وجهة نظر
عندما تتكلم الطبيعة بصوت الماء: قراءة في فيضانات القصر الكبير

نعيمة ايت إبراهيم-تطوان
لم تعد فيضانات القصر الكبير مجرد خبر عابر في نشرات الطقس، بل تحولت إلى مرآة تعكس اختلالا أعمق في علاقتنا بالمدينة وبالطبيعة معا. فكلما اشتدت الأمطار، عادت المشاهد نفسها: شوارع غارقة، منازل محاصرة بالماء، وحياة يومية تتوقف عند عتبة الخوف. هنا، لا يعود السؤال: لماذا نزل المطر؟ بل لماذا وجد هذا المطر مدينة غير مستعدة لاحتضانه؟
إن ما تعيشه مدينة القصر الكبير اليوم لا يمكن اختزاله في “سوء حظ مناخي”، لأن الأمطار الغزيرة لم تعد استثناء في زمن التغيرات المناخية. الاستثناء الحقيقي هو استمرار التعامل مع هذه التحولات بعقلية مؤقتة، تكتفي بالحلول الظرفية بعد كل فيضان، دون مساءلة عميقة لسياسات التهيئة والتخطيط. فحين تهمل شبكات تصريف المياه، وتترك القنوات مهترئة أو مسدودة، وحين يتمدد العمران على حساب المساحات الطبيعية، يصبح الفيضان نتيجة متوقعة أكثر منه مفاجأة.
الرأي الذي لا يمكن القفز عليه هو أن جزءا من الأزمة صنع بأيدينا. فالبناء في مجاري المياه، والاستهانة بالتحذيرات البيئية، والتسامح مع مظاهر العشوائية، كلها ممارسات راكمت الخطر بصمت. الطبيعة لا تنتقم، لكنها تستعيد توازنها بطرق قد تكون قاسية حين يكسر هذا التوازن طويلا. وما الماء الذي يغمر الأحياء سوى لغة الأرض حين تهمل.
ولعل ما يعزز هذا الطرح أن فيضانات مشابهة ضربت دولا متقدمة وأخرى نامية على حد سواء. في ألمانيا وإيطاليا، حيث البنية التحتية متطورة، كشفت الفيضانات الأخيرة أن التخطيط حين لا يضع التغير المناخي في صلب حساباته يتحول إلى عبء. وفي بنغلاديش، التي تواجه الفيضانات سنويًا، اختارت الدولة منطق التكيف بدل الإنكار، فاستثمرت في حلول تقلل الخسائر بدل الاكتفاء بتعدادها. أما في العالم العربي، فقد أظهرت تجارب دول عديدة أن التنمية المنفصلة عن الجغرافيا تتحول بسرعة إلى هشاشة.
من هذا المنطلق، فإن فيضانات القصر الكبير ليست قدرًا محتوما، بل فرصة مؤلمة لمراجعة الخيارات. المطلوب اليوم ليس فقط تجفيف الشوارع، بل تجفيف منطق التأجيل، والانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، عبر إعادة النظر في التخطيط الحضري، وتأهيل البنية التحتية، وربط المسؤولية بالمساءلة، وإشراك المواطن في حماية مدينته بوعي وسلوك يومي.
إن الرأي الذي يجب أن يُقال بوضوح هو أن المدينة التي لا تصغي لتحذيرات الطبيعة، ستسمعها يومًا ما بصوت أعلى. والقصر الكبير، وهي تواجه الماء اليوم، لا تحتاج إلى تعاطف عابر بقدر ما تحتاج إلى قرار شجاع يعيد للمدينة حقها في الأمان، وللمطر معناه الأول: نعمة لا محنة.


