مجتمع

حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة… وعود بلا تنفيذ، وتشريعات بلا تمكين بقلم:حميد قاسمي

   ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يكون حقه معترفا به في النص، غائبا في الواقع؛ وأن تفتح أمامه أبواب القانون، ثم يجد نفسه في الحياة اليومية واقفا على عتبة الإدارة، يطرقها مرة بعد أخرى، فلا يلقى إلا مزيدا من الانتظار، ومزيدا من التأجيل، ومزيدا من الأسئلة التي لا تنتهي.

وهكذا يبدو ملف الأشخاص في وضعية إعاقة في المغرب: منظومة من النصوص والمقتضيات والبرامج والتصريحات، تقابلها في الجهة الأخرى حياة يومية مثقلة بالإكراهات، وأشخاص يصارعون من أجل أبسط شروط الاستقلال والكرامة.

لقد آن الأوان لأن يخرج ملف الإعاقة من دائرة المناسبات والخطب البروتوكولية، ومن منطق الإحسان الاجتماعي الذي يجعل الحقوق شبيهة بالمكرمات ومنطق التصدق والشفقة، إلى رحاب السياسة العمومية الحقيقية التي تنظر إلى الشخص في وضعية إعاقة باعتباره مواطنا كامل الحقوق، لا رقما في سجل الهشاشة، ولا حالة تستدعي الشفقة، ولا ملفا يفتح عند الحاجة ويغلق عند انطفاء الأضواء.

فإذا كانت الدولة الاجتماعية قد أصبحت عنوانا مركزيا في الخطاب العمومي، فإن القيمة الحقيقية لهذا العنوان لا تختبر في المكاتب المكيفة، ولا في البلاغات الرسمية، وإنما تختبر عند المواطن الذي لا يستطيع أن يصل إلى المستشفى، أو أن يستقل الحافلة، أو أن يدخل إلى مؤسسة عمومية، أو أن يحصل على جهاز تعويضي، أو أن يضمن لنفسه دخلا يحفظ له شيئا من الكرامة والاستقلال.

ومن هنا، تأتي شهادات ثلاثة من الفاعلين في مجال الإعاقة، لا باعتبارها مجرد تصريحات عابرة، وإنما باعتبارها شهادات ميدانية تضع اليد على جملة من الاختلالات التي ما تزال تؤرق هذه الفئة.

محمد عشاب: ستة وعشرون عاما من الاشتغال… والسؤال ما يزال هو نفسه

من بني ملال خنيفرة، يتحدث محمد عشاب، رئيس جمعية الكرامة للأشخاص ذوي الإعاقة، بلغة من خبر الملف وعاش تفاصيله، فهو ليس متابعا من بعيد، وإنما شخص في وضعية إعاقة اختار منذ ما يقارب ستة وعشرين عاما أن يجعل من هذا الملف قضية اشتغال ودفاع ومرافعة.

يقول عشاب إن اشتغاله في مجال الإعاقة يعود إلى بداية الألفية، وإن دافعه الأول كان الرغبة في تقديم شيء لهذه الفئة التي تعاني، على حد تعبيره، الأمرين.

غير أن الرجل، وهو يستعرض حصيلة الحكومة السابقة، لا يخفي خيبة أمله.

ففي نظره، لا توجد مكتسبات كبرى يمكن أن توصف بأنها حققت التحول الذي كانت تنتظره هذه الفئة، وإن كان يثمن بعض الإجراءات، وعلى رأسها ما يرتبط بصندوق التماسك الاجتماعي من توفير بعض الأجهزة والمعينات التقنية والكراسي والمعدات الخاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة، إضافة إلى بعض التسهيلات المتعلقة بالنقل.

لكن عشاب لا يريد أن تتحول هذه الإجراءات المحدودة إلى ستار يحجب الصورة الكبرى.

فالمشكلة، كما يقول، أن ملف الإعاقة ليس وليد اليوم، بل هو ملف راكم الانتظار لعقود، بينما ظلت المطالب الأساسية تراوح مكانها.

وهنا يطرح المتحدث نفسه واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل: بطاقة الشخص في وضعية إعاقة.

وإذا كان الإطار القانوني لهذه البطاقة قد عرف تطورا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ميدانيا يظل متعلقا بمدى تحويل هذا الإطار إلى منفعة حقيقية وملموسة يستفيد منها الشخص المعاق في حياته اليومية.

ذلك أن المواطن لا يعيش داخل الجريدة الرسمية، ولا يتنقل بين النصوص القانونية؛ إنه يعيش في الشارع، وفي المستشفى، وفي وسائل النقل، وفي المدرسة، وفي سوق الشغل.

والحق الذي لا يجد طريقه إلى هذه الفضاءات يظل، مهما كان براقا في النص، ناقص الأثر في الواقع.

الحماية الاجتماعية… حين لا ترى الأرقام كلفة الإعاقة

يرى محمد عشاب أن الإشكال لا يقف عند حدود البطاقة، بل يمتد إلى الحماية الاجتماعية والدعم المباشر.

فالشخص في وضعية إعاقة قد لا يتوفر على دخل، وقد يكون عاجزا عن العمل أو محدود القدرة على الولوج إلى سوق الشغل، فضلا عن حاجاته الخاصة التي تفرض عليه نفقات لا يتحملها الشخص غير المعاق بالضرورة.

ومن هنا يأتي اعتراضه على الاقتصار على منطق المؤشر، وعلى المعايير التي قد تجعل الشخص في وضعية إعاقة محتاجا إلى أن يثبت فقره وفق الشروط نفسها التي يثبت بها غيره هشاشته.

والسؤال الذي يضعه عشاب، في جوهره، بسيط لكنه ثقيل الدلالة:

هل الإعاقة مجرد فقر؟ أم أنها وضعية اجتماعية واقتصادية وصحية لها كلفة إضافية ينبغي أن تعترف بها الدولة؟

إنها مسألة تتجاوز الحسابات التقنية إلى صميم العدالة الاجتماعية.

فالشخص الذي يحتاج إلى كرسي متحرك، أو جهاز تعويضي، أو مرافق، أو علاج مستمر، أو وسائل تنقل خاصة، لا يعيش الكلفة الاقتصادية نفسها التي يعيشها شخص آخر في الوضع الاجتماعي نفسه لكنه لا يعاني الإعاقة.

ولهذا يطالب عشاب بمنحة محترمة تراعي الخصوصية، وتمنح هذه الفئة الحد الأدنى من الكرامة وتضمن لها الاستقلالية الكاملة، بدل أن تجعل حياتها رهينة لمساعدة الأسرة أو كرم المحسنين.

عبد الله الرزيزة: الإعاقة ليست هشاشة… إنها كلفة مستمرة

من جهته، يذهب عبد الله الرزيزة، الفاعل الحقوقي وعضو الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب، إلى أن ملف الإعاقة يحمل إرثا ثقيلا من المشاكل التي انتقلت من حكومة إلى أخرى.

ويضع الرزيزة مسألة المؤشر في مقدمة الإشكالات، مؤكدا أن الإعاقة ينبغي أن تكون عنصرا قائما بذاته عند تقييم الوضع الاجتماعي للشخص.

فالإعاقة، في نظره، لا تعني فقط أن الشخص أقل دخلا؛ بل تعني في حالات كثيرة أن حاجاته ونفقاته أكبر.

ومن هنا يطالب بدعم إضافي خاص بالأشخاص في وضعية إعاقة، إلى جانب الدعم الموجه إلى الفئات الهشة.

فالمنطق الذي يقول إن شخصا فقيرا وشخصا فقيرا آخر يعاني من إعاقة يمكن أن يستفيدا من الدعم نفسه، يتجاهل حقيقة اقتصادية واجتماعية واضحة: الإعاقة لها كلفة.

وهذه الكلفة قد تكون في العلاج، أو الأجهزة التعويضية، أو النقل، أو المرافق، أو الوسائل التعليمية، أو التكييفات الضرورية للحياة اليومية.

النقل… حين يصبح الحق في التنقل معركة

ثم ينتقل الرزيزة إلى ملف النقل، وهو ملف يكشف بجلاء الفرق بين الاعتراف النظري بالحقوق وبين القدرة الفعلية على ممارستها.

فلا يكفي أن تمنح الشخص في وضعية إعاقة تخفيضا في ثمن التذكرة، إذا كانت وسيلة النقل نفسها غير مهيأة لاستقباله.

ولا يكفي أن يقال إن المرفق العمومي مفتوح للجميع، إذا كان الشخص الكفيف أو ذوو الإعاقة الحركية يجد نفسه محتاجا في كل خطوة إلى من يساعده.

وهنا تبرز قضية الولوجيات باعتبارها ليست ترفا هندسيا، وإنما شرطا من شروط المواطنة.

فالطريق الذي لا يستطيع الشخص استعماله ليس طريقا متاحا له، والمرفق الذي لا يستطيع الولوج إليه ليس مرفقا عاما بالنسبة إليه، والخدمة التي لا يستطيع الوصول إليها ليست خدمة مكتملة.

التعليم والصحة… حقوق لا تحتمل الحلول الترقيعية

الرزيزة يلفت كذلك إلى ضعف الوسائل التعليمية والأجهزة التعويضية داخل المؤسسات التعليمية، خصوصا ما يتعلق بالمكفوفين وبالتربية الدامجة.

كما يثير مسألة غياب المساعدة الاجتماعية الكافية داخل المؤسسات الصحية.

وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن الشخص في وضعية إعاقة حين يدخل المستشفى لا يدخل بصفته مريضا فقط، وإنما قد يدخل أيضا باعتباره شخصا يحتاج إلى ترتيبات إضافية تمكنه من الوصول إلى الخدمة وفهم الإجراءات واستكمال المسار العلاجي.

ولهذا فإن وجود مساعد اجتماعي مؤهل ليس امتيازا، وإنما قد يكون ضرورة عملية لضمان ولوج فعلي إلى الحق في الصحة.

ويحذر الرزيزة من أن تظل الخدمات رهينة بالتأويلات والاجتهادات الفردية للموظفين والمستخدمين، لأن الحقوق لا ينبغي أن تختلف من مؤسسة إلى أخرى بحسب من يقف خلف شُبّاك الاستقبال.

الحق ينبغي أن يكون واضحا، والإجراء ينبغي أن يكون موحدا، والخدمة ينبغي أن تكون قابلة للولوج دون إذلال أو استجداء.

أحمد عبيبو: مكتسبات تراجعت… وحلول غير كافية

يقدم أحمد عبيبو، عضو جمعية تحدي لذوي الاحتياجات الخاصة والمنسق الجهوي للتنسيقية الوطنية للأشخاص في وضعية إعاقة بمدينة جرسيف جهة الشرق،، قراءة أكثر التصاقا بما يعتبره تراجعا في بعض المكتسبات.

يستحضر عبيبو تجربة راميد، معتبرا أن الأشخاص في وضعية إعاقة كانوا يستفيدون، ولو بشكل محدود، من خدمات مرتبطة بهذه المنظومة، قبل الانتقال إلى نظام الحماية الاجتماعية.

ويرى أن الإشكال الأساسي يتمثل في أن الشخص في وضعية إعاقة لا ينبغي أن يختزل في مجرد كونه شخصا هشا.

فهو، بحسب تعبيره، يعيش وضعية خاصة، وقد تمنعه الإعاقة من العمل أو تحد من قدرته على الحصول على دخل منتظم.

ومن هنا يعتبر أن إدخاله في الخانة نفسها مع بقية الفئات الهشة قد يؤدي إلى إقصائه من بعض أشكال الدعم.

ويطرح عبيبو أيضا قضية مبالغ الدعم التي كانت تستفيد منها بعض الفئات، ويعتبر أن تقليص أو إلغاء بعض أشكال الدعم السابقة جعل عددا من الأشخاص في وضعية إعاقة يشعرون بأنهم انتقلوا من هامش الحماية إلى هامش أكبر.

بطاقة النقل… حين يصبح الامتياز عاجزا عن الوصول إلى صاحبه

لكن أقوى ما يورده أحمد عبيبو يتعلق بالنقل.

فهو يقدم تجربته الشخصية كشخص ذي إعاقة حركية يستعمل كرسيا متحركا، ويقول إنه يتوفر على بطاقة تخوله الاستفادة من التخفيض، لكنه يواجه في المقابل مشكلة أكثر أساسية: كيف يصعد إلى القطار أصلا إذا كانت الولوجيات منعدمة؟

وهنا تنكشف المفارقة بأوضح صورها.

قد تمنح الدولة تخفيضا في ثمن التذكرة، لكن ماذا يفعل الشخص إذا لم يستطع الوصول إلى القطار؟

قد تعترف له الإدارة بحقه في التنقل، لكن ماذا يعني هذا الحق إذا كانت البنية التحتية لا تمكنه من استعماله؟

إنها صورة صارخة لما يمكن تسميته الحق الناقص: حق موجود في الوثيقة، لكنه يتعثر عند أول تماس مع الواقع.

ويضيف عبيبو أن قضية المرافق تطرح بدورها مشكلة مالية، لأن الشخص الذي يحتاج إلى مرافق قد يجد نفسه أمام تكلفة مضاعفة، في حين أن التخفيض الممنوح له وحده لا يحل بالضرورة هذه المعضلة.

بين النص والتطبيق… أين تضيع الحقوق؟

هنا تتقاطع شهادات محمد عشاب وعبد الله الرزيزة وأحمد عبيبو عند نقطة مركزية واحدة:

المشكلة ليست دائما في غياب النص، وإنما في المسافة الفاصلة بين النص وتنفيذه.

وهذه المسافة هي التي ينبغي للحكومة الجديدة أن تضعها صوب أعينها وكذلك تحت المجهر.

فالدولة تستطيع أن تصدر قانونا، وأن تضع برنامجا، وأن تعلن عن دعم، وأن تطلق ورشا، لكن المواطن لا يقيس الدولة بما تقوله عن نفسها، وإنما بما يستطيع أن يحصل عليه فعلا.

والشخص في وضعية إعاقة لا يريد دولة تتحدث باسمه؛ يريد دولة وحكومة تنصت إليه.

لا يريد خطابا عن الكرامة؛ يريد شروطا تمكنه من العيش بكرامة.

لا يريد بطاقة جميلة ومجركسة برموز تشير لأنواع الإعاقات المختلفة؛ يريد بطاقة تفتح له أبوابا حقيقية.

لا يريد تخفيضا في ثمن النقل فقط؛ يريد وسيلة نقل يمكنه الوصول إليها واستعمالها باستقلالية.

لا يريد دعما محسوبا بالآلة الحاسبة وحدها؛ يريد دعما يعترف بأن الإعاقة نفسها تفرض كلفة إضافية.

ولا يريد أن يبقى ملفه موزعا بين قطاعات ومؤسسات، بحيث لا يعرف أين يبدأ وأين ينتهي؛ يريد سياسة عمومية متكاملة، واضحة، قابلة للمساءلة والقياس.

إلى فاطمة الزهراء المنصوري… لا تتركي الإعاقة رهينة ولاية حكومية أخرى

السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة الجديدة؛

إن أمام حكومتكم ملفا لا يحتمل أن يضاف إلى رفوف الملفات المؤجلة والمنسية.

إن الأشخاص في وضعية إعاقة لا ينتظرون من الحكومة الجديدة معجزة، ولا يطالبون بالمستحيل، وإنما يطالبون بأن يصبح ما تقوله الدولة في النصوص واقعا في حياتهم.

لقد طال الانتظار، وكثرت الوعود، وتعددت البرامج، وتغيرت الحكومات، بينما بقيت أسئلة جوهرية تعود في كل مرة بالصيغة نفسها:

أين بطاقة الشخص في وضعية إعاقة في صورتها العملية المكتملة؟

أين الدعم الذي يراعي كلفة الإعاقة؟

أين النقل الميسر؟

أين الولوجيات التي تجعل المواطن قادرا على استعمال المرفق العمومي باستقلال؟

أين الأجهزة التعويضية والوسائل التعليمية الكافية؟

أين المساعدة الاجتماعية داخل المؤسسات الصحية؟

وأين هو الإدماج الذي يجعل الشخص في وضعية إعاقة مواطنا منتجا ومستقلا، لا مجرد مستفيد دائم من برامج الدعم؟

السيدة رئيسة الحكومة،

إن المطلوب ليس أن تضاف الإعاقة إلى قائمة الشعارات الكبرى للدولة الاجتماعية، وإنما أن تصبح اختبارا حقيقيا لهذه الدولة.

فالدولة الاجتماعية التي لا يصل دفؤها إلى الشخص الذي يواجه الإعاقة كل يوم، تظل دولة اجتماعية ناقصة الأثر مهما تعددت برامجها.

والعدالة الاجتماعية التي لا ترى الفوارق التي تفرضها الإعاقة، تظل عدالة عمياء عن جزء من مواطنيها.

ولذلك، فإن الأمل معقود على أن تفتح الحكومة الجديدة هذا الملف لا بمنطق التدبير التقني الضيق، وإنما بمنطق القرار السياسي الذي يعيد ترتيب الأولويات، ويحدد المسؤوليات، ويربط الوعود بالآجال، والبرامج بالنتائج، والحقوق بالتنفيذ.

لقد انتظر الأشخاص في وضعية إعاقة طويلا.

وآن للحكومة أن تسمع صوتهم.

فالقضية في النهاية ليست قضية كرسي متحرك، ولا بطاقة، ولا منحة، ولا تخفيض في تذكرة قطار.

إنها قضية مواطن يريد أن يعيش مواطنته كاملة، دون أن تكون إعاقته سببا في نقصان حقه، أو انتقاص كرامته، أو اختصار وجوده في خانة الحاجة.

وهنا بالضبط يبدأ امتحان الحكومة الجديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى