احتضنت مدينة طنجة، ضمن فعاليات الدورة العشرين لمهرجان «ثويزا»، لقاءً فكرياً بارزاً مع الفيلسوف الكندي آلان دونو، صاحب كتاب «نظام التفاهة»، خُصص لمناقشة موضوع «الكراهية والحب في العصر الرقمي»، في سياق يتزايد فيه القلق من تأثير المنصات الرقمية في العلاقات الإنسانية وفي تشكيل الرأي العام.
ويعد دونو من أبرز الأصوات النقدية التي اشتغلت على تفكيك آليات الهيمنة داخل المؤسسات الحديثة، وعلى تحليل الطريقة التي تتحول بها الرداءة إلى نظام قائم بذاته. وقد اشتهر عالمياً بكتابه «نظام التفاهة»، الذي تناول فيه كيف تفرض المؤسسات، في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة، نماذج من التفكير والسلوك تقوم على التبسيط والمسايرة وإقصاء النقد.
وخلال محاضرته في طنجة، انتقل دونو من نقد المؤسسات إلى نقد الفضاء الرقمي، مبرزاً أن شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت بيئات تؤثر في طريقة فهم الأفراد لمشاعرهم وفي أسلوب تعبيرهم عنها.
وسلط المتحدث الضوء على الكيفية التي حولت بها المنصات الرقمية الانتباه إلى سلعة، والمشاعر إلى بيانات، والتفاعل الإنساني إلى أرقام قابلة للقياس والاستثمار. فالإعجاب والغضب والخوف والتعاطف لم تعد، في هذا السياق، مجرد استجابات بشرية، بل صارت عناصر تستخدمها الخوارزميات لإطالة مدة بقاء المستخدم وزيادة أرباح الشركات.
وتوقف دونو عند الانتشار الواسع لخطابات الكراهية، موضحاً أن المحتوى العنيف أو الصادم أو المستفز غالباً ما يحظى بانتشار أسرع، لأنه يجذب التفاعل أكثر من الخطاب المتزن. وهكذا، لا تكتفي المنصات بعكس الانقسامات الموجودة في المجتمع، بل قد تساهم في تعميقها ومنحها حضوراً مضاعفاً.
وفي المقابل، طرح الفيلسوف الكندي سؤالاً حول موقع الحب داخل هذا النظام الرقمي، متسائلاً عما إذا كانت المنصات قد حولت حتى العلاقات الحميمية والإنسانية إلى أنماط من الاستهلاك والاستعراض. فالحب، وفق هذا المنظور، قد يفقد عمقه حين يصبح خاضعاً لمنطق الصورة الفورية والتقييم المستمر والحضور الدائم أمام الآخرين.
كما ناقش دونو أثر هذا التحول في الحياة العامة، إذ يؤدي اختزال القضايا المعقدة في شعارات قصيرة ومواقف حادة إلى تراجع التفكير النقدي وصعوبة بناء حوار هادئ. ويصبح الفرد مطالباً باتخاذ موقف سريع، إما بالتأييد أو الرفض، دون مساحة كافية للتردد أو التحليل أو مراجعة الرأي.
ويرى دونو أن خطورة الفضاء الرقمي لا تكمن فقط في انتشار الأخبار الزائفة، بل أيضاً في إضعاف القدرة على التمييز بين المعرفة والرأي، وبين النقاش والحكم، وبين الاختلاف والعداء. وعندما تصبح السرعة معياراً للقيمة، يفقد الفكر العميق قدرته على المنافسة أمام المحتوى المبسط والمثير.
وحمل اللقاء دعوة إلى استعادة مسافة نقدية تجاه التكنولوجيا، لا تقوم على رفضها بالكامل، بل على فهم منطقها وآلياتها. فالمشكلة، بحسب المقاربة التي قدمها دونو، لا ترتبط بالأدوات وحدها، بل بالنموذج الاقتصادي الذي يحكمها، وبالطريقة التي يحول بها الإنسان إلى مستخدم دائم ومصدر مستمر للبيانات.
ويؤكد حضور آلان دونو في مهرجان «ثويزا» المكانة التي راكمتها هذه التظاهرة الثقافية بوصفها فضاءً للنقاش حول قضايا الفكر والمجتمع، وليس فقط مناسبة للاحتفاء بالفنون والتراث.
ومن خلال موضوعه حول الحب والكراهية في العصر الرقمي، أعاد دونو طرح أسئلة أساسية بشأن مستقبل العلاقات الإنسانية، وحدود سلطة الخوارزميات، ودور الفكر النقدي في مقاومة التبسيط والاستقطاب.
وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الأخبار وتتراجع فيه فرص الإنصات والتأمل، بدا اللقاء بمثابة دعوة إلى الدفاع عن المعنى، وإلى بناء علاقة أكثر وعياً بالتكنولوجيا، تحفظ للإنسان قدرته على التفكير والاختلاف والتواصل خارج منطق الغضب والانتشار السريع.