الاعتراف كجسر بين الذات والمجتمع وكتمثل للإنصاف

بقلم: الأستاذ مصطفى المنوزي
1. سوسيولوجيا الاعتراف
الاعتراف هنا ليس فقط علاقة بين فردين، بل آلية اجتماعية تؤطر مكانة الأفراد والجماعات داخل المجتمع.
هابرماس وشارل تايلور وخصوصًا أكسل هونيث تناولوا الاعتراف بوصفه شرطًا للتواصل العادل والاندماج الاجتماعي. فغياب الاعتراف يؤدي إلى التهميش والإقصاء، بينما حضوره يفتح إمكانات المواطنة الفاعلة والمشاركة الرمزية.
في السياق المغربي أو العربي يمكن النظر إلى الاعتراف كأداة لمعالجة الهشاشة الاجتماعية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع أو بين المكونات الثقافية والهوياتية.
2. سيكولوجيا تثمين الاعتراف
الاعتراف يُترجم نفسيًا إلى شعور بالتقدير والجدارة والكرامة.
الأفراد بحاجة إلى هذا التثمين لكي يحافظوا على توازنهم النفسي ويبنوا هويتهم الذاتية.
غياب الاعتراف يولّد الإحباط، القلق، وحتى العدوانية، بينما حضوره يحرّك الطاقة الإبداعية والدافعية الإيجابية.
هنا نجد صلة وثيقة مع “أخلاق العناية” (Ethics of care) التي تعتبر الاعتراف والاهتمام بالآخر عنصرًا أساسيًا في الصحة النفسية والاجتماعية.
3. سميولوجيا اعتبار الاعتراف مجتمعيا تمثلا للإنصاف
الاعتراف لا يتم فقط عبر الفعل المباشر أو القرار المؤسساتي، بل أيضًا عبر الرموز والإشارات: كلمات، طقوس، صور، تمثيلات إعلامية، نصوص قانونية، أو حتى ممارسات يومية.
العلامات التي تمنح الشرعية (مثل أوسمة، شهادات، تكريمات، حضور إعلامي) تؤسس لثقافة الاعتراف.
وبالمقابل، العلامات التي تُقصي أو تُهين (الخطاب التحقيري، النكات العنصرية، الإقصاء الرمزي) تترجم إلى “سيميولوجيا الحرمان من الاعتراف”.
بالتالي يصبح الاعتراف ممارسة ثقافية جماعية تتجسد في اللغة والسرديات والطقوس أكثر مما هي مجرد إجراء إداري.
إذن، يمكن تلخيص العلاقة كالتالي:
السوسيولوجيا تكشف البنية والعلاقات التي تجعل الاعتراف ممكنًا أو معطَّلًا.
السيكولوجيا تترجم أثر الاعتراف (أو غيابه) على الفرد من حيث الثقة والهوية.
السيميولوجيا تفكّك الرموز والخطابات التي تحمل معاني الاعتراف أو نقيضه في المجال العمومي.
هل ترغب أن أُطوّر هذا التصور في صيغة مذكرة تأطيرية قصيرة تصلح كورقة نقاش داخل ورشة فكرية، أم تفضل أن أعمقه إلى مقال تحليلي بمراجع وأمثلة من التجربة المغربية؟
لم يكن الاعتراف بالنسبة إليّ مجرد كلمة تُقال في لحظة عابرة، بل كان تجربة متراكمة عشتها بين الأسرة، الأصدقاء، والزملاء في الحقل العمومي. أحيانًا كنت أشعر أني حاضر بقوة في التفاصيل الصغيرة للآخرين، وأحيانًا أخرى كنت أحس أنني غائب حتى وأنا جالس بينهم. وهنا اكتشفت أن الاعتراف ليس شيئًا يُمنح تلقائيًا، بل هو علاقة متبادلة، تحكمها بنية المجتمع ورموزه، كما تحددها أيضًا هشاشة النفس وتطلعاتها.
في محيطي المباشر، الاعتراف كان يعني أن تُسمع كلمتي، أن يُقدّر جهدي، أن تُقرأ نصوصي بجدية، أو أن يُعامل موقفي باحترام حتى حين لا يلقى القبول. وحين يغيب هذا الاعتراف، يتحول الصمت إلى ثقل، ويتسرب شعور بعدم الجدوى، وكأنك كائن شفاف يمر بين الناس بلا أثر. هذا البعد النفسي – سيكولوجيا الاعتراف – يعلّمنا أن الكرامة لا تُختزل في الحقوق وحدها، بل في الإحساس بأن وجودك نفسه يستحق الاهتمام.
لكن ما أدهشني أن الاعتراف ليس شأنًا فرديًا فقط، بل له لغة ورموز وأشكال تُنتجها الثقافة. في تكريم بسيط أو كلمة صادقة أو حتى صورة تُتداول في الإعلام، قد يترسخ معنى الاعتراف. وفي المقابل، قد يحمل خطاب ساخر أو إقصائي أو نظرة ازدراء رسائل رمزية عن “نزع الاعتراف”. إنها سيميولوجيا دقيقة، تبني جسورًا أو تفتح جروحًا.
ومن خلال تجربتي، لاحظت أن المجتمعات التي تُهمل الاعتراف، سواء عبر مؤسساتها أو فضاءاتها الثقافية، تُعيد إنتاج هشاشة عميقة: شباب يائس، نساء مهمشات، أقليات ثقافية أو لغوية بلا صدى. في حين أن المجتمعات التي تُثمن الاعتراف تُبدع في تحويل الاختلاف إلى طاقة، والنقد إلى قيمة، والتعدد إلى ثروة.
لقد صار الاعتراف، في أفقه الإنساني العام، أكثر من مجرد مسألة شخصية: إنه شرط لبناء الثقة، لتقوية الروابط، ولإعادة تعريف الحرية والعدالة. نحن لا نحتاج فقط إلى قوانين منصفة، بل إلى ثقافة اعتراف تجعل كل فرد يرى في المرآة المجتمعية صورةً كاملة له، لا نصفها فقط.
مصطفى المنوزي