وجهة نظر

سوس العالمة… من جغرافيا المكان إلى عبقرية الإنسان بقلم: هشام فرجي

   ثمة أماكن نزورها فتعجبنا، وأماكن نقيم فيها فتألفها أرواحنا، وأماكن أخرى تظل تسكننا حتى بعد أن نغادرها، كأنها أضافت إلى ذاكرتنا شيئا من روحها، وإلى نظرتنا إلى الحياة نافذة جديدة. وأحسب أن سوس، بما تختزنه من جمال جغرافي وعمق حضاري وثراء إنساني، تنتمي إلى هذا الصنف الأخير.

لم تتشكل علاقتي بسوس من خلال زياراتي المتعددة لمدينة أكادير وحدها، وإن كانت هذه المدينة قد استأثرت بنصيب كبير من إعجابي، بطبيعتها وموقعها وإيقاع الحياة فيها. لقد بدأت العلاقة من الميدان، حين عملت معلما في تارودانت، ثم امتدت تجربتي المهنية إلى إمنتانوت، حيث اشتغلت مديرا تربويا. وبين التجربتين، وما تخلل مساري من زيارات ولقاءات، أخذت تتكون لدي صورة أكثر عمقا عن هذا المجال المغربي الغني بتنوعه وامتداداته.

في أكادير، تستوقفني الجغرافيا وهي تصوغ لوحة تجمع البحر والجبل والمدينة، وتمنح المكان انفتاحا على آفاق متعددة. غير أن جمال أكادير، في نظري، يتجاوز المشهد الطبيعي والعمراني؛ فخلف المدينة الحديثة ذاكرة منطقة عريقة، وشبكات من العلاقات الإنسانية والتجارية والثقافية تصل حاضرها بماضيها، وتربطها بمدنها ومجالاتها المجاورة.

وفي تارودانت، يتخذ التاريخ ملمسا مختلفا. هناك تشعر بأن الزمن ترك بصماته في المكان، وأن الأسوار والأزقة والذاكرة المحلية تحفظ فصولا من تاريخ المغرب. أما إمنتانوت، فقد منحتني تجربة أخرى في فهم المجال والإنسان، وأكدت لي أن خصوصية كل منطقة تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، وفي علاقة السكان بأرضهم، وفي طريقتهم في تدبير شؤونهم وبناء روابطهم الاجتماعية.

ولعل ما يجمع هذه المجالات هو ما يتجاوز حدود الخرائط الإدارية. فالعلاقات التجارية والثقافية والإنسانية تصل بينها في نسيج متداخل؛ تتحرك السلع، وتتلاقح الأفكار، وتنتقل العادات والخبرات، وتظل الروابط العائلية والاجتماعية جسورا تصل الناس بعضهم ببعض. وأكادير، بما لها من مكانة اقتصادية وحضرية، تمثل إحدى الواجهات البارزة لهذه الحركة، فيما تحتفظ مدن ومناطق أخرى بأدوارها التاريخية والثقافية والاجتماعية في تشكيل هوية المجال.

ومن هنا أفهم عبارة «سوس العالمة». إنها تحيل إلى رصيد علمي عريق، وإلى تقاليد في التعلم والتعليم حفظتها المدارس العتيقة، وأسهم فيها العلماء والفقهاء والباحثون وطلبة العلم. إنها ذاكرة ارتبطت بالكتاب والمسجد والمدرسة، وبالرحلة في طلب المعرفة، وبالعناية باللغة والفقه وسائر العلوم التي ازدهرت في سياقات تاريخية مختلفة.

ويكتمل هذا الرصيد بما تمثله الثقافة الأمازيغية من مكون أصيل في هوية المنطقة، بما تحمله من لغة وذاكرة شفوية وقيم اجتماعية وتقاليد في التعبير والإبداع. فالحضارة هنا ليست أثرا محفوظا في المتاحف وحدها؛ إنها حياة تستمر في اللغة، وفي الأمثال والحكايات، وفي أنماط التضامن والعمل، وفي قدرة الأجيال على نقل الموروث وتطويره.

وقد منحتني تجربتي المهنية فرصة الاقتراب من الإنسان في فضاء العمل اليومي. فالمعلم والمدير التربوي يكتشفان، بحكم الممارسة، أن فهم المجتمع يبدأ من الإنصات إلى أهله، ومعرفة انتظاراتهم، واستيعاب ظروفهم وطموحات أبنائهم. ومن هذه الزاوية، أصبحت علاقتي بسوس أعمق من إعجاب عابر بجمالها؛ لقد صارت علاقة معرفة ومعايشة وتقدير.

إن الإنسان السوسي، مثل كل إنسان، لا تختصره صفة واحدة، غير أن ما يلفت الانتباه في صورة المنطقة وتاريخها هو حضور العمل والتجارة وروح المبادرة، إلى جانب الاعتزاز بالهوية والارتباط بالمعرفة. وهي عناصر تستحق القراءة في سياقها التاريخي والاجتماعي، بعيدا عن الأحكام الجاهزة، وبما يسمح بفهم الظروف التي أسهمت في تشكيلها.

وكلما عدت إلى أكادير، وجدتني أقرأ المدينة بعين مختلفة. عين تستحضر تارودانت بما تحمله من ذاكرة، وإمنتانوت بما منحته من تجربة مهنية وإنسانية، وتستحضر سوس باعتبارها فضاء متنوعا تتكامل فيه المدن والمجالات والطاقات البشرية. فالمكان، حين نعرفه من الداخل، يصبح أوسع من صورته، وأكثر ثراء من الانطباع الأول الذي يتركه في نفوسنا.

ولعل أجمل ما تمنحنا إياه هذه التجارب أنها تعلمنا أن المغرب لا يُقرأ من مركز واحد، ولا تُفهم شخصيته من خلال مدنه الكبرى وحدها. ففي مناطقه المتعددة تتجلى وجوه مختلفة من عبقريته الحضارية، وتتكامل روافده اللغوية والثقافية والتاريخية لتصنع وحدة غنية بالتنوع.

لهذا تظل سوس بالنسبة إليّ أكثر من وجهة أحب العودة إليها. إنها تجربة مهنية وإنسانية، وفضاء للتأمل في علاقة الإنسان بالأرض، وفي قدرة المعرفة والعمل والذاكرة على صناعة هوية متجددة.

سوس العالمة؛ أرض تحمل في ذاكرتها دروس الماضي، وفي إنسانها طاقة الحاضر، وفي أجيالها الصاعدة أملا في مستقبل يجعل من العلم والمعرفة طريقا إلى التنمية والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى