الحنبلي عزيز -تنوير
ليس من السهل اعتبار ظهور الملك فيليبي السادس بالزي العسكري، وسط كبار قادة الجيش الإسباني، مجرد تفصيل بروتوكولي. فحين يُخصَّص اجتماع لوضع سبتة «من وجهة نظر الدفاع»، ثم تُنشر صورة محسوبة بعناية من داخل قصر لا ثارثويلا، فإن الرسالة تصبح سياسية بقدر ما هي عسكرية.
إسبانيا تريد أن تقول إنها حاضرة، وإن سبتة تحت أعين الجيش والدولة والملك. لكن خلف هذا الاستعراض الرمزي يبرز سؤال أكثر إحراجا: لماذا تحتاج مدريد في كل مرة إلى استدعاء لغة القوة والزي العسكري عندما يتعلق الأمر بسبتة؟
المشهد يبدو محاولة لتصدير صورة الحزم في لحظة تواجه فيها الحكومة الإسبانية ضغوطا داخلية وخلافات سياسية حول طريقة تدبير أزمة الهجرة وعلاقتها بالمغرب. وبدل معالجة جذور الأزمة بواقعية دبلوماسية، تبدو مدريد وكأنها تلجأ إلى الرموز العسكرية لتغطية هشاشة خطابها السياسي.
المغرب، وإن لم يُذكر صراحة، حاضر بوضوح في خلفية الصورة. فكل حديث إسباني عن «الدفاع» و«الحدود» في سبتة يتحول تلقائيا إلى رسالة موجهة جنوبا. غير أن مدريد تعرف في الوقت نفسه أنها لا تستطيع إدارة علاقتها بالرباط بمنطق الاستعراض فقط، لأن مصالحها مع المغرب تمتد من الهجرة إلى الأمن ومكافحة الإرهاب والتجارة والطاقة.
وهنا يظهر التناقض الإسباني بوضوح: خطاب صارم أمام الرأي العام، وحاجة مستمرة إلى التنسيق مع المغرب خلف الأبواب المغلقة.
كما أن صورة الملك تثير إشكالا داخليا آخر. ففي نظام دستوري يفترض أن الملك فيه «يسود ولا يحكم»، يصبح إبراز دوره في ملف سيادي حساس محملا بدلالات سياسية يصعب فصلها عن صراعات الحكومة والمعارضة. لذلك فإن الصورة لا تخاطب الرباط فقط، بل تخاطب أيضا الناخب الإسباني وتمنح المؤسسة الملكية موقعا متقدما في لحظة ارتباك سياسي.
المفارقة أن إسبانيا، التي تقدم نفسها باعتبارها دولة أوروبية حديثة، ما تزال تلجأ إلى قاموس عسكري ورمزي شديد الحساسية كلما عادت قضية سبتة إلى الواجهة. وهذا لا يحل المشكلة، بل يكشف عمقها.
فالقوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الجنرالات في صورة رسمية، ولا بالزي العسكري للملك، بل بقدرة الدولة على إدارة الأزمات بعقلانية، واحترام الجغرافيا، وبناء علاقات مستقرة مع جيرانها.
أما تحويل سبتة إلى منصة لاستعراض السيادة، فلن يلغي التعقيدات التاريخية والسياسية المحيطة بها، ولن يعفي مدريد من مواجهة تناقضاتها.