افتتاحية

الهجرة بين المغرب وإسبانيا.. حان الوقت لشراكة عادلة تقوم على الاحترام والمسؤولية المشتركة

الحنبلي عزيز –تنوير | رأي وتحليل

لم يعد ملف الهجرة مجرد قضية تتعلق بمراقبة الحدود ومنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا، بل أصبح من أبرز الملفات التي تختبر قوة العلاقات بين المغرب وإسبانيا، وتكشف في الوقت نفسه عن طبيعة الشراكة التي تجمع المملكة بالاتحاد الأوروبي.

والواقع أن المغرب بذل جهوداً كبيرة في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، وساهم في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر، كما ظل شريكاً أساسياً لإسبانيا في التعاون الأمني وتدبير الحدود. غير أن هذه الجهود لا ينبغي أن تجعل المملكة تتحمل وحدها مسؤولية ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية وإنسانية.

ومن هنا تبرز أهمية النقاش الذي أثاره الخطاب الملكي بشأن مستقبل التعاون في مجال الهجرة، والحاجة إلى مراجعة النموذج الحالي بما يضمن شراكة أكثر توازناً ووضوحاً.

فالعلاقات المغربية الإسبانية شهدت، منذ الإعلان المشترك في 7 أبريل 2022، تطوراً ملحوظاً في مجالات الاقتصاد والأمن والتعاون السياسي. ومع ذلك، فإن الأزمات المرتبطة بالهجرة تكشف أن بعض الملفات ما زالت تحتاج إلى حلول عملية وتفاهمات جديدة.

وما يثير الانتباه أن المغرب يجد نفسه أحياناً في قلب النقاشات السياسية الداخلية الإسبانية، خصوصاً عندما تتحول قضية الهجرة إلى موضوع للمزايدات بين الأحزاب. وهذا الوضع لا يخدم مصالح البلدين، لأن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تبنى على الاتهامات المتبادلة أو الحسابات الانتخابية الظرفية.

وفي المقابل، فإن معالجة قضية المهاجرين غير النظاميين والقاصرين غير المصحوبين تتطلب تعاوناً حقيقياً يحترم القوانين والالتزامات الدولية، ويضع المصلحة الفضلى للأطفال وحماية الحقوق الإنسانية في صلب أي حل.

فلا يمكن المطالبة بتسريع عمليات الترحيل دون احترام الضمانات القانونية، كما لا ينبغي أن تتحول التعقيدات الإدارية إلى عائق دائم أمام إيجاد حلول إنسانية وقانونية مناسبة.

إن المطلوب اليوم ليس توسيع الخلاف بين الرباط ومدريد، بل تطوير شراكة تقوم على الصراحة والثقة وتقاسم المسؤوليات. فالمغرب وإسبانيا تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية والأمنية، وهي روابط أقوى من أن تظل رهينة أزمات متكررة.

كما أن أوروبا مطالبة بالنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً استراتيجياً في التنمية والاستثمار والاستقرار، وليس مجرد بلد مكلف بمراقبة حدودها الجنوبية.

وفي تقديري، فإن مستقبل التعاون المغربي الأوروبي يجب أن يقوم على رؤية جديدة تربط الهجرة بالتنمية، وتفتح آفاقاً أوسع للتشغيل والاستثمار والتنقل القانوني، إلى جانب التعاون الأمني وحماية حقوق المهاجرين.

فالمغرب لا يحتاج إلى شراكة تقوم على التعليمات أو تحميله المسؤولية وحده، بل إلى تعاون متوازن يحترم سيادته ويعترف بمصالحه وأدواره.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع إسبانيا والاتحاد الأوروبي الانتقال من منطق تدبير أزمات الهجرة إلى بناء شراكة حقيقية ومستدامة مع المغرب؟

الجواب لن يكون في التصريحات السياسية وحدها، بل في القرارات العملية ومدى استعداد جميع الأطراف لتحمل مسؤولياتها.

فحسن الجوار لا يعني غياب الخلافات، وإنما القدرة على حلها بالحوار والاحترام المتبادل. والشراكة الناجحة ليست تلك التي يستفيد منها طرف أكثر من الآخر، بل التي يشعر فيها الجميع بأن مصالحهم وحقوقهم مصونة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى