الحنبلي عزيز –تنوير – رأي وتحليل
في السياسة المغربية، لا يكفي أن تمتلك الخطابة أو الحضور الإعلامي لتصل إلى المواقع الكبرى؛ فقد تكون القدرة على تدبير التوازنات ونسج التوافقات أكثر تأثيراً في تحديد مسارات الصعود. ولعل وصول أحمد التويزي إلى رئاسة مجلس النواب، بعد منافسة على الترشيح داخل حزب الأصالة والمعاصرة طُرح خلالها اسم عبد اللطيف وهبي، يقدم مناسبة للتأمل في هذه المفارقة.
وهكذا، بلغة المغاربة، «مول النية غلب»! فالتويزي، الذي لم يرتبط اسمه كثيراً بالخطب السياسية الكبرى أو المواقف الفكرية اللافتة، وجد نفسه على رأس الغرفة الأولى، بعدما استقر عليه اختيار «البام»، بينما بقي وهبي خارج سباق الرئاسة.
ليس السؤال هنا من ربح المنصب ومن خسره، بل كيف تُصنع النخب السياسية في المغرب، وبأي معايير تُسند إليها قيادة المؤسسات الدستورية؟
ولد أحمد التويزي سنة 1955 بمراكش، واشتغل أستاذاً للعلوم الطبيعية، بينما تظل تفاصيل تكوينه الأكاديمي غير واضحة في المصادر المنشورة. ومن جماعة آيت أورير، انطلق في مسار انتخابي امتد لأكثر من ثلاثة عقود، تنقل خلالها بين المؤسسات الجماعية والجهوية والبرلمانية.
لكن اللافت في هذه المسيرة ليس طولها فحسب، بل تعدد محطاتها الحزبية. فقد بدأ الرجل سنة 1974 بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، قبل الانتقال إلى الاتحاد الدستوري، ثم الحركة الشعبية، ليستقر أخيراً داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
أربعة أحزاب، والرجل مستمر!
من اليسار المعارض إلى أحزاب ذات مرجعيات مختلفة، تبدلت الانتماءات وبقي الحضور داخل المؤسسات. وهنا يبرز سؤال يتجاوز شخص التويزي: هل ما تزال الأحزاب المغربية فضاءات لإنتاج الأفكار والمشاريع المجتمعية، أم تحولت، لدى بعض الفاعلين، إلى مركبات انتخابية تُستبدل متى تغيرت حسابات الطريق؟
لقد راكم التويزي خبرة طويلة في تدبير المؤسسات، وترأس الفريق النيابي للأصالة والمعاصرة خلال الولاية السابقة، مدافعاً عن مواقف الأغلبية الحكومية بقيادة عزيز أخنوش. غير أن رئاسة البرلمان تقتضي الانتقال من الدفاع عن الحكومة إلى ضمان ممارسة الرقابة عليها، ومن الانضباط الحزبي إلى حماية حقوق جميع مكونات المجلس، بما فيها المعارضة.
ولعل قضية «طحن الورق»، التي أثارها خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، تختزل جانباً من الإشكالات المرتبطة بالخطاب السياسي. فقد أثارت تصريحاته بشأن المطاحن والدقيق المدعم قلقاً واسعاً، قبل أن يوضح أن المقصود مجاز يتعلق بالتلاعب بالفواتير للاستفادة من الدعم العمومي.
يا لها من رحلة للمجاز، من لجنة المالية إلى موائد المغاربة، قبل أن ينتهي موضوعاً لبحث قضائي ونقاش بلاغي!
لكن القضية الأعمق لم تكن في العبارة وحدها، بل في الأسئلة المتعلقة بمراقبة المال العام وفعالية آليات الدعم والمحاسبة.
وفي ملف تدبير جماعة آيت أورير، انتهت المتابعة القضائية بحكم ببراءته سنة 2024، أُيد استئنافياً. أما مواقفه المنتقدة لبعض جمعيات حماية المال العام، فقد أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن العلاقة بين السلطة السياسية والرقابة المدنية، وحدود دور المجتمع المدني في مساءلة تدبير الشأن العام.
اليوم، يجلس أحمد التويزي على كرسي رئاسة مجلس النواب، حاملاً تجربة انتخابية وتنظيمية طويلة. لكن التجربة، مهما امتدت، لا تعفي صاحبها من سؤال الحصيلة والمشروع.
ما الفكرة السياسية التي يريد الرئيس الجديد الدفاع عنها؟ وما الإصلاح البرلماني الذي سيقترن باسمه؟ وكيف سيعزز دور المؤسسة التشريعية في مراقبة الحكومة وتقييم السياسات العمومية؟
هذه أسئلة مشروعة، لا تنتقص من شرعية انتخابه، لكنها تضع المسؤولية الجديدة في حجمها الدستوري والسياسي.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى سياسيين يتقنون الوصول إلى المؤسسات، بل إلى مؤسسات قادرة على إنتاج الأثر، وإلى مسؤولين يقدمون تصورات واضحة عن أدوارهم ونتائج عملهم.
ولعل المفارقة أن نجاح التويزي في عبور المحطات الحزبية والمؤسساتية يعكس جانباً من طبيعة الحياة السياسية المغربية، حيث تتداخل الخبرة الانتخابية مع حسابات التحالفات وتوزيع المواقع.
أما الاختبار الحقيقي، فلن يكون في عدد الأصوات التي أوصلته إلى الرئاسة، بل في قدرة مجلس النواب، تحت قيادته، على تعزيز النقاش الديمقراطي، وممارسة الرقابة الفعلية، واستعادة ثقة المواطنين في العمل البرلماني.
لقد وصل السي أحمد إلى الكرسي. مبروك. لكن الوصول إلى رئاسة البرلمان شيء، وإعطاء معنى سياسي ودستوري للمؤسسة شيء آخر.
وبين الاثنين، تقف حصيلة الولاية المقبلة حكماً على تجربة الرئيس الجديد.
فهل يستطيع رجل التوازنات الحزبية أن يكون أيضاً رجل استقلالية المؤسسة التشريعية؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح، بعيداً عن الاحتفاء بالمناصب أو السخرية من أصحابها.
أما «مول النية»، فقد وصل. والباقي على الأيام وعلى البرلمان أن يثبتاه.