تنوير | متابعة
دعا أجاي بانغا، رئيس مجموعة البنك الدولي، إلى إحداث تحول في مقاربات التنمية الدولية، يقوم على تسريع وتيرة الإنجاز وتعبئة الموارد المالية والتكنولوجية، من أجل خلق فرص الشغل وتحسين الظروف المعيشية للسكان، محذراً من التحديات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بدخول نحو 1.2 مليار شاب إلى سوق العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة.
وجاء ذلك خلال كلمته في الجلسة العامة للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، المنعقدة يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 بالعاصمة التايلاندية بانكوك، بحضور مسؤولين ماليين واقتصاديين وممثلين عن عدد من الدول والمؤسسات الدولية.
وافتُتحت الجلسة بعروض فنية مستوحاة من الموسيقى والرقص التايلانديين، قبل أن تتواصل بكلمات كل من كارلوس كارفالو سبالدينغ، رئيس الاجتماعات السنوية ومحافظ البنك المركزي في باراغواي، وكريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، إلى جانب رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا.
وأكد بانغا، في مداخلته، أن التحديات المتزايدة التي تواجه الاقتصادات النامية تفرض اعتماد نموذج تنموي جديد يجمع بين التمويل العمومي والاستثمارات الخاصة والمساهمات الخيرية والتكنولوجيا الحديثة، وفق الأولويات الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة، مع الحرص على تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
وأوضح أن مستقبل التنمية لم يعد مرتبطاً بحجم التمويلات المعبأة وحده، بل بقدرة المؤسسات الدولية والحكومات على تحويل هذه الموارد إلى مشاريع منتجة وفرص شغل مستدامة، خاصة في البلدان التي تعرف نمواً ديمغرافياً سريعاً وارتفاعاً في الطلب على الخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، توقف رئيس البنك الدولي عند التحولات الديمغرافية المرتقبة، مشيراً إلى أن نحو 1.2 مليار شاب سيبلغون سن العمل خلال السنوات المقبلة، في وقت يُتوقع فيه إحداث حوالي 400 مليون فرصة عمل فقط، وهو ما يطرح تحدياً كبيراً أمام الحكومات والمؤسسات المالية الدولية لتقليص الفجوة بين أعداد الوافدين إلى سوق العمل والوظائف المتاحة.
وشدد على ضرورة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على خلق فرص اقتصادية واسعة، وفي مقدمتها الطاقة والبنيات التحتية والصحة والمياه، فضلاً عن دعم المقاولات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، باعتبارها من المحركات الأساسية للنشاط الاقتصادي والتشغيل.
كما أبرز أهمية تعبئة رؤوس الأموال الخاصة وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، معتبراً أن الموارد العمومية والتمويلات الميسرة تظل ضرورية، خصوصاً في البلدان الأكثر هشاشة، بينما ينبغي أن يتعزز دور الاستثمار الخاص تدريجياً مع تطور الاقتصادات وتحسن قدرتها على استقطاب التمويلات.
وكشف البنك الدولي، في سياق عرض حصيلة أنشطته، عن تعبئة نحو 112 مليار دولار من رؤوس الأموال الخاصة خلال السنة المالية 2026، في إطار جهوده الرامية إلى توسيع تمويل المشاريع التنموية وتشجيع الاستثمار في الاقتصادات الصاعدة والنامية.
ومن جهة أخرى، خصص بانغا جانباً من مداخلته لدور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحسين فعالية السياسات التنموية، داعياً إلى توظيف هذه الأدوات في تقديم حلول عملية تستجيب للاحتياجات المحلية، وتساعد على توسيع الاستفادة من الخدمات وتعزيز الإنتاجية وخلق فرص اقتصادية جديدة.
وتندرج هذه التوجهات ضمن جهود مجموعة البنك الدولي لإعادة صياغة تدخلاتها التنموية، من خلال تعزيز سرعة التنفيذ والفعالية وتكثيف التعاون مع الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية.
وتأتي هذه الدعوات في سياق دولي يتسم بتزايد الضغوط على المالية العمومية وارتفاع أعباء الديون وتراجع بعض مصادر المساعدات التنموية، ما يعزز الحاجة إلى البحث عن صيغ تمويلية أكثر تنوعاً وقدرة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
واختتم رئيس مجموعة البنك الدولي رسالته بالتأكيد على ضرورة الانتقال من الطموحات والتعهدات إلى تحقيق نتائج تنموية واسعة النطاق، بما يتيح للأجيال الجديدة الاستفادة من فرص العمل والخدمات الأساسية، ويجعل من التنمية أداة فعلية لتحسين ظروف العيش والحد من الفقر.
وتعكس هذه المداخلة توجهاً نحو جعل التشغيل والاستثمار والإدماج الاقتصادي في صلب أولويات العمل التنموي الدولي، في ظل التحولات الديمغرافية والتكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم.