الحنبلي عزيز -تنوير
بحسب رسالة متداولة منسوبة إلى منتدى الأخلاقيات والقيم، لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من أصالتها حتى الآن…» وموجهة إلى رئيسة الحكومة نقاشاً يتجاوز في جوهره بعض تفاصيل البروتوكول أو أشكال التحية، ليطرح سؤالاً أوسع حول العلاقة بين التقاليد والحداثة والحرية الفردية في الفضاء السياسي المغربي.
الرسالة تنتقد، وفق مضمونها، ظهور رئيسة الحكومة وهي تتبادل التحية بالقبل مع بعض المسؤولين الحزبيين، كما تعترض على ظهورها خلال استقبال رسمي دون غطاء للرأس، وتقارن ذلك بظهورها مغطاة الرأس أثناء زيارة ضريح محمد الخامس. وتربط الرسالة بين هذه التصرفات وبين ما تسميه “الخصوصية المغربية الإسلامية” وضرورة احترام “الأعراف والتقاليد”.
غير أن هذا الطرح يثير بدوره عدة أسئلة. فالمغرب، وفق دستوره، دولة إسلامية، وفي الوقت نفسه دولة تقوم على الحقوق والحريات والمساواة والتعددية. ويؤكد تصدير دستور 2011 أن المملكة اختارت بناء دولة ديمقراطية حديثة، تقوم على المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة والحرية والكرامة والمساواة، كما ينص الفصل الثالث على أن الإسلام دين الدولة.
ومن هنا، فإن الاختلاف لا يتعلق بوجود هوية دينية وثقافية للمغرب، وهي حقيقة دستورية، وإنما بكيفية تفسير هذه الهوية وتحويلها إلى قواعد للسلوك الشخصي للمسؤولين، وخاصة للنساء.
فالرسالة تنتقل من مناقشة السلوك الرسمي إلى مساحة أكثر شخصية عندما تستند إلى كون رئيسة الحكومة “امرأة متزوجة وأماً”. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل ينبغي تقييم أداء رئيسة الحكومة وفق مسؤولياتها الدستورية والسياسية، أم وفق تصورات اجتماعية مرتبطة بوضعها العائلي وبكيفية لباسها أو تحيتها للآخرين؟
من منظور الحداثة السياسية، المسؤول العمومي ـ رجلاً كان أو امرأة ـ يُحاسب أساساً على قراراته، ونزاهته، واحترامه للقانون، وأدائه في تدبير الشأن العام. أما تحويل نوع اللباس أو غطاء الرأس أو أشكال التحية الاجتماعية إلى معيار للحكم على أهلية امرأة في موقع سياسي رفيع، فقد يفتح الباب أمام تطبيق معايير مختلفة على النساء والرجال.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن للمجتمع المغربي تقاليد ورموزاً دينية وثقافية راسخة. والدستور نفسه لا يقدم الهوية المغربية باعتبارها أحادية، بل يصفها بأنها هوية موحدة ومتعددة الروافد، تجمع المكونات العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، إضافة إلى روافد إفريقية وأندلسية وعبرية ومتوسطية.
وهذا بالضبط ما يجعل العلاقة بين التقليد والحداثة أكثر تعقيداً من اختزالها في غطاء الرأس أو طريقة التحية. فالحداثة في السياق المغربي لا تعني بالضرورة القطيعة مع التقاليد، كما أن احترام التقاليد لا يعني فرض قراءة اجتماعية واحدة على جميع المواطنين أو المسؤولين.
بل إن الخطاب الرسمي المغربي نفسه قدم في مناسبات سابقة الإسلام والحداثة بوصفهما عنصرين يمكن أن يتكاملا، وربط الهوية الوطنية كذلك بقيم الانفتاح والتسامح والتعايش.
وبذلك، فإن النقاش الذي فتحته الرسالة يمكن أن يكون مفيداً إذا انتقل من مراقبة السلوك الشخصي للنساء إلى سؤال أعمق: كيف يحافظ المغرب على خصوصيته الثقافية والدينية، وفي الوقت نفسه يحمي الحريات الفردية والمساواة التي ينص عليها دستوره؟
فالخصوصية الثقافية لا تفقد قيمتها حين تتطور أشكال التعبير الاجتماعي، والحداثة بدورها لا تفرض التخلي عن التراث. وربما يكمن التحدي الحقيقي في بناء توازن يسمح باستمرار التقاليد باعتبارها اختياراً مجتمعياً وثقافياً، لا باعتبارها أداة للحكم على الأشخاص، خصوصاً النساء، على أساس مظهرهم أو حياتهم الخاصة.