مقدمة
هناك من يعتبر المعاملة باللطف والحنية والأخلاق الرفيعة سلوكا اجتماعيا عابرا أو انعكاسًا ظرفيًا لمزاج الإنسان أو تربيته الآنية، لكن هي في جوهرها بنية وجودية عميقة، تتجذر في الوعي بالقيمة والمعنى، وتعبّر عن مستوى نضج الذات في فهمها للعالم والآخرين. فالعطاء يتعدى كونه فعلًا خارجياً يُقاس بما يُقدَّم، إلى موقف أخلاقي شامل، يحدد موقع الإنسان من نفسه ومن غيره، ويكشف عن طبيعة علاقته بالكرامة والإنسانية والحدود.
غير أن التجربة الإنسانية، بما تحمله من تعقيد وتشابك في العلاقات، تضع هذا العطاء في امتحان دائم: امتحان التقدير والجحود، الفهم وسوء الفهم، الاعتراف والتنكر. وهنا تتولّد الإشكالية المركزية لهذا المقال: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على نقاء قيمه وأصالة عطائه، دون أن يسمح بتحويل هذا العطاء إلى أداة استنزاف نفسي واجتماعي تُطفئ فيه أجمل ما فيه؟
أولًا: العطاء بوصفه بنية داخلية
لا يُختزل العطاء في صورته العميقة في فعل يُؤدّى أو خدمة تُقدَّم، إنه تعبير عن نظام قيمي مستقر في داخل الإنسان، تشكّل عبر مسار طويل من التربية والتجربة والوعي بالذات وبالآخر. فالإنسان لا يعطي لأنه مطالب بالعطاء، وإنما يعطي لأنه على صورة ما يؤمن به من قيم؛ يعطي لأن العطاء جزء من تعريفه لنفسه، ومن تصوره لمعنى الوجود المشترك.
ومن هنا فإن اللطف والحنية والأخلاق الرفيقة لا تصدر عن تصنّع اجتماعي أو تهذيب سطحي، بل تصدر عن انسجام داخلي بين الفكر والسلوك، بين ما يعتقده الإنسان وما يمارسه فعليًا في علاقاته. وإننا حين نعامل الناس برفق، إنما نكشف عن مستوى رقيّنا في فهم الإنسان للإنسان، وعن مقدار اتساع وعينا بالمسؤولية الأخلاقية التي تفرضها علينا الروابط الإنسانية، مهما اختلفت صورها ومستوياتها.
غير أن خطورة هذا النوع من العطاء تكمن في كونه غير مرئيّ القيمة عند كثيرين؛ فهو لا يُطلب صراحة، ولا يُقاس بمكسب مباشر، ولذلك يسهل استهلاكه دون انتباه، وإهماله دون شعور بالذنب. وهنا يبدأ التوتر الخفي بين نقاء العطاء وواقع التلقي، بين صفاء النية وحدود الاحتمال النفسي للإنسان.
ثانيًا: عدم التقدير كاختبار أخلاقي للنفس
حين يُقابل العطاء الصادق بعدم التقدير، لا يكون الأمر مجرّد خيبة سلوكية عابرة، لأنه يتحوّل إلى امتحان داخلي للضمير والاتزان النفسي. فعدم التقدير يلامس المعنى الكامن خلفه لا الفعل وحده: معنى أن تُبذل النفس، وأن يُقدَّم الجزء الأصدق من الإنسان، ثم يُستقبل بالصمت أو الجحود أو الاستهانة.
ففي هذه اللحظة يتعرّض الإنسان لسؤال أخلاقي دقيق:
هل يستمر في العطاء حفاظًا على صورته القيمية، أم يتوقّف حمايةً لكرامته النفسية؟
وهنا يصبح القرار وجوديًا وليس سلوكيًا، إذ يتعلّق بتوازن الإنسان بين الوفاء لقيمه والوفاء لذاته.
إن الاستمرار في العطاء رغم الجحود المتكرر ليس دائمًا علامة نبل، لأنه قد يتحوّل إلى صورة من صور إنكار الذات، حيث يضحّي الإنسان بتوازنه الداخلي في سبيل وهم أخلاقي زائف. فالأخلاق تُقاس بحكمة ما نمنحه، ولمَن، وكيف، وإلى أي حد، لا بكمية ما نعطيه.
ومن ثمّ، يصبح عدم التقدير لحظة كاشفة لحدود النفس وليس فقط لقصور الآخر. فهو يدفع الإنسان إلى إعادة النظر في علاقته بالعطاء، وفي الطريقة التي يوزّع بها طاقته النفسية والوجدانية، وفي قدرته على حماية نقاء روحه من الاستنزاف الصامت.
ثالثًا: التوقف عن العطاء ليس انسحابًا من القيم
حين يقرّر الإنسان التوقّف عن العطاء لمن لم يعرف قدره، فإن هذا القرار يصدر عن وعي أخلاقي ناضج بحقيقة الذات وحدودها. فالقيم ليست طاقة غير متناهية لا تنضب، ولا واجبًا يُؤدّى على حساب سلامة النفس، وإنما هي أمانة داخلية ينبغي صونها من الابتذال والاستنزاف.
وإن التوقّف هنا لا يعني الانسحاب من ميدان الخير، إذ هو توقف لإعادة توجيه العطاء، من علاقة استهلاكية إلى علاقة متوازنة، ومن اندفاع عاطفي إلى حكمة علائقية. فالإنسان حين يكتشف أن عطاءه يُقابل بالجحود أو اللامبالاة أو الاستغلال، يصبح مطالبًا أخلاقيًا — لا نفسيًا فقط — بأن يحمي نسخته الصافية من ذاته.
ولهذا يحدث التحوّل العميق في مسار العلاقة: فالآخر لن يرى منا تلك النسخة السابقة الجميلة مرة أخرى لأن تلك النسخة كانت هدية، والهدية لا تُمنح لمن لا يصونها. حيث إن التوقّف عن العطاء في هذه الحالة هو اكتمال وعي و ليس انكسارًا؛ هو إعادة اصطفاف داخلي بين الكرامة والقيمة، بين ما نؤمن به وما نستحق أن نمنحه من ذواتنا.
رابعًا: البعد النفسي–الاجتماعي للتحوّل
حين يتكرّر غياب التقدير في العلاقة يبدأ في تشكيل تحوّل داخلي عميق في بنية النفس ، فلا يبقى الأثر محصورًا في الشعور بالخذلان أو الانزعاج العابر. فالعقل الوجداني للإنسان يمتلك آليات دقيقة للحماية الذاتية، تُفَعَّل تلقائيًا كلما استُنزفت طاقته العاطفية دون مقابل معنوي أو اعتراف إنساني.
فمن منظور علم النفس الاجتماعي، يظهر هذا التحوّل في صور متعددة: تقليص الانخراط الوجداني، وإعادة رسم الحدود العلائقية، وخفض سقف التوقّعات، ثم إعادة تعريف العلاقة ذاتها.
وهذا التحوّل هو نضج علائقي يعكس تطور وعي الإنسان بذاته وبحقوقه النفسية، إذ لا يمكن أن نعتبره تبلّدًا عاطفيًا كما قد يُساء فهمه. فالاستمرار في العطاء بلا تقدير يرهق الجهاز النفسي ويخلخل الإحساس بالعدالة العاطفية، في حين أن إعادة تنظيم العلاقة تمنح النفس فرصة استعادة توازنها وكرامتها الداخلية.
أما اجتماعيًا، فيُعيد هذا التحوّل توزيع الأدوار داخل العلاقة؛ فالعلاقة التي كانت قائمة على اندفاع طرف وصمت الآخر، أو عطاء طرف واستقبال فاتر من الطرف المقابل، تتحوّل إلى علاقة أكثر واقعية، أقل وهماً، وأكثر اتساقًا مع مبدأ التوازن الإنساني الضروري لاستمرار أي رابط صحي.
خامسًا: نحو ممارسة علائقية واعية
بعد هذا المسار التأملي في طبيعة العطاء وحدوده وتحولاته النفسية والاجتماعية، تتبلور الحاجة إلى ممارسة علائقية أكثر وعيًا واتزانًا، تحفظ للإنسان صفاء قيمه دون أن تفرّط في سلامته النفسية أو كرامته الوجودية. فالحكمة في العلاقات تقوم على جودة العطاء وحُسن توجيهه، لا على كثرة العطاء،.
ويمكن تلخيص هذه الممارسة الواعية في جملة من المبادئ العملية:
العطاء وعي لا اندفاع
أن نعطي لأننا نختار العطاء، لا لأننا نخشى فقدان الآخر أو نبحث عن الاعتراف بأي ثمن.
لا تُستهلك القيم بلا مقابل أخلاقي
التقدير شرط أساسي لاستمرار أي علاقة صحية وليس ترفًا علائقيًا.
وضع الحدود هو أعلى أشكال النضج العاطفي، لا علامة برود أو جفاء.
الاستمرار في العطاء مع الجحود تدمير للروح
لم تخلق النفس البشرية لتُستنزف، بل لتتوازن وتزدهر.
حماية النسخة الجميلة من الذات مسؤولية شخصية.
فالإنسان هو الحارس الأول لقيمه، ولا يحق لأحد أن يستهلك روحه باسم القرب أو العِشرة أو العاطفة.
وبهذه الممارسة، يتحول العطاء من فعل عاطفي عفوي إلى قرار أخلاقي واعٍ، ومن اندفاع نفسي إلى موقف وجودي متزن، ومن ضعف خفي إلى قوة هادئة تحكم العلاقة دون صدام أو انكسار.
خاتمة
إن أسمى ما في الإنسان هو قدرته على العطاء، وأخطر ما فيه أن يسمح للآخرين بتحويل هذا العطاء إلى عبء على روحه واستنزاف لقيمه. فالعطاء الحقيقي يُقاس بما يبقى فينا بعد العطاء: من سلام داخلي، واتزان نفسي، وكرامة محفوظة. وحين تنطفئ تلك النسخة الجميلة فينا تجاه من لم يقدّرها، فإنها لا تنطفئ ضعفًا ولا هروبًا، إنما احترامًا لذاتها، وصونًا لنقائها، وحفاظًا على معناها. حيث إنها لن تموت، فهي فقط تنسحب بهدوء من موضع لم يعد يليق بها، وتبقى حيّة في دوائر أخرى تستحقها.
وهكذا، يكون التوقّف عن العطاء بداية لفهم أعمق للقيم لا عن نهاية لها؛ ولن يكون التحفّظ انسحابًا من الإنسانية، وإنما ترسيخًا لحدودها الصحية. فالقيم الحقيقية لا تُفرض، ولا تُستجدى، ولا تُستهلك… تُمنح فقط لمن يعرف كيف يصونها.