لم تكن الحملة الانتخابية لسنة 2026 مجرد موسم انتخابي عابر، بل كانت امتحانا حقيقيا للأحزاب والمرشحين، ومرآة عكست بوضوح ما الذي يحتل صدارة أجندتهم، وما الذي يرمى إلى آخر الصفوف حين لا يكون له مردود انتخابي مباشر.
وفي هذه الحملة، كان ملف الإعاقة واحدا من أكثر الملفات التي تعرضت للتهميش والتغييب والتجاهل كذلك.
وهنا لا بد من الكلام بلا مساحيق، ولا مجاملة، ولا لغة دبلوماسية تخفف وطأة الحقيقة.
أيها المرشحون، ماذا فعلتم بقضايا الأشخاص في وضعية إعاقة؟ ..
أين كانت الإعاقة من خطبكم الانتخابية؟ ..
أين كانت قضاية الإعاقة في برامجكم؟ ..
أين كانت قضاية الإعاقة في مناظراتكم؟ ..
أين كانت قضاية الأشخاص في وضعية إعاقة ومشاكلهم التي لا تُعد ولا تُحصى في وعودكم؟ ..
وأين كان الشخص الكفيف، والأصم، وذو الإعاقة الحركية، وذو الإعاقة الذهنية، وسائر الأشخاص في وضعية إعاقة، من سوق الوعود الانتخابية الذي فتحتم أبوابه على مصاريعها أمام كل شيء إلا قضيتهم؟
لقد وجدنا في الحملات حديثا عن الطرق والماء والكهرباء والاستثمار والشغل والصحة والتعليم والشباب والمرأة، وهي كلها قضايا مشروعة ولا جدال في أهميتها، لكننا لم نسمع، بالوضوح نفسه، عن قضية تمس شريحة من المواطنين ظل ملفها عالقا في دهاليز السياسات العمومية منذ الإستقلال.
كأن الإعاقة مواطن فائض عن الحاجة الانتخابية!
وهذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل فضيحة سياسية وأخلاقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فالمرشح الذي لا يتذكر الشخص في وضعية إعاقة إلا حين يحتاج إلى صوته، لا يكون قد فهم معنى التمثيل السياسي، وإنما يكون قد فهم فقط حسابات الصندوق.
والذي يستطيع أن يطلب من الشخص المعاق أن يمنحه صوته، ثم لا يكلف نفسه عناء الحديث عن التعليم الدامج، والتشغيل، والولوجيات، والحماية الاجتماعية، والنقل، والسكن، والتكنولوجيا المساعدة، والاستقلالية، والمشاركة السياسية، إنما يضع المواطن أمام معادلة مختلة: خذ صوتي، واترك مشكلتي.
وهذه عقلية انتخابية لا تستحق أن تختبئ وراء الشعارات الرنانة.
لكن، وحتى لا نحمل المسؤولية الكاملة للمرشحين وحدهم، فإن علينا نحن الأشخاص في وضعية إعاقة أن نمتلك من الشجاعة ما يكفي لمحاسبة أنفسنا أيضا.
نعم، علينا أن ننتقد أنفسنا قبل ما ننتقد المسؤولين.
فما الذي فعلناه نحن للدفاع عن قضايانا؟
أين هو التكتل؟
أين هو التنسيق؟
أين هي الجبهة المدنية الواسعة التي تستطيع أن تقول للأحزاب والمرشحين: هذه مطالبنا، وهذه حقوقنا، وهذا موقفنا؟
لماذا نظل مشتتين، متفرقين، متنازعين، يشتغل كل واحد منا في جزيرته الصغيرة، بينما تتحرك الملفات الكبرى بقوة التنظيم، ووحدة الموقف، وصلابة الترافع؟
إننا نريد من الآخرين أن يسمعوا صوتنا، بينما نحن أنفسنا لا نزال عاجزين عن صناعة صوت جماعي قادر على أن يفرض نفسه في الفضاء العام.
وهذه مفارقة موجعة.
فالقضية التي لا يملك أصحابها القدرة على تنظيم صفوفهم، ستظل عرضة لأن يتحدث عنها الآخرون متى شاؤوا، وكيف شاؤوا، وبالقدر الذي يخدم حساباتهم.
ولست أدعو إلى تكتل حزبي أو انتخابي لصالح جهة بعينها، وإنما إلى تكتل حقوقي ومدني حقيقي، يجعل قضية الإعاقة فوق الحسابات الضيقة ..
وفوق الأشخاص ..
وفوق الجمعيات ..
وفوق النزاعات الداخلية.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من منطق: أنا أمثل المكفوفين ..
وأنا أمثل ذوي الإعاقة الحركية ..
وأنا أمثل هذه الجمعية ..
وأنا أمثل تلك الهيئة، إلى منطق أكثر نضجا:
نحن جميعا أصحاب قضية واحدة، وإن اختلفت إعاقاتنا ومطالبنا وتعددت تجاربنا.
فما معنى أن تكون لدينا عشرات الجمعيات والهيئات، ثم تعجز هذه الكيانات مجتمعة عن فرض ملف الإعاقة على أجندة حملة انتخابية؟
ما معنى أن تكون لنا مطالب متراكمة منذ سنوات، ثم يأتي موسم انتخابي كامل ويمر علينا كأننا غير موجودين؟
ما معنى أن يبلغ عددنا ما يبلغ، ثم لا يتحول هذا الثقل الاجتماعي إلى قوة ترافعية حقيقية؟
إن المشكلة ليست دائما في أن الآخرين لا يريدون أن يسمعونا؛ أحيانا المشكلة أننا نتحدث بأصوات كثيرة، فلا يسمعنا أحد.
وهنا يجب أن نقولها بصراحة:
التشتت ليس قدرا.
والخلافات الشخصية ليست قضية وطنية.
والحساسيات بين الجمعيات ليست بديلا عن النضال الحقوقي.
والتنافس على الواجهة لا ينبغي أن يتحول إلى مقبرة للقضية.
فإذا كان السياسيون قد أخطأوا حين غيبوا ملف الإعاقة من حملتهم، فإن الأشخاص في وضعية إعاقة يخطئون أيضا حين يسمحون لهذا الملف بأن يتحول إلى ملكيات صغيرة متفرقة، لكل واحدة منها باب وحارس ومفتاح.
إن القضية أكبر من الأشخاص ..
وأكبر من الجمعيات ..
وأكبر من الأسماء ..
وأكبر من المناصب.
إنها قضية مواطنة وكرامة وحقوق.
ولذلك، لا نحتاج بعد اليوم إلى مرشح يتصور أن الشخص في وضعية إعاقة مجرد ورقة انتخابية سهلة الاستمالة، ولا نحتاج إلى سياسي يتذكرنا في الصورة وينسانا في البرنامج.
نحتاج إلى سياسي يدرك أن الإعاقة ليست ملفا إحسانيا، ولا موسما للتعاطف وبوسان الرأس واليدين، ولا مادة للاستهلاك الإعلامي، وإنما قضية حقوقية وسياسية واجتماعية واقتصادية متكاملة.
ونحتاج، في المقابل، إلى مجتمع من الأشخاص في وضعية إعاقة يعرف قيمة قوته، ويعرف كيف يوحد مطالبه، وكيف يحاسب من وعد، وكيف يسائل من انتخب، وكيف يحول التشتت إلى تنظيم، والتنظيم إلى ترافع، والترافع إلى تشريع، والتشريع إلى واقع.
لقد انتهت الحملة الانتخابية.
سقطت الملصقات من الجدران، وانطفأت مكبرات الصوت، وغادر المرشحون الأزقة التي كانوا يملؤونها بالوعود.
لكن قضية الإعاقة لم تنته.
بل ربما تبدأ الآن المعركة الحقيقية.
فليعلم الذين طلبوا أصوات الأشخاص في وضعية إعاقة أن تلك الأصوات ليست شيكات على بياض.
وليست تفويضا بالنسيان.
وليست إذنا بإغلاق الملف بعد إعلان النتائج.
وفي المقابل، ليعلم الأشخاص في وضعية إعاقة أن انتظار الآخرين كي ينقذوا قضيتهم لن يصنع لهم مستقبلا.
القضايا لا تنتصر بكثرة الشكوى، وإنما بقوة التنظيم، ووحدة الصف، واستمرار الضغط، ووضوح المطالب، ومحاسبة المسؤولين.
ومن أراد أن يعرف لماذا غابت الإعاقة عن هذه الحملة، فليبحث عن الإجابة في الجانبين معا:
سياسيون لم يروا في القضية ما يكفي من العائد الانتخابي، وأصحاب قضية لم يحولوا كثرتهم العددية إلى قوة جماعية قادرة على فرض حضورهم.
وبين هذا وذاك، بقي الشخص في وضعية إعاقة واقفا على هامش المشهد، ينتظر منذ عقود أن يأتي اليوم الذي لا يحتاج فيه إلى أن يذكّر السياسي بأنه مواطن قبل أن يكون ناخبا، وصاحب حق قبل أن يكون رقما انتخابيا.