اقتصاد

نبيلة منيب تهاجم مشروع مالية 2027 وتحذر من تعميق الفوارق الاجتماعية وتطالب بإصلاح سياسي واقتصادي شامل

زعيمة اليسار تنتقد اختيارات الحكومة وتدعو إلى حماية القدرة الشرائية وإنقاذ المدرسة العمومية وتعزيز السيادة الوطنية ومحاربة الفساد والريع

  الحنبلي عزيز-تنوير – متابعة

وجهت النائبة البرلمانية نبيلة منيب، باسم المجموعة النيابية لتحالف اليسار، انتقادات حادة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبرة أنه يعكس استمرار الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية السابقة، ولا يقدم أجوبة كافية عن التحديات البنيوية التي يواجهها المغرب، وفي مقدمتها تدهور القدرة الشرائية، وتفاقم البطالة، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضعف الخدمات العمومية.

وأكدت منيب، خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، أن الظرفية الوطنية والدولية تفرض تجاوز التدبير التقني للميزانية نحو بلورة رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة، قادرة على إحداث تحول حقيقي في النموذج التنموي وتعزيز استقلال القرار الوطني.

مشروع مالية يفتقد إلى القطائع المطلوبة

واعتبرت منيب أن مشروع قانون المالية الجديد لا ينطلق من تقييم عميق للسياسات العمومية السابقة، ولا يقدم تصوراً متكاملاً لمعالجة الاختلالات التي راكمتها الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الماضية.

وتساءلت عن مدى قدرة المشروع على استعادة ثقة المواطنين، خاصة الشباب، في ظل استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية وتنامي المطالب المرتبطة بالكرامة والعدالة الاجتماعية وجودة الخدمات الأساسية.

وشددت على أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن فصله عن الإصلاح السياسي والدستوري، داعية إلى تعزيز استقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد والريع والاحتكار وتنازع المصالح، وترسيخ مؤسسات ديمقراطية قادرة على ممارسة أدوارها الرقابية والتشريعية.

كما دعت إلى استكمال مسار العدالة الانتقالية وتفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، والإفراج عن معتقلي الحركات الاحتجاجية ومعتقلي الرأي والصحافيين والمدونين، معتبرة أن بناء جبهة داخلية قوية يقتضي احترام الحقوق والحريات وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

القدرة الشرائية.. انتقادات للإجراءات الحكومية ومطالب بالزيادة في الأجور

وفي محور القدرة الشرائية، تساءلت منيب عن الأثر الفعلي للإجراءات الضريبية والاجتماعية المعلنة، ومدى قدرتها على تعويض الخسائر التي تكبدتها الأسر المغربية نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل الحقيقي.

وتوقفت عند التدابير الواردة في عرض مشروع الميزانية، ومن بينها الإعفاءات الضريبية المرتقبة على الأجور التي تقل عن عشرة آلاف درهم شهرياً، وتخصيص 44.2 مليار درهم للحماية الاجتماعية، والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات من 1700 إلى 3000 درهم لفائدة نحو 500 ألف متقاعد، وفق الأرقام التي أوردتها في مداخلتها.

ورغم أهمية هذه التدابير المعلنة، اعتبرت المتحدثة أنها تبقى غير كافية لمواجهة الغلاء، متسائلة عن استفادة أصحاب الأجور الضعيفة المعفيين أصلاً من الضريبة على الدخل.

ودعت إلى اعتماد زيادات حقيقية في الأجور، وتسقيف أسعار المواد الأساسية والطاقة، وإقرار إصلاح ضريبي عادل يقوم على فرض الضرائب على الثروات الكبرى والأرباح الاستثنائية، وتخفيف الأعباء الجبائية غير المباشرة عن الأسر محدودة الدخل.

كما طالبت بمحاربة التهرب والغش الضريبيين، وإلغاء الإعفاءات غير المبررة، وضمان معاشات كريمة ودعم منصف للأرامل والأشخاص في وضعية إعاقة والفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة.

وأكدت أن الهدف من السياسات الاجتماعية يجب أن يكون إخراج المواطنين من دائرة الفقر، وليس الاكتفاء بتدبير الهشاشة واستمرارها.

أزمة الشباب والبطالة تستدعي حلولاً هيكلية

وفي تناولها لمحور الشباب، انتقدت منيب محدودية البرامج الحكومية قياساً بحجم التحديات المرتبطة بالتشغيل والتكوين والإدماج الاقتصادي.

وأشارت إلى أن الحكومة أعلنت برنامجاً وطنياً للشباب للفترة الممتدة بين 2027 و2031، مع تخصيص ستة مليارات درهم للتكوين سنة 2027، بهدف تكوين 100 ألف شاب سنوياً ومواكبة 12 ألف مقاولة.

غير أنها اعتبرت أن هذه الأهداف لا تستجيب بالشكل الكافي لحجم الأزمة، مستحضرة أرقاماً تتحدث عن ثلاثة ملايين شاب خارج منظومات التعليم والتكوين والشغل، وارتفاع البطالة في صفوف الشباب وحملة الشهادات، إلى جانب استمرار الهدر المدرسي.

وشددت على ضرورة الربط بين التكوين والتشغيل الفعلي، معتبرة أن إعداد الشباب مهنياً لن يحقق النتائج المرجوة في غياب نسيج اقتصادي قادر على توفير فرص عمل مستقرة ومنتجة.

كما دعت إلى مراجعة السياسات التعليمية، وإنقاذ المدرسة العمومية، وإدماج مربيات ومربي التعليم الأولي، وإلغاء شرط السن المحدد في ثلاثين سنة لاجتياز مباريات التوظيف، مع تعزيز التكوين المستمر وتحسين أوضاع نساء ورجال التعليم.

وفي السياق ذاته، طالبت بدعم استقلال الجامعة المغربية، وضمان مجانية التعليم، وإلغاء رسوم التسجيل في الماستر والدكتوراه بالنسبة للموظفين، والرفع من تمويل البحث العلمي إلى ما بين 1.5 و2 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

العدالة المجالية.. مساءلة توزيع 25 مليار درهم

وفي محور التنمية المجالية، تساءلت النائبة البرلمانية عن المعايير التي ستعتمدها الحكومة لتوزيع الاعتمادات المالية المخصصة للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والتي تبلغ 25 مليار درهم، وفق المعطيات التي استعرضتها.

كما توقفت عند تحويل نحو 12 مليار درهم إلى الجهات، وبرنامج تأهيل 24 مركزاً قروياً صاعداً، محذرة من احتمال تشتت هذه الموارد في مشاريع متفرقة لا تعالج الأسباب البنيوية للتهميش.

ودعت إلى إعطاء الأولوية للمناطق القروية والجبلية وضواحي المدن التي تعاني خصاصاً كبيراً في الخدمات الأساسية، مع اعتماد مؤشرات سنوية دقيقة لتقييم أثر الاستثمارات العمومية على الفقر والبطالة والولوج إلى الماء والتعليم والصحة والنقل والسكن.

وانتقدت ما اعتبرته تناقضاً بين الحديث عن تعزيز الجهوية المتقدمة وإسناد تدبير البرامج الترابية إلى وزارة الداخلية، مؤكدة ضرورة احترام مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية والجهات، وربطه بالشفافية والمحاسبة.

كما أثارت قضايا السكن اللائق وحماية التراث المعماري والأحياء التاريخية، محذرة من عمليات الهدم والتهجير وتفويت العقارات والمواقع الاستراتيجية دون ضمان حماية الحقوق والمصلحة العامة.

السيادة الطاقية والغذائية والرقمية في قلب النقاش

وفي ما يتعلق بالسيادة الاستراتيجية، دعت منيب إلى إعادة النظر في السياسات المرتبطة بالطاقة والماء والغذاء والدواء والتحول الرقمي، معتبرة أن حماية القرار الوطني تقتضي تقوية قدرات الإنتاج المحلي وتقليص التبعية للخارج.

وتساءلت عن مستقبل تكرير النفط بالمغرب وإمكانية إعادة تشغيل مصفاة «لاسامير»، معتبرة أن توفير الطاقة بأسعار مناسبة يشكل أحد الشروط الأساسية لتحقيق نهضة صناعية وطنية.

كما طالبت بدعم الفلاحين والكسابة الصغار، وحماية الموارد المائية، وتشجيع البحث العلمي في مجالات تحلية المياه وإعادة تدويرها وتقنيات الاقتصاد في الاستهلاك.

وفي المجال الصحي، دعت إلى تخفيض أسعار الأدوية وتعزيز إنتاج الأدوية الجنيسة والوقاية، بينما شددت في المجال الرقمي على أهمية إعداد الكفاءات الوطنية وحماية المعطيات وتعزيز الأمن السيبراني وتشجيع عودة الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج.

وحذرت من تداعيات استمرار خوصصة المؤسسات العمومية وبيع الأصول الاستراتيجية للدولة، داعية إلى المحافظة على دور القطاع العام في حماية الثروات الوطنية وضمان الأمن الاقتصادي والاجتماعي.

400 مليار درهم للاستثمار العمومي.. أين الأثر على التشغيل والتنمية؟

وفي مناقشتها للمؤشرات المالية الكبرى، توقفت منيب عند حجم الاستثمار العمومي المعلن، والذي يصل إلى 400 مليار درهم، إلى جانب الاعتمادات المخصصة لقطاعي الصحة والتعليم، التي أوردت أنها تبلغ على التوالي 45.4 مليار درهم و121.3 مليار درهم.

واعتبرت أن ارتفاع الاعتمادات المالية لا يشكل في حد ذاته مؤشراً كافياً على نجاح السياسات العمومية، ما لم ينعكس بصورة ملموسة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى خلق فرص الشغل وتقليص الفوارق.

كما أثارت تساؤلات بشأن تمويل حاجيات الميزانية واللجوء إلى الاقتراض، محذرة من تحميل الأجراء والطبقة المتوسطة والأجيال المقبلة أعباء مالية إضافية.

وأكدت أن بناء اقتصاد قوي يستوجب تطوير الصناعة الوطنية، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وإعادة النظر في بعض اتفاقيات التبادل الحر، وتشجيع الاستثمار المنتج ذي القيمة المضافة، مع حماية الموارد الطبيعية والبيئة.

وشددت على ضرورة أن تظل المؤسسات العمومية والخدمات الأساسية، خصوصاً الصحة والتعليم، في خدمة المواطنين، محذرة مما وصفته بتنامي توجهات تسليع الخدمات الاجتماعية وتوسيع حضور القطاع الخاص على حساب المرفق العمومي.

إصلاح سياسي ودستوري لمحاربة الفساد وتعزيز الديمقراطية

ولم تقتصر مداخلة منيب على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل امتدت إلى المطالبة بإصلاحات سياسية ودستورية عميقة، معتبرة أن تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية يتطلب مؤسسات قوية ومستقلة وخاضعة للمساءلة.

ودعت إلى ترسيخ أسس الملكية البرلمانية، والفصل الفعلي بين السلط، وضمان استقلال القضاء ونزاهته، واحترام استقلال الهيئات المهنية وحقها في انتخاب ممثليها.

كما أكدت أهمية حماية حرية التعبير والتظاهر السلمي، وإشراك الأحزاب والنقابات والجمعيات المستقلة والمجتمع المدني في صياغة السياسات العمومية وتتبع تنفيذها.

وعلى الصعيد الخارجي، ربطت منيب تعزيز السيادة الوطنية باستكمال الوحدة الترابية، واستثمار التحولات الدولية لبناء علاقات متوازنة، مؤكدة دعمها لتسوية قضية الصحراء في إطار السيادة المغربية، ومجددة موقفها الداعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ورفض التطبيع مع إسرائيل.

دعوة إلى ميزانية تحقق النتائج بدل الاكتفاء بالأرقام

واختتمت نبيلة منيب مداخلتها بالتأكيد على أن المغرب يحتاج إلى مراجعة عميقة لأولوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما يضمن تحقيق تنمية مستدامة وتوزيعاً أكثر عدلاً للثروة.

ودعت إلى الانتقال من الإعلان عن الاعتمادات والبرامج إلى تحقيق نتائج قابلة للقياس، من خلال وضع أهداف واضحة وآليات للتتبع والتقييم ونشر المعطيات، وإشراك المؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني في مراقبة السياسات العمومية.

وأكدت أن رؤية تحالف اليسار تقوم على حماية القدرة الشرائية، وفتح آفاق حقيقية أمام الشباب، وإنصاف المناطق المهمشة، وصون السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد منتج يوزع ثمار النمو بصورة عادلة.

وخلصت إلى أن الرهان الأساسي لا يتعلق فقط بتحقيق التوازنات المالية ومؤشرات النمو، بل ببناء دولة ديمقراطية واجتماعية تضمن الكرامة والمساواة والمواطنة الكاملة، وتضع الإنسان والعدالة الاجتماعية والمجالية في صلب الاختيارات العمومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى