ثقافة و فن

أنوار حساني يستحضر قسوة الواقع بالكوميديا السوداء في مسرحيته الجديدة «دار بلا رحمة»

الحنبلي عزيز –تنوير | متابعة

 يستعد الفنان المغربي أنوار حساني للقاء جمهور المسرح بمختلف المدن المغربية، من خلال عمله الجديد «دار بلا رحمة»، الذي تولى اقتباسه وإخراجه لصالح فرقة محترف موليير للإبداع، في تجربة فنية تمزج بين الكوميديا السوداء والتشويق الدرامي، وتفتح باب التساؤل حول العلاقة المعقدة بين القهر الاجتماعي والعنف الإنساني.

ويستمد العرض مادته الحكائية من القصة الشهيرة «ريا وسكينة»، التي يعيد المخرج توظيفها برؤية مسرحية جديدة، لا تكتفي باستحضار أحداث الجريمة والإثارة، بل تنفذ إلى أعماق الشخصيات ودوافعها النفسية والاجتماعية، في محاولة لفهم التحولات التي قد تدفع الإنسان من موقع الضحية إلى ممارسة العنف على الآخرين.

ويختار أنوار حساني الكوميديا السوداء وسيلة للتعبير عن هذه التناقضات، حيث يتحول الضحك من مجرد لحظة ترفيه عابرة إلى أداة فنية لكشف واقع اجتماعي مثقل بالتهميش والحرمان والخيبات المتراكمة.

ومن خلال مواقف ساخرة ومفارقات درامية، يسلط العمل الضوء على هشاشة الإنسان حين يجد نفسه محاصراً بظروف قاسية، ويطرح أسئلة حول الحدود الفاصلة بين البراءة والجريمة، والعدالة والانتقام، والضحية والجلاد.

ولا يقدم العرض، وفق تصوره الفني، تفسيراً جاهزاً للسلوك الإنساني، بقدر ما يدعو المتفرج إلى التفكير في تأثير الظروف الاجتماعية والنفسية على اختيارات الأفراد، وكيف يمكن للألم المتراكم أن يتحول إلى قسوة عندما تغيب سبل الإنصاف وتضيق فرص الخلاص.

وتراهن المسرحية على الأداء الجماعي لطاقم من الممثلين، يضم أنوار حساني وزكرياء أشكور وأمينة صاديقي وابتسام مرزوقي وليديا فرح وعبد الهادي علوكي، في تجربة تسعى إلى تحقيق الانسجام بين الأداء التشخيصي والإيقاع الكوميدي والتوتر الدرامي.

وعلى المستوى التقني والجمالي، يتولى محمد مغفول تصميم الإضاءة، والطيب بن الزوين المؤثرات الصوتية، فيما تشرف الحسنية مبشور على تصميم الملابس، ويتكلف عبد الحميد حساني بالمحافظة العامة، في اشتغال جماعي يروم بناء فضاء ركحي يخدم الأجواء النفسية والبصرية للعمل.

وتكتسي العناصر التقنية أهمية خاصة في هذا النوع من العروض، بالنظر إلى دور الإضاءة والصوت والملابس في الانتقال بين لحظات الضحك والتوتر، وإبراز التناقض بين ما يبدو على سطح الأحداث وما تختزنه الشخصيات من صراعات داخلية.

ويأتي هذا الإنتاج في سياق توجه عدد من التجارب المسرحية المغربية إلى توظيف الكوميديا لمعالجة قضايا اجتماعية وإنسانية تتجاوز حدود الترفيه، من خلال أعمال تضع المتفرج أمام أسئلة ترتبط بالعنف والهشاشة والكرامة الإنسانية.

وتسعى فرقة محترف موليير للإبداع، من خلال الجولة الوطنية المرتقبة، إلى تقريب هذا العمل من الجمهور المغربي وإتاحة الفرصة للتفاعل المباشر مع تجربة تجمع بين الفرجة والتأمل، وتستثمر الحكاية المعروفة لإنتاج قراءة مسرحية معاصرة.

وبين السخرية والألم، تقدم «دار بلا رحمة» نفسها بوصفها عملاً يراهن على قوة المسرح في مساءلة المجتمع وكشف تناقضاته، عبر حكاية قد تبدو مضحكة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها أسئلة مؤلمة عن الإنسان حين تضيق به الحياة.

ويبقى السؤال الذي تسعى المسرحية إلى وضعه أمام جمهورها: هل يولد الإنسان قاسياً بطبيعته، أم أن القهر والظلم وتراكم الخيبات هي التي تدفعه أحياناً إلى التحول من ضحية للعنف إلى ممارس له؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى