حوارات
جريدة “أنوال” تحاور الفقيد عبد السلام المؤذن حول تفاصيل اختطافه يوم 19 مارس 1992.
في عددها 723 أجرت جريدة "أنوال" حوارا مع الفقيد عبد السلام المؤذن ، عضو الكتابة الوطنية لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي آنذاك ، والصحفي التقدمي بجريدة "انوال " الناطقة باسم المنظمة (انذاك) ، وشغل كثيرا اختطاف عبد السلام المؤذن في ذلك الوقت أوساط الرأي العام الوطني والديمقراطي ، لما انطوت عليه تلك العملية الارهابية من مخاطر استهدفت – تبعا لحسابات الآمرين والمنفذين – خط النضال الديمقراطي في المغرب . تلك العملية الارهابية ، منذ الإعلان عن واقعتها ، وموقف الاحتجاج والاستنكار ، ترد على جريدة "أنوال " في ذلك الوقت ، وامام انشغال أوساط الراي العام الديمقراطي بتلك الواقعة ، أجرت "أنوال" حوارا مع الرفيق عبد السلام المؤذن للوقوف على تفاصيل اختطافه كما عاش ظروفه وملابساته وللتعرف على أبعاد العملية في تلك الظرفية السياسية .

** أنوال : عملية الاختطاف التي استهدفت الرفيق عبد السلام المؤذن ، عضو الكتابة الوطنية لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، وعضو هيئة تحرير” أنوال ” ، شغلت كثيرا الرأي العام الديمقراطي والتقدمي ، وطرحت لديه العديد من الأسئلة حول ما تكتسيه من طابع يذكرنا بالماضي الأسود ، فما الذي جرى بالضبط في هذه العملية الشنيعة وما هي الظروف والملابسات التي تمت في سياقها ؟ .
** عبد السلام المؤذن : الذي حصل بالضبط ، هو أنه يوم الخميس 19 مارس ( من سنة 1992 ) ، حين خرجت من البيت على الساعة السابعة والنصف صباحا ، وعلى بعد حوالي مائة متر ، سمعت شخصا بداخل سيارة ” فاركونيت ” بيضاء ينادي علي باسمي ، اعتقدت في البداية أني اعرفه ويعرفني ، فتوجهت صوب السيارة ، لكن فور وصولي ، فاجأني ثلاثة اشخاص حيث ارتموا علي، وأشهروا في وجهي خنجرا كبيرا ، هؤلاء الأشخاص شباب، تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والاربعين سنة ، يحملون نظارات سوداء واللحى تميز وجوههم ، وضعوا العصابة على عيني وأجبروني على ركوب السيارة التي انطلقت في اتجاه مجهول، وحوالي نصف ساعة من السير وقفت السيارة وأنزلوني معصب العينين ، أحدهم يشدني من ساعدي الأيسر وآخر من ساعدي الأيمن ، واقتادوني بمسافة طويلة، شعرت معها أن أقدامي لم تعد تطأ أرضا صلبة وإنما عشبا ، بعد ذلك أدخلوني إلى قاعة وأجلسوني على كرسي ، معصب العينين. والجدير بالذكر أنه في كل هذه اللحظة من اختطافي من أمام البيت، مرورا بالطريق حتى وصولي إلى القاعة وجلوسي على الكرسي ، لم يوجهوا إلي ولو سؤالا واحدا ، ومنذ جلست على الكرسي بقيت أنتظر لكي يجروا معي تحقيقا او شيئا من هذا القبيل ، فلم يتم … كما أنهم لم يستعملوا معي لا عنفا ولا وجهوا لي شتائم أو سبابا، وبقيت في هذا الوضع معتقدا أنهم يتواجدون معي في القاعة ، وحين طال الوقت وأحسست بانعدام الحركة ، أزحت قليلا العصابة من عيني ولا حظت بأني أوجد وحيدا وليس معي احد، آنذاك قمت لأتامل القاعة ، وجدتها كبيرة الحجم نسبيا ومطلية بطلاء أزرق سواء الجدران أو السقف ، نوافذها منزوعة وفي ركن معين ثمة كوة يدخل منها الهواء ، لاحظت أن الإضاءة مشتعلة ، وحين تأكدت من أني وحيد في القاعة ، تحركت داخلها فرأيت حماما ومرحاضا ودوشا . هذا بالنسبة للمرحلة الاولى .
المرحلة الثانية : بقيت في القاعة منذ لحظة اختطافي صباحا حتى حوالي السابعة ونصف مساء من نفس اليوم .. لم ينزعوا عني محفظتي وساعتي اليدوية. في هذا الوقت بالذات سمعت خطوات متجهة نحوي كما سمعت الباب ينفتح ، فأرجعت العصابة إلى عيني، دخلوا وسلموني ” كوميرة ” وعلبة سردين مفتوحة ، ولما أكلت ، أخذوني بنفس الطريقة، معصوب العينين طبعا، ومشينا فوق العشب وبعدها فوق أرض صلبة ثم أدخلوني إلى سيارة ” الفاركونيت ” شبيهة بالسيارة التي حملتني في البداية، وانطلقت السيارة باتجاه كانت مسافته طويلة استغرقت حوالي ثلاث ساعات في تقديري. لاحظتأثناءها أن السيارة تسير في طريق غير الطريق السيار ، حيث أسمع السيارات تمر بالاتجاه المعاكس. بعد ذلك توقفت السيارة ما بين الحادية والثانية عشرة ليلا ، وأنزلوني منها ، قطعنا مشيا مسافة مشابهة للمسافة التي مشيت فيها بالمكان الاول: أرض صلبة وعشب. أدخلوني إلى قاعة وأجلسوني على كرسي من دون أن يوجهوا لي أي كلام او اسئلة استنطاقية … وأنا جالس على الكرسي ، اعتقدت أنهم مازالوا معي في القاعة ، وبعد مرور الوقت ، وكما المرة السابقة ، أزحت قليلا العصابة من عيني . فوجدت نفسي وحيدا بالقاعة التي لاحظتأنها تحمل نفس خصائص القاعة الأولى من حيث الحجم والشكل واللون والحمام والدوش والمرحاض والكوة ، كأنها نفس القاعة، مما جعلني أعتقد أن مسافة ثلاث ساعات التي قطعناها بالسيارة كانت مجرد سير تمويهي داخل نفس المدينة، وبقيت في هذه القاعة طيلة يوم الجمعة من الصباح حتى الليل ، ويوم السبت من الصباح حتى حدود الساعة السابعة مساء. في هذا الوقت بالذات وبينما أنا وحدي في القاعة ، سمعت حديثا بدا لي أنه صادر عن أشخاص كانوا يتحدثون خارج القاعة، وما التقطته أذني بالضبط هو أن أحدهم قال بالحرف ” نصفيو مو ” حين سماعي لهذا الكلام حاولت أن أصغي لرد الآخرين عليه ، إلا أن الأصوات كانت خافتة جدا ولم تتمكن مسامعي من التقاطها ، بعد ذلك مباشرة، دخلوا عندي وسلموني – كالمرة السابقة – “كوميرا” وعلبة سردين مفتوحة ، وأكلت بعد يومين من الجوع ، وهذه ثاني وجبة أتناولها منذ اختطافي صبيحة يوم الخميس. لما انتهيت من الأكل اقتادوني بنفس الطريق معصب العينين وأقدامي تطأ العشب ثم ارضا صلبة، وأدخلوني السيارة. انطلقت وبعد حوالي نصف ساعة من السير، توقفت. أنزلوني كالعادة لكن هذه المرة أجلسوني على الأرض بدل الكرسي ، لاحظت في هذه الأثناء أن محرك السيارة مازال يشتغل وأن السائق مرة يزيد في السرعة ومرة ينقصها ، مما جعلني أستنتج بأن هناك من يركب السيارة فيما الآخرون يحيطون بي ويراقبونني دون أن يتحدثوا لا معي ولا مع أنفسهم ، وبعد لحظة أقلعت السيارة بسرعة جنونية .
اعتقدت أن الأمر يتعلق بذهاب البعض وببقاء البعض الآخر يتابع مراقبتي … وأمام سيادة صمت رهيب ومطلق ، خطر ببالي ما سبق أن ما سمعته عن تصفيتي ، وأنا بداخل القاعة ، ظننت أنها لحظة تنفيذ عملية اغتيالي … لكن مع قرارة نفسي لم يكن اعتقادي قويا بأنهم سوف يصلون الى اغتيالي فعلا ، لان لدي شعورا داخليا بالاطمئنان إلى أملي في أن لا أموت من قبل أن تتحقق الديمقراطية في البلاد . هذا الاحساس الذي يستبد بي هو الذي خفف عني. طالت هذه اللحظة ربما أزيد من ساعة. تذكرت ما وقع لي في القاعة حينما اعتقدت وأنا معصب العينين أنهم معي، إذ ذاك أزحت العصابة عن عيني، فوجدت نفسي في الخلاء وقمت من على الأرض لأتمشى وأحاول التعرف على المكان … وبعد بضعة أمتار من المشي، خيل إلي أن المنطقة التي أوجد فيها هي منطقة جبل “كليز” بمراكش المعروفة باسم ” كدية العبيد ” ، فلم أصدق نفسي لأنني كنت أعتقد أني مازلت بالدار البيضاء . وهنا حصل لدي التباس وتساؤلات هل أنا في الدار البيضاء أم في مراكش نظرا للتشابه المطلق بين القاعة الأولى والثانية ؟ وبقيت أتمشى إلى أن وصلت مقهى ” لارونيصونص ” بكيليز ، عندها تأكدتأنني فعلا بمراكش .


