اخرى

حين يكون ثمن الخطأ من أعمارنا

في المدرسة، نصحح أخطاءنا بالقلم، وفي الحياة، قد نصححها بسنوات من الندم.

بقلم :هشام فرجي

في المدرسة، نتعلم أن الخطأ جزء من طريق المعرفة. نختار جوابًا فنخطئ، فنمحو الإجابة ونكتب غيرها. نجيب عن سؤال بصورة غير صحيحة، فينبهنا الأستاذ إلى الصواب، فنراجع ونصحح ونتعلم. هناك، نملك فرصة المحاولة من جديد، ويظل الخطأ، في أغلب الأحيان، مجرد نقطة في مسار التعلم. أما في الحياة، فالأمر مختلف تمامًا. ففي الحياة اليومية، قد يكون الخطأ اختيار شخص، أو منح الثقة لمن لا يستحقها، أو اتخاذ موقف متسرع، أو التمسك بقرار لم نمنح أنفسنا الوقت الكافي للتفكير في عواقبه. وقد نكتشف بعد فوات الأوان أن اختيارًا واحدا كان كافيا ليغير مسار حياتنا، وأن موقفا اتخذناه في لحظة انفعال قد يترك أثرا يمتد سنوات.

وفي المدرسة، قد يكلفنا الخطأ نقطة من رصيدنا الدراسي، أما في الحياة، فقد يكلفنا راحة بالنا، واستقرارنا، وعلاقاتنا، وأحيانا سنوات من أعمارنا. ولعل أكثر الأخطاء إيلاما تلك التي نرتكبها بحسن نية؛ حين نثق لأننا أوفياء، ونعطي لأننا كرماء، ونتنازل لأننا نحب بصدق، ونصبر لأننا نأمل أن تتغير الأمور. ثم نكتشف، بعد استنزاف طويل، أن نبل نوايانا وحده لم يكن كافيًا لحمايتنا من عواقب الاختيار الخاطئ.

فليس كل من نمنحه مكانة في حياتنا جديرا بها، وليس كل موقف ندافع عنه يستحق أن نخسر أنفسنا من أجله، وليس كل طريق نبدأه يقودنا إلى الوجهة التي تمنيناها. ومع ذلك، فإن الحياة لا تمنحنا دائما المعطيات الكافية والوقت المناسب لاتخاذ القرار المثالي. فنحن نختار بما نعرفه في اللحظة التي نختار فيها، ثم تكشف لنا الأيام ما كان خافيا عنا… ولهذا، فإن الحكمة ليست في ادعاء القدرة على تجنب الأخطاء جميعها، وإنما في التريث قبل القرارات المصيرية، والتفكير في العواقب، والتمييز بين العاطفة التي تدفعنا إلى الاختيار والبصيرة التي تساعدنا على الاختيار السليم.

والأهم من ذلك كله أن نتعلم الانسحاب حين يصبح الاستمرار استنزافا لطاقاتنا وإرهاقا لأرواحنا، وأن نراجع مواقفنا حين تظهر لنا حقائق جديدة، وأن نمتلك الشجاعة للاعتراف بأننا أخطأنا، مهما كان الثمن الذي دفعناه. فبعض الأخطاء يمكن إصلاحها بالاعتذار، وبعضها بالتراجع، وبعضها يحتاج إلى وقت طويل حتى تلتئم آثاره. وهناك أخطاء لا نستطيع تغيير ما حدث بسببها، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نواصل بها حياتنا بعدها.
وإن أقسى ما في الخطأ ليس دائمًا ما نخسره بسببه، وإنما السنوات التي نقضيها في محاولة استعادة ما كان يمكن أن نحافظ عليه بحسن الاختيار. لذلك، قبل أن تختار شخصا تمنحه ثقتك، أو موقفا تربط به كرامتك، أو قرارا قد يغير مستقبلك، امنح نفسك لحظة للتفكير. اسأل نفسك: هل أرى الحقيقة كما هي، أم كما أتمنى أن تكون؟ وهل أختار لأنني مقتنع، أم لأنني خائف من التراجع؟ وهل يستحق هذا الاختيار ما قد أدفعه من أجله؟

تذكر دائما أن الفرص قد تتكرر، وأن بعض العلاقات يمكن إصلاحها، وأن الإنسان قادر على النهوض بعد عثراته. لكن العمر يمضي في كل الأحوال، والوقت الذي ننفقه في الاختيارات الخاطئة جزء من حياتنا لن نسترده. إذ في المدرسة، نتعلم من الخطأ لنحسن الإجابة، أما في الحياة، فنتعلم أحيانا بعد أن ندفع ثمنها غاليا. فالخطأ في ورقة الامتحان قد ينقص نقطة، أما الخطأ في اختيار طريق الحياة، فقد يكلفنا سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى