيانات في ثوان، والذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج صورة أو صوت أو نص يكاد يستعصي أحيانًا على التمييز بين الحقيقي والمفبرك. ومع ذلك، عندما وصل المواطن إلى اللحظة الأكثر حساسية في العملية الديمقراطية، أي لحظة تحويل إرادته السياسية إلى صوت، عاد إلى الورقة والقلم والصندوق.

وليست المفارقة في أن يكون الاقتراع ورقيًا. فالتصويت الورقي ما زال، في تجارب ديمقراطية كثيرة، وسيلة ذات مزايا مهمة من حيث البساطة وإمكانية المراقبة وإعادة العد. المفارقة الحقيقية أن الانتخابات نفسها أصبحت رقمية في محيطها، بينما ظلت لحظة إنتاج الصوت السياسي خارج هذا التحول إلى حد كبير.وهنا يبدأ السؤال:
هل تحتاج الديمقراطية المغربية إلى رقمنة التصويت، أم تحتاج أولًا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نضمن بها أن الصوت الذي أدلى به المواطن قد وصل إلى النتيجة بأكبر قدر ممكن من الشفافية وقابلية التحقق؟

من الناخب الرقمي إلى الناخب الورقي

لم تعد الدولة تدير الانتخابات بالوسائل التقليدية وحدها. ففي انتخابات 2026، أصبح إيداع الترشيحات يتم عبر منصة إلكترونية رسمية، كما أتاحت وزارة الداخلية للناخبين وسائل تقنية للتعرف على مكاتب التصويت، من بينها الرسائل النصية القصيرة، إلى جانب الوسائل الرقمية الأخرى. وهذا يعني أن جزءًا مهمًا من الرحلة الانتخابية أصبح رقميًا. فقبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع، تكون بيانات العملية الانتخابية قد مرت عبر منظومات معلوماتية متعددة: تسجيل الناخبين، تحيين المعطيات، تدبير الترشيحات، نشر المعلومات، تحديد مكاتب التصويت، والتواصل مع المواطنين. لكن عند الباب الأخير، يتوقف المسار الرقمي.

يدخل المواطن إلى مكتب التصويت، يقدم وثيقته، يتسلم ورقة الاقتراع، يدخل المعزل، يضع اختياره في الورقة، ثم في الصندوق. إنها هذه الصورة شديدة الدلالة على مرحلة انتقالية يعيشها النظام الانتخابي: دولة تستخدم التكنولوجيا لإدارة الانتخابات، لكنها لا تستخدمها بوصفها وسيطًا مباشرًا لإنتاج الصوت.

وقد يبدو الحديث عن التصويت الإلكتروني سهلًا في عصر الذكاء الاصطناعي. لكن الديمقراطية ليست مسابقة في استعمال التكنولوجيا. فإذا كان الهاتف الذكي يستطيع تحويل المال وتحريك الحسابات وإجراء المعاملات في ثوان، فهذا لا يعني أن وضع آلة إلكترونية أمام الناخب سيجعل الانتخابات أكثر نزاهة. إذ على العكس، التصويت الإلكتروني يفتح أسئلة جديدة وصعبة:
كيف نضمن سرية الاختيار؟
كيف نتأكد من هوية الناخب دون أن نربط هويته بخياره؟
كيف نمنع الاختراق أو التلاعب بالبرمجيات؟
كيف يستطيع المواطن أو المراقب المستقل التحقق من أن الصوت المسجل إلكترونيًا هو نفسه الذي احتسب في النتيجة؟
وماذا يحدث إذا وقع عطب تقني أو هجوم سيبراني؟
ثم هناك سؤال أكثر عمقًا: هل يستطيع المواطن العادي أن يفهم ويدقق في النظام الذي أنتج النتيجة، كما يستطيع أن يفهم صندوقًا وورقة ومحضرًا؟

لهذا فإن الانتقال من الورقة إلى الشاشة ليس تطورًا تقنيًا بسيطًا؛ إنه إعادة بناء لجزء من الثقة السياسية.

والمغرب بدأ بالفعل في مواجهة مشكلة أخرى: السياسة دخلت العصر الاصطناع. إذ المفارقة أن الذكاء الاصطناعي دخل الانتخابات المغربية قبل أن يدخل صندوق الاقتراع. فالمشرّع والجهات المنظمة واجها في انتخابات 2026 ظاهرة جديدة: المحتوى السياسي المفبرك، والصور والأصوات المركبة، والأخبار الزائفة التي يمكن إنتاجها أو توزيعها بواسطة أدوات رقمية متطورة. وقد تضمنت المنظومة الانتخابية مقتضيات جديدة تستهدف نشر الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة بقصد التأثير غير المشروع في العملية الانتخابية، في سياق أشارت فيه السلطات صراحة إلى انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي والمحتويات المضللة.
كما وضعت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري مقتضيات تتعلق بالمضامين الانتخابية المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي ومواجهة التضليل الإعلامي. وهذا تطور مهم لأنه يكشف أن المعركة الانتخابية دخلت العصر الخوارزمي حتى لو بقي الصندوق ورقيًا. فالمشكلة لم تعد فقط: من قال ماذا؟ ومن أعطى لمن ومن صوّت لمن؟ بل أصبحت أيضًا: من أنتج الصورة؟ من صنع الفيديو؟ هل الصوت حقيقي؟ هل المرشح قال هذا الكلام فعلًا؟ هل الحساب الذي يهاجم مرشحًا يديره إنسان أم شبكة آلية؟ وهل يستطيع الناخب التمييز بين الواقع والمحتوى الذي صنعته الخوارزمية؟
لكن لماذا لا نطرح السؤال عن الصندوق نفسه؟ هنا ينبغي أن نكون أكثر دقة. السؤال الذي يجب طرحه ليس: لماذا لا نصوت عبر الهاتف؟ فهذا السؤال يفترض أن التكنولوجيا هي الحل قبل تحديد المشكلة. فالسؤال الأصح هو: ما الذي نريد من التكنولوجيا أن تضيفه إلى العملية الانتخابية؟ فإذا كان الهدف هو تسريع إعلان النتائج، فهناك حلول تقنية يمكن أن تساعد دون أن يصبح التصويت نفسه إلكترونيًا. وإذا كان الهدف هو الحد من أخطاء العد، فهناك تقنيات للمطابقة والتدقيق. أما إذا كان الهدف هو تعزيز الشفافية، يمكن إنشاء منظومات رقمية تتيح تتبع مراحل الفرز وتجميع المحاضر ونشر البيانات القابلة للتحقق. وإذا كان الهدف هو تسهيل مشاركة المواطنين، يمكن بناء خدمات رقمية تجعل معرفة التسجيل ومكتب التصويت والمعلومات المتعلقة بالمرشحين أكثر سهولة. أي أن رقمنة الانتخابات لا تعني بالضرورة رقمنة الاقتراع. وهذه نقطة أساسية في النقاش.

ربما لا يحتاج المغرب في المرحلة الأولى إلى صندوق إلكتروني، بقدر ما يحتاج إلى منظومة انتخابية قابلة للتدقيق رقميًا. حيث يمكن تخيل نموذج هجين: يبقى الناخب أمام ورقة اقتراع بسيطة، ويحافظ الاقتراع على سريته وقابليته للمراقبة البشرية. لكن عملية الفرز والتجميع يمكن أن تستفيد تدريجيًا من أدوات رقمية تتيح:

– رقمنة محاضر مكاتب التصويت؛
– نشر البيانات الانتخابية في صيغ قابلة للمعالجة؛
– مطابقة النتائج المحلية مع النتائج المجمعة؛
– استعمال أنظمة تدقيق مستقلة؛
– الكشف المبكر عن التناقضات الحسابية؛
– توفير مسارات واضحة للطعن والتحقق؛
– وإنشاء سجل رقمي موثوق لكل مرحلة، دون المساس بسرية اختيار الناخب.
هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للتدقيق لا أداة لاتخاذ القرار. وهذا فرق جوهري. فالخوارزمية لا ينبغي أن تعرف لمن صوّت المواطن، ولا أن تتنبأ بما ينبغي أن يصوت له، ولا أن تقرر صحة اختياره السياسي. فوظيفتها، إن استُعملت، أن تساعد الإنسان والمؤسسات المستقلة على اكتشاف الأخطاء والتناقضات والأنماط غير العادية، مع إبقاء القرار الانتخابي والرقابة عليه داخل إطار بشري وقانوني قابل للمساءلة.

ومن اللافت أيضا أن انتخابات 2026 أدخلت تعديلًا يتعلق بشكل المعزل، إذ نصت المقتضيات الجديدة على أن يكون مكشوفًا من الجهة المقابلة لمكتب التصويت وممثلي المرشحين، بهدف منع ممارسات من قبيل تصوير ورقة الاقتراع أو التأثير على الناخب. وهذا التعديل يحمل دلالة أكبر من تفاصيله التقنية. لقد أصبح الهاتف المحمول نفسه جزءًا من معادلة النزاهة الانتخابية. فالتكنولوجيا التي تمنح المواطن قدرة غير مسبوقة على التواصل والتوثيق يمكن أن تتحول أيضًا إلى وسيلة لتوثيق الاختيار الانتخابي، بما قد يهدد سرية الاقتراع ويخلق أشكالًا جديدة من الضغط. وهكذا تظهر مفارقة أخرى:
التكنولوجيا قد تكون جزءًا من الحل، لكنها قد تكون أيضًا جزءًا من المشكلة.
وهذا بالضبط ما يجعل النقاش حول الانتخابات الرقمية أكثر تعقيدًا من مجرد استبدال الورقة بشاشة.

وفي توقعنا أن الانتخابات القادمة لن تكون معركة بين الورق والذكاء الاصطناعي إذ المسألة في النهاية ليست اختيار أحدهما وإلغاء الآخر. فالمستقبل المحتمل للانتخابات ليس بالضرورة صندوقًا إلكترونيًا يضغط فيه المواطن على شاشة. قد يكون مستقبل الانتخابات أكثر تواضعًا وأكثر عمقًا في الوقت نفسه: ورقة اقتراع بسيطة، وصندوق واضح، وفرز بشري يمكن مراقبته، ومنظومة رقمية قوية للتحقق والتدقيق والنشر. أي أن التكنولوجيا قد لا تحل محل الإنسان، وإنما تجعل عمل المؤسسات الانتخابية أكثر قابلية للفحص. وهنا يمكن أن ينتقل النقاش المغربي من سؤال:
«هل ننتقل إلى التصويت الإلكتروني؟»
إلى سؤال أكثر نضجًا:
«كيف نجعل كل صوت انتخابي قابلًا للتتبع المؤسسي والتدقيق، من دون أن يصبح قابلًا للتتبع الشخصي؟»
إنه توازن دقيق بين قيمتين تبدوان متعارضتين: الشفافية والسرية. فنحن نحتاج إلى أن نعرف كيف وصلت

فكيف تُهندس العملية التي يتحول فيها موقف المواطن إلى صوت، ثم يتحول الصوت إلى رقم، ثم يتحول الرقم إلى مقعد؟
هنا تبدأ السياسة من جديد. إذ قد يملك المرشح المال، وقد يملك الحزب التنظيم، وقد يمتلك الناخب صوته، وقد تمتلك الدولة آليات الرقابة؛ لكن كل هذه القوى تلتقي في النهاية عند لحظة واحدة: لحظة احتساب الصوت. ومن يملك القدرة على ضمان سلامة هذه اللحظة لا يملك النتيجة السياسية، لكنه يملك شيئًا أكثر أهمية: ضمان أن النتيجة تعكس، بأكبر قدر ممكن من الدقة، ما حدث داخل الصندوق.

وهناك وهم معاصر يجب الحذر منه: وهو الاعتقاد بأن الرقمنة وحدها تجعل المؤسسات أكثر ديمقراطية. إذ ليست كل منظومة رقمية شفافة. وليست كل خوارزمية محايدة. وليست كل قاعدة بيانات آمنة. وليست كل سرعة في إعلان النتائج دليلًا على جودة الانتخابات. فالديمقراطية في جوهرها ليست تطبيقًا إلكترونيًا. إنها قواعد، ومؤسسات، ومراقبة، ومسؤولية، وحقوق، وثقة عامة. والتكنولوجيا لا تستطيع أن تعوض غياب هذه العناصر. لكنها تستطيع، إذا وضعت داخل إطار قانوني ومؤسسي سليم، أن تجعل بعض العمليات أكثر قابلية للفحص، وأسرع في كشف الأخطاء، وأوسع في إتاحة المعلومات. وهنا تكمن قيمتها الحقيقية.

ولقد دخل المغرب بالفعل مرحلة انتخابية تستخدم فيها الدولة المنصات الرقمية، وتواجه فيها الأخبار الزائفة والمحتويات المولدة بالذكاء الاصطناعي، وتستعمل فيها وسائل تقنية لتيسير وصول الناخب إلى معلوماته الانتخابية. لكن السؤال الذي ستفرضه السنوات المقبلة لن يكون : كيف نصوت؟ بل ستكون : كيف نتحقق؟ كيف نتحقق من سلامة التسجيل كيف نتحقق من سلامة الفرز؟ كيف نتحقق من انتقال النتائج من مكتب التصويت إلى التجميع الوطني؟ كيف نتحقق من عدم وجود تلاعب رقمي؟ وكيف نحافظ، في الوقت نفسه، على السرية المطلقة للاختيار الفردي؟
ذلك هو التحدي الحقيقي. فالصندوق الديمقراطي في القرن الحادي والعشرين قد لا يكون صندوقًا إلكترونيًا. لأنه قد يكون، ببساطة، صندوقًا ورقيًا محاطًا بمنظومة رقمية تجعل ما يحدث داخله أكثر قابلية للتحقق، من دون أن تكشف ما اختاره الفرد.
وفي نهاية المطاف، ليست قيمة الانتخابات في أن تكون حديثة من حيث أدواتها، وإنما في أن تكون قابلة للثقة من حيث نتائجها. ومن هنا ربما يبدأ السؤال الحقيقي للانتخابات المغربية المقبلة:
هل نحتاج إلى تغيير الصندوق، أم إلى بناء منظومة تجعل المواطن أكثر ثقة فيما يحدث بعد أن يضع ورقته داخله؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى