بقلم : هشام فرجي
عند اقتراب أذان المغرب في رمضان، كانت للحريرة في البيت المغربي مكانة تكاد تشبه موعدًا مقدسًا لا يحتاج إلى اتفاق مسبق. قدرٌ يتصاعد منه البخار، ورائحة تسبق الأطباق إلى الأنوف، وأيدٍ تمتد إلى التمر والماء، وعيون تنتظر اللحظة التي تجتمع فيها الأسرة حول مائدة لا تحتاج إلى كثير من الزينة كي تكون مكتملة. لم تكن الحريرة مجرد حساء يُسكب في الأطباق؛ كانت عادةً، وذاكرةً، وعلامةً من علامات رمضان المغربي، وربما كانت، في كثير من البيوت، مركز المائدة الذي تنتظم حوله بقية الأطعمة.
لكن المشهد يتغير، أو هكذا يبدو في بعض الموائد. تتسع المساحة المخصصة للسلطات المتنوعة، وتظهر الأسماك بأشكالها المختلفة، وتتقدم البسطيلة إلى الواجهة، وتجد البيتزا لنفسها مكانًا بين أطباق الإفطار، فيما تتراجع الحريرة أحيانًا من موقع البطولة إلى دور ثانوي، وقد تغيب عن بعض الموائد تمامًا. لا يتعلق الأمر هنا بإحصاء عدد الأطباق أو إصدار حكم على أذواق الناس، بل بالتوقف أمام مفارقة صغيرة في ظاهرها، عميقة في دلالتها: كيف يمكن لشيء ظل طويلًا في قلب العادة أن يفقد مركزيته دون أن يفقد بالضرورة خصائصه التي منحته تلك المكانة؟
لعل الحريرة لم تتغير كثيرًا، وإنما تغيرنا نحن، وتغيرت علاقتنا بما اعتدنا عليه. وهنا يبدأ السؤال الفلسفي.
حين يفقد الشيء وظيفته، هل يفقد قيمته؟
تقوم الحياة، في جانب كبير منها، على الوظائف. نحتفظ بالأشياء لأنها تؤدي لنا غرضًا، ونمنحها مكانة بقدر ما نحتاج إليها، ثم نعيد النظر في علاقتنا بها حين تتغير حاجاتنا أو تتبدل معاييرنا. قد تتقاعد آلة لأنها لم تعد قادرة على مواكبة العمل، وقد يُستبدل هاتف بآخر لأن وظائفه أصبحت محدودة، وقد يتراجع منتج أمام منافس أكثر جاذبية. إنها دورة الاستعمال والاستبدال التي نراها في تفاصيل الحياة اليومية.
لكن هل تخضع الأشياء الرمزية للقانون نفسه؟ وهل يمكن اختزال قيمة الحريرة في قدرتها على إشباع الجوع، أو في عدد المرات التي توضع فيها على المائدة؟
لو كانت المسألة مسألة وظيفة غذائية فقط، لما كان لتراجع مكانتها كل هذا المعنى؛ إذ يمكن لأطباق كثيرة أن تؤدي وظيفة الإشباع. غير أن الحريرة اكتسبت، عبر الزمن، وظائف تتجاوز الطعام: إنها جزء من طقس رمضاني، ومكوّن من مكونات الذاكرة الجماعية، وعلامة على الاستمرار بين الأجيال. ولذلك فإن ما قد تفقده ليس ضرورتها الغذائية بقدر ما هو موقعها الرمزي.
وهنا تكمن المفارقة: قد يحتفظ الشيء بخصائصه، بينما يفقد المكانة التي كانت تمنحه إياها الجماعة. ليس كل ما يُستبدل قد فشل، وليس كل ما يحل محله أفضل منه بالضرورة؛ فقد يكون الذي تغير هو معيار الاختيار نفسه.
لعنة المألوف وسحر الجديد
لدى الإنسان علاقة ملتبسة بما يألفه. فهو يبحث عن الاستقرار، لكنه يضجر من التكرار؛ يتشبث بالعادات لأنها تمنحه الشعور بالانتماء، ثم يسعى إلى تجاوزها لأنها أصبحت مألوفة أكثر مما ينبغي. ومن هذه المفارقة تنشأ جاذبية الجديد.
فالحريرة، مهما كان مذاقها محببًا، تظل طبقًا معروفًا لدى من اعتادها عامًا بعد عام. أما طبق جديد، أو وصفة وافدة، فقد يحمل في ظهوره الأول شيئًا من المفاجأة والإثارة. وقد لا يكون أفضل من سابقه، لكنه يبدو مختلفًا، والاختلاف وحده قادر أحيانًا على منحه قيمة إضافية.
إننا لا نملّ الأشياء دائمًا لأنها فقدت جودتها، بل قد نملّها لأننا اعتدنا وجودها. وقد لا ننجذب إلى الأشياء الجديدة لأنها أكثر نفعًا، وإنما لأنها توقظ فينا شعور الاكتشاف. وهكذا يصبح المألوف ضحية نجاحه القديم؛ لقد ظل حاضرًا إلى درجة أننا لم نعد ننتبه إلى ما يمثله، بينما يستمد الجديد جزءًا من جاذبيته من كونه لم يتحول بعد إلى عادة.
أليست هذه إحدى مفارقات الإنسان؟ إنه يشتاق أحيانًا إلى ما فقده، لا لأنه اكتشف قيمته لأول مرة، بل لأنه لم يعد يجده في مكانه المعتاد.
من مائدة الإفطار إلى مسرح الاستهلاك
لم يعد الطعام، في كثير من مظاهر الحياة المعاصرة، مجرد استجابة لحاجة بيولوجية. لقد أصبح أيضًا تجربة اجتماعية، وموضوعًا للصورة، ومجالًا للتنافس الرمزي، وأحيانًا وسيلة للتعبير عن المكانة والقدرة على التنويع. ومع انتشار الصور والوصفات عبر المنصات الرقمية، باتت بعض الموائد تُحضَّر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تحت تأثير ما نراه عند الآخرين، لا تحت تأثير ما نحتاج إليه فعلًا.
في هذا السياق، قد لا يكون السؤال: ماذا سنأكل عند الإفطار؟ بل: ماذا سنضع على المائدة؟ وكم صنفًا سنقدم؟ وهل تبدو مائدتنا متنوعة بما يكفي؟
هنا ينتقل مركز الثقل من الحاجة إلى الرغبة، ومن الوظيفة إلى العرض. ويصبح تعدد الأطباق علامة على الوفرة، ويكتسب التنويع قيمة في ذاته، حتى عندما لا تكون الحاجة إليه واضحة. وقد تتحول المائدة، من حيث لا نشعر، من فضاء للاجتماع حول ما يكفي إلى مساحة لإظهار ما يمكن تقديمه.
وليس في إعداد أطباق متنوعة أو تجريب وصفات جديدة ما يستحق الاعتراض؛ فالتجديد متعة مشروعة، والتبادل الثقافي جزء من تطور المجتمعات. لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: متى يصبح التنويع اختيارًا يثري التجربة، ومتى يتحول إلى ضغط اجتماعي يجعلنا نعتقد أن ما اعتدناه لم يعد كافيًا لمجرد أنه مألوف؟
قد لا تكون البيتزا هي التي أزاحت الحريرة، وقد لا تكون البسطيلة منافستها الحقيقية. ربما كانت المنافسة الأعمق بين نمطين من العلاقة بالطعام: نمط يرى في الطبق قيمة مرتبطة بما يحمله من عادة وذاكرة ومعنى، ونمط ينجذب، بدرجات متفاوتة، إلى التنوع والتجديد والإبهار.
حين تصبح الذاكرة طبقًا جانبيًا
ليست الحريرة وصفةً قابلة للقياس بمقادير الدقيق والطماطم والعدس والحمص فحسب. إنها، في بعض البيوت المغربية، جزء من مشهد أوسع: أمّ أو أب يتفقدان القدر، وأبناء ينتظرون الإفطار، ورائحة تملأ المكان، وذكريات تتكرر كلما عاد رمضان. وقد ترتبط بها صور أشخاص غابوا، وبيوت تغيرت، وموائد لم تعد تجتمع حولها الوجوه نفسها.
لهذا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن وصفة قديمة ضد وصفات جديدة، وإنما بالسؤال عما يحدث حين تتراجع الأشياء التي تحمل ذاكرتنا اليومية. فالعادات لا تحفظ الماضي في الكتب وحدها؛ إنها تحفظه أيضًا في الأفعال المتكررة، وفي الأطعمة التي نعدها، والأغاني التي نرددها، والطقوس التي نعيد إنتاجها من جيل إلى جيل.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نخلط بين الوفاء للذاكرة ورفض التغيير. فالهوية ليست متحفًا نضع فيه العادات القديمة خلف الزجاج، ولا جدارًا يمنع دخول كل ما هو جديد. إنها قدرة على التفاعل والتجدد مع الاحتفاظ بخيط يصل الحاضر بماضيه.
المشكلة ليست أن تدخل البيتزا إلى المائدة المغربية، بل أن نشعر بأن الحريرة أصبحت أقل قيمة لأنها لم تعد جديدة. وليست المشكلة أن تتنوع أطباق رمضان، بل أن يتحول التنوع إلى مقياس وحيد، فتغدو الأشياء التي منحت العادة معناها عاجزة عن منافسة الأشياء التي تمنح اللحظة بريقها.
قد تتغير المائدة دون أن تضيع الهوية، وقد تستمر الهوية حتى مع اختفاء بعض العادات. لكن من حقنا أن نسأل: هل نختار التغيير لأننا نرغب فيه حقًا، أم لأننا أصبحنا نخجل من الاكتفاء بما ألفناه؟
سنة الاستبدال: من الأشياء إلى الإنسان
لعل أكثر ما يجعل قصة الحريرة جديرة بالتأمل هو أنها تفتح بابًا أوسع على الحياة نفسها. فكم من فكرة كانت في قلب المجتمع ثم أصبحت هامشية؟ وكم من مهنة احتاج إليها الناس طويلًا، ثم تراجعت مكانتها حين تغيرت أدوات العمل؟ وكم من علاقة كانت قائمة على المعنى والوفاء، ثم وجدت نفسها أمام منطق السرعة والمنفعة؟
إن الأشياء التي تفقد وظائفها قد تُستبدل، وتلك التي تفقد جاذبيتها قد تُهمَّش، وما كان ضروريًا في زمن قد يصبح ثانويًا في زمن آخر. غير أن الانتقال من الأشياء إلى البشر يفرض علينا حذرًا أخلاقيًا مهمًا: الإنسان ليس أداة تنتهي قيمتها بانتهاء منفعتها، ولا ينبغي أن تُقاس كرامته بقدرته على مواكبة كل جديد.
ومع ذلك، قد تكشف هذه الاستعارة عن نزعة مقلقة في بعض علاقاتنا المعاصرة: الميل إلى الحكم على الأشخاص والأفكار والمؤسسات بمنطق الصلاحية السريعة، وكأن ما لا يثير الدهشة لم يعد يستحق الانتباه، وما لا يقدم منفعة فورية فقد مبرر وجوده.
هكذا قد نصبح، نحن أيضًا، أسرى منطق الاستبدال الذي نطبقه على الأشياء. نبحث عن الجديد في كل شيء، ثم نكتشف أننا لم نمنح القديم فرصة كافية كي نفهم قيمته. نغادر قبل أن نختبر عمق العلاقة، ونستبدل قبل أن نسأل إن كان الخلل في الشيء أم في توقعاتنا منه.
لكن الحياة ليست سوقًا مفتوحة بلا نهاية، ولا ينبغي أن تكون العلاقات الإنسانية نسخة من دورة استهلاك لا تعرف إلا الشراء والملل والاستبدال. فبعض الأشياء لا تحتفظ بقيمتها رغم مرور الزمن فحسب، بل تكتسب قيمة إضافية بفضله؛ وبعض العلاقات لا تصبح أعمق إلا لأننا لم نستبدلها عند أول شعور بالملل.
هل تتقاعد الأشياء أم نتقاعد نحن عن تقديرها؟
ربما تكون الحريرة قد تراجعت عن مركز المائدة في بعض البيوت، وربما حافظت على مكانتها في بيوت أخرى. وربما يجمع بعض الناس بين التقليد والتجديد دون أن يروا في الأمر أي تناقض. ولذلك لا يتعلق السؤال بإعلان نهاية الحريرة، بل باستخدامها مرآةً لفهم التحولات التي تصيب أذواقنا وعاداتنا ومعاييرنا.
فليس كل قديم جديرًا بالبقاء لمجرد أنه قديم، وليس كل جديد جديرًا بالتفضيل لمجرد أنه جديد. هناك عادات ينبغي مراجعتها، وأفكار تستحق التجاوز، وأدوات فقدت صلاحيتها فعلًا. لكن هناك أيضًا أشياء تستحق أن نعيد اكتشافها قبل أن نحكم عليها بالملل أو العجز عن مواكبة العصر.
إن الحكمة ليست في مقاومة الاستبدال على إطلاقه، ولا في التسليم به بوصفه قانونًا لا يُناقش. الحكمة في أن نميز بين ما انتهت وظيفته فعلًا، وما انتهت فقط قدرتنا على تقدير قيمته؛ بين ما ينبغي تجاوزه، وما ينبغي تجديد علاقتنا به.
ولعل الحريرة لا تحتاج إلى حملة لإنقاذها، ولا إلى منافسة البيتزا والبسطيلة على صدارة المائدة. إنها تحتاج، في هذا التأمل، إلى شيء أبسط وأعمق: أن نتذكر أن قيمة الأشياء لا تُختزل في قدرتها على إدهاشنا، وأن ما نألفه ليس بالضرورة أقل شأنًا مما نكتشفه لأول مرة.
فهل تتخلى الأشياء عن أدوارها لأنها لم تعد صالحة للحياة، أم أننا نتخلى عنها لأن الحياة علمتنا أن نرغب في غيرها؟
وإذا كانت سنة الاستعمال تقضي بأن يُستبدل ما لم يعد يؤدي وظيفته، فهل ينبغي أن نطبق هذه السنة على كل شيء، أم أن في الحياة أشياء لا تستمد قيمتها من الوظيفة وحدها، بل من الذاكرة والمعنى والانتماء؟
أما الحريرة، فربما ستظل حاضرة على موائد كثيرة، وربما ستغيب عن موائد أخرى. لكن السؤال الذي تتركه خلفها أوسع من قدر على النار، وأعمق من طبق يتصدر المائدة أو يتراجع عنها:
حين نفقد مكانة الأشياء التي اعتدناها، هل تكون قد فقدت قيمتها فعلًا، أم نكون نحن قد فقدنا القدرة على رؤيتها؟