أخبار وطنية

سعيد يقطين : محمد مفتاح العصامي العالم

سعيد يقطين
غادرنا إلى دار البقاء الباحث المغربي محمد مفتاح يوم 9 مارس/آذار 2022. لا نميز عادة بين الحياة والموت إلا حين يغادرنا بعض من نحب، لأن انخراطنا في الحياة ينسينا أن هناك موتا. وما سمي الإنسان إلا لنسيانه. ما أصعب أن يفارقنا من كنا نجالسه، ونباسطه، ونستفيد منه حين نصبح ندرك أننا لن نراه أبدا. صحيح لا يبقى لنا منه سوى ما كان يجمعنا به من ذكريات، وإن كانت آثاره التي تركها بين أيدينا تجعلنا على تواصل وتفاعل معه.
كنت أتردد دائما على مقهى إكسيليسيور في قلب الدار البيضاء بعد شراء الجرائد والمجلات من كشك الصحراوي بقصد تصفحها. وكنت كثيرا ما ألتقي هناك بمثقفين وكتاب من المغرب أو الوطن العربي. ذات يوم من سنة 1981، وجدت على طاولة محمد مفتاح كتابا كان يطالع فيه. عندما كشف لي عنه لم أر سوى دروس أولية لتعلم الإنكليزية.
وكان هذا الدرس الأول والأعمق الذي تعلمته منه وأنا في المقهى. تعتبر مناقشة الدكتوراه عادة نهاية مسار الأستاذ الجامعي. لكن مع محمد مفتاح كانت بداية بدايات متجددة، ولا نهاية لها إلا بالوفاة. وكانت تلك أولى ميزاته التي يختص بها دون غيره، والدرس الثاني الذي تعلمته منه مباشرة، ومن مؤلفاته. في السنة نفسها صدر كتاب أعمال ندوة في كلية الآداب في الرباط حول اللسانيات والسيميائيات. ولم تجر بخصوص السيميائيات سوى أعمال مائدة مستديرة، كان الجميع فيها يريد أن يعرف ما هي؟ وفي الموسم الدراسي الموالي كانت مادة السيميائيات مادة يدرّسها لطلبة السنة الرابعة من الإجازة في كلية الآداب في الرباط. فمن أين له هذه القدرة على الالتقاط، والانخراط في ما يظل أغلب معاصريه بمنأى عنه أو حتى التفكير فيه؟
تلقى التعليم التقليدي العتيق، وظل يواصل العمل حتى ارتقى إلى التدريس في الجامعة، ولم يكن تخصصه إلا صورة عن الأستاذ التقليدي، الذي يدرس مواد الأدب القديم (الأندلسي) والذي تفرض عليه الضرورة الاصطفاف إلى جانب أساتذة الأدب القديم، ضد أساتذة الأدب الحديث، الذين يتبنون المناهج الحديثة، ويدرسون الشعر والرواية أو اللسانيات، لكن مفتاح لم يكن مع أحد ضد أحد. يمتلك الثقافة العربية الكلاسيكية في جوانبها الأصيلة النحو والبلاغة والمنطق، وينفتح على الدراسات الغربية الحديثة، بل الجديدة. كان الجميع يراه منخرطا في مساره. ومن هنا كانت حياديته في الصراع بين «القدماء» و»المحدثين» التي جعلته يتعإلى على الصراع داخل الشعبة، وينحاز إلى «العزلة» الشاقة في صحبة جديد النظريات، ومعاودة النظر في أصول الثقافة العربية بتصور جديد ومختلف.
جاء كتابه «في سيمياء الشعر القديم» (1982) ليكون مدخلا لتحليل قصيدة أندلسية سيميائيا. فكان النص قديما والعدة النظرية جديدة. وتتوإلى إصداراته على المنوال نفسه، فكل كتاب جديد له يكشف عن معدن لا يجارى ولا يقارن: مواكبة جديدة للنظريات الغربية، وأكثرها دقة وصرامة، وصعوبة، ويعمل على تذليلها بعد الاستفادة منها في تحليل النص العربي، وبين الفينة والأخرى يتعامل مع بعض النصوص العربية الحديثة. كان ينتقي من التصورات والاجتهادات التي يتعامل معها بدقة، ويستفيد منها، آخذا بمبدأ التحرر منها، مختطا لنفسه طريقا خاصا في توليد المفاهيم ونحتها وتفريعها. ومن هنا تأتي صعوبة قراءته بالنسبة للقارئ الذي لا يريد أن يبذل، ولو ثلث المجهود الذي بذله المؤلف في سبيل تأسيس مشروعه، وصياغته.
وكما انخرط، بعد حصوله على الدكتوراه في تعلم الإنكليزية، ليواكب جديد الاجتهادات بعد اقتناعه بقصور الفرنسية عن ذلك، ارتأى أن يتخذ له أستاذا خاصا لتعليم الموسيقى، فكان كتابه: «مفاهيم موسعة لنظرية شعرية: اللغة- الموسيقى-الحركة» (2010) استشرافا لنوع آخر من الدراسة المفتوحة على مجالات غير أدبية. وهكذا ظل كلما أصدر كتابا جديدا كان يحمل في ثناياه رؤية مغايرة، وتطلعا مختلفا لما يمكن التعامل معه في فهم وتفسير الظاهرة الأدبية وتأويلها في تعالقاتها المتشعبة مع التجربة الإنسانية في مختلف تجلياتها. وكان رغم تعدد خلفيته المرجعية والمعرفية، وما تزخر به من اتساع على مختلف العلوم والمعارف ينطلق في رؤيته من تصور كوني وإنساني في العلاقات بين الناس. كان كثيرا ما يمدني، وغيري من زملائه، بمؤلفاته، ولم تتح لي فرصة اللقاء به لتسلمي كتابه الأخير «فلسفة النقد: مقاربة مركبة» (2020).
تعرفت بعد أواسط الثمانينيات على محمد مفتاح عن كثب، فدرسنا في سلك تكوين المكونين، وكان في لجنة مناقشتي لنيل دبلوم لدراسات العليا، واخترته للإشراف على أطروحتي لنيل الدكتوراه، وشاركتُ في الموائد المستديرة التي كان ينسقها مع أحمد بوحسن في مدينة مراكش، التي استدعي إليها علمان بارزان من ألمانيا: إيزر، وشميث، وطبعت حصيلة هذه الندوات، فكان أن لمست فيه شخصا متميزا على كل المستويات، صادقا ومتواضعا في تعامله ومعاملاته، يكره التبسيط والاختزال، والتسرع، وصارما مع نفسه.
لم يكن عند مفتاح هاجس تأسيس مدرسة بسبب غياب المؤسسة. ألا يمكن للمشتغلين بالسيميائيات الآن أن ينطلقوا من أرضيته لبناء صرح سيميائيات عربية؟
كاتب مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى