وجهة نظر

أحمد الخمسي في قلب الأوضاع(15):قراءة في مقترحات الاستاذ عبد الواحد حمزة في مقال نقض أسس ممارسة سياسية “كائنة” لاستنهاض قوى تغيير “كامنة”

تساءل الاستاذ عبد الواحد حمزة في نهاية مقالته، تحت العنوان أعلاه، كما يلي:

“أليست النخب المغربية أمام طريقين اثنين، إما الإمساك بالمضمون اليساري الكامن في الحركة الاجتماعية وبلورته سياسيا وأدائيا وبعقلية ممارسة جديدة، وإما الاستكانة لمنطق الاستقرار في وضعية “البقاء كهدف” والسير البطيء صوب فرصة للتدبير؟” هذه مفارقة اليسار الكبرى.

إذا اعتبرنا التساؤل المركزي أمام النخب المغربية كلها هو المطروح أعلاه، نأتي الآن فقط لنذكّر كون اليسار لا يشكل من حيث المشاريع المجتمعية المطروحة سوى واحد من بين ثلاثة مشاريع متنافسة: المشروع الليبرالي والمشروع الأصولي والمشروع اليساري.

وإذا دمجنا الرؤية النقدية لتجربة اليسار في الحياة السياسية للمغرب، فسوف نذكّر مرة أخرى أن 90 في المائة من شعب اليسار انتقل من يسار الثورة إلى يسار الإصلاح.

ويسار الثورة  الذي اكتفى- في الماضي- بالاقتباس الجاهز من تجارب اشتراكية القرن العشرين([1])، ألغى سقوط الاتحاد السوفياتي كل برنامجه السياسي.فدكتاتورية البروليتاريا والعنف الثوري، إذا لم يكن فهمهما بذهنية التقديس المعمول به في النصوص الدينية، فقد استخلصت الشعوب خلال القرن العشرين الطابع المدمر للعنف وللدكتاتورية. فلم يعد أحد يستطيع الافتخار بكونه يستعمل العنف أو الدكتاتورية في السياسة، باستثناء حالة الاحتلال الاجنبي. مثل رد المقاومة الفلسطينية على المخطط الصهيوني الاستئصالي.

وبالتالي، ها هو اليسار اليوم، لم  يعد أمامه سوى الطريق الإصلاحي. نعم جشع الرأسمالية يجعله طريقا ضيق الممر ، لكنه في جميع الأحوال الطريق الأوحد. أوحد منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. فأصبحت المعادلة الحتمية كالتالي:من يعجز عن إقناع الناس بممارسة سياسية تحفظ للناس حياتهم وتجري تحت سقف الدولة نفسها عبر الوسائل القانونية، كيف يمكنه أن يدفعهم للقتال وقد ظهرت نتائج الثورات كلها بمفارقتها بين التضحيات الضخمة مقابل السقوط من بعد.

لم تكن السلطة في يوم ما مستعدة لتوسيع طريق المرور الى الحكم لفائدة اليسار. ثم وقد انفتح الطريق أمام المشروع المحافظ التراجعي في الشرق (بعد الثورة الايرانية 1979) كما في الغرب (منذ وصول تاتشر وريغان الى السلطة في انجلترا وامريكا 1980).

 

مما أنعش الحركات الدينية في الشرق (تنافس السنة مع الشيعة) بعد إضافة التوجه السلفي السعودي الى التوجه الاخواني المصري عبر حركة المجاهدين الافغان. وكان للمغرب قسطه من هذا التحول (الشبيبة الاسلامية والعدل والاحسان وجمعية التبليغ).

لا ننسى أن تحول منظمة 23 مارس المغربية من العمل السياسي السري الى العمل السياسي العلني في صيغة منظمة العمل كان فهما استراتيجيا للتحول العالمي والاقليمي والمحلي الذي جرى والذي كان قد أصبح خطرا على المنطقة بكاملها. فقد فهم قادة المنظمة ساعتها التحدي الذي برز أمام المجتمع والدولة “التبعية”.

ولأن الدولة ذات حلفاء غربيين ذوي مصالح ثابتة في المغرب منذ تحول العالم الى سوق واحدة مع اتساع الاستعمار، فقد تبنت سلطة الدولة بعد الاستقلال الدفاع عن الغرب ومعه التوجه الراسمالي في الاقتصاد واسلوب إدارة الحياة السياسية.

ولأن الدولة المغربية ككل دولة في كل بلد، يهمها الاستقرار السياسي لفائدتها. أما تكلفة بقاء الملكية في المغرب مقابل سقوط الملكية في كل البلدان الاسلامية باستثناء السعودية، فقد وعاه ملوك المغرب، وبذلوا الجهد الضروري من أجل الاستقرار السياسي في ظل الاستمرارية التاريخية بعدما أغلق قوس الاستعمار منتصف القرن العشرين.

نجاح الدولة في الحفاظ على المهمتين (الاستقرار والاستمرارية)، رسّخ لفائدة المغرب ثقة الغرب في السلطة. فنجحت في إدارة الحياة السياسية الداخلية وفي استبعاد العزلة الخارجية عن النظام السياسي.

هذان المكتسبان خلطا أوراق الدولة مع أوراق النظام السياسي. وأصبحت المؤسسة الملكية نفسها النظام السياسي. عندما جاء محمد السادس الى الحكم، وجد نفسه أمام اختيارين: إما العودة الى تجربة محمد الخامس بعد الاستقلال الذي أرسى نوعا من الملكية المنفصلة عن تدبير السياسة الداخلية لفائدة حزب الاستقلال مكتفية برفع راية الدفاع عن الشعوب المستعمرة وما يتعلق بسيادة الدولة. وإما الاستمرار في الدمج بين السيادة الخارجية والسياسات العمومية الداخلية، كما كان الأمر في عهد الحسن الثاني.

***

إلى اليوم، لم يناقش أحد تجربة الحكم في عهد محمد الخامس بعد الاستقلال. بحيث ظل اليسار يجترُّ نقد علال الفاسي لاتفاقية اكس/ليبان. وهو اتفاق من حيث المسعى العلالي الاستقلالي على يمين المفاوض الوطني، عبد الرحيم بوعبيد وليس على يساره. بل اتضح أنه ظل غاضبا في عهد محمد الخامس ليندمج في سياق السلطة بمجرد انتقال العرش إلى الحسن الثاني.

كان عبد الرحيم بوعبيد واضحا في جوهر التناقض الرئيسي مع الاستعمار المباشر: عودة الشرعية السيادية ذات الجذور الشعبية: عودة السلطان محمد بن يوسف. وبعد ذلك لكل حادث حديث. التوقف عند هذه المعادلة، جاء صائبا عندما ظهر أن الاستعمار أراد أن يلهي شعوب المنطقة بأنظمة تبعية في المضمون مقابل إرساء أشكال جمهورية جديدة مثل ما جرى في تونس مع بورقيبة سنة 1957. ولنا أن نفهم اليوم، لماذا استبدل المغرب المستقل صيغة السلطان ابن يوسف بصيغة الملك محمد الخامس سنة 1957 نفسها. حتى يؤكد جذور الشرعية الملكية العميقة في التاريخ وبالمناسبة لم تعرف فرنسا استقرارا ملكيا لنفس الأسرة من حيث المدة الزمنية كما عرف المغرب مع عهد العلويين. وهو ما يفسر لنا اليوم، الخبرة والدهاء في تدبير الحكم من طرف القائمين على عرش المغاربة.

إذا حسمنا في حدود ما يمكن الآن بصدد الموقف من إيكس/ليبان، لنعد إلى تجربة حكم محمد الخامس، وكيف سمح بفصل دور الملك عن دور الحكومة بل واستدعى الجناح اليساري في حزب الاستقلال (عبد الله ابراهيم)، ليقرر وينظم وينفذ السياسات العمومية الكبرى المؤسسة للاقتصاد وللعلاقات الاجتماعية بين العمل ورأس المال. فبينما كانت الحكومة توحد العملة الوطنية (الدرهم) بين المناطق الثلاث (الفرنسية والاسبانية والدولية) وترسي قانون الأسرة والمبادئ الأربعة للتعليم والتضامن الاجتماعي (قانون الشغل والانعاش والتعاون)، كان الملك لا يهدأ له بال على الصُّعُد الثلاث: العربي والافريقي والعالم ثالثي. بل جعل الزعيم الآخر من بين قادة الجناح اليساري لحزب الاستقلال (المهدي بنبركة) على رأس البرلمان المؤقت (المجلس الوطني الاستشاري).

في الواقع، بقي محمد الخامس متأثرا ومطمئنا لإخلاص الشعب والنخبة اليسارية في حزب الاستقلال. فقد أهدى الشهيد علال بن عبد الله حياته فداء للشرعية السيادية بعد شهر فقط من نفي السلطان الشرعي محمد بن يوسف. وكذلك كان موقف عبد الرحيم بوعبيد في مفاوضات إيكس/ليبان. آمن محمد الخامس في الموقف والممارسة بثورة الملك والشعب.

في تقريره الايديولوجي للمؤتمر الاستثنائي نسي الاتحاديون هذه الرفقة النضالية لمحمد الخامس مع مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ولعل عشرية الاختيار الثوري والصراع مع السلطة على الحكم ترك “إكراهات” نفسية وسياسية، حالت دون ذلك.

من جانب السلطة الحاكمة، عملت من جهتها على نفور اليسار من مد اليد إليها، بسبب القسوة في تدبير العلاقة مع اليسار الذي أصبح حازما في عدم اللقاء مع السلطة الحاكمة منذ اغتيال المهدي بنبركة. مما دفع حكيم اليسار عبد الرحيم بوعبيد إلى التصريح: “بيننا وبين النظام جثة المهدي بنبركة”.

ليس لليسار ضرورة أكثر حيوية من التذكير بهذه القيمة التاريخية التي جعلت من الملك والشعب والنخبة يسيرون في نفس الاتجاه.

وقد شهدت الأحداث التاريخية الكبرى المفارقة في تعامل فرنسا المجحف مع السيادة المغربية المجسدة في العرش. فقد ظلت تتلاعب بالسلاطين كلما انقلبت موازين القوى داخل المغرب. لكن السلطان ابن يوسف خرج لها من الجانب الذي لم تنتظره. وحسم أمر المطالبة بالاستقلال وانتهى بالسلطة الاستعمارية إبعاده عن العرش، لأنه أعلن منذ 1947 أنه لم يعد راضيا على عقد الحماية. وبدأ يتصرف من خارجه. ولأن موقفه كان سديدا، فقد تلقت السلطة الاستعمارية ضربات مؤلمة خلال السنة الموالية لنفيه. تلقت هزيمة  ديان بيان فو قبل متم السنة الأولى على نفيه. ثم انطلقت الثورة الجزائرية بمساعدة المغاربة انتقاما لنفيه بعد سنة وشهرين واسبوع. علما أن الشعب المغربي كان قد حسم أمره لفائدة السلطان المنفي شهرا فقط بعد النفي من خلال العملية الاستشهادية لعلال بن عبد الله.

يوم نفته فرنسا (20 غشت 53)، كانت أمريكا قد نظمت انقلابا عسكريا (19 غشت 53) لإرجاع الشاه الايراني إلى الحكم. وهذا الحدث أعطى الدليل على اختلاف السلطان المكافح المغربي عن الشاه العميل الايراني. وهو ما يفسّر جزئيا قيام الجهورية اليوم في إيران وصمود الملكية في المغرب على رأس المؤسسات.

إذا كان على اليسار أن يعيد قراءة التاريخ فله ما يكفي من الحجج التي تجعله مغربيا عميق الجذور. شرط أن يتجاوز النظريات الجاهزة والمقتبسة من الغرب أو من المشرق المحافظ.

من هذه الخلاصة في الماضي، يبدأ الكفاح من أجل الملكية البرلمانية. على اليسار أن يتذكر الرفقة النضالية بين محمد بن يوسف وبين الجناح اليساري في الحركة الوطنية وبين أبناء الشعب في جيش التحرير والمقاومة. ولا يبعدنا عن مشروع رفقة جديدة مع الملك سوى سياسة تعميم الفساد لشرعنة الاستبداد اليوم. والكفاح ضد النظام الطبقي وليس ضد شخص الملك. هذا الكلام ليس قط ترديدا للمقولة القديمة الوهمية الميتافيزيقية “الملك مزيان للي دايرين به هوما اولاد الحرام”. وبقدر ما هي بلاغيا صحيحة، بقدر ما تتطلب لتجاوزها تدقيقا علميا في منظومة الحكم الطبقية. والتي تقتضي استتباعها بتحليل ملموس لبنية النظام السياسي وفصله عن الموروث المشترك للمغاربة جميعا: العرش رمز السيادة. مما سوف يعني للمغاربة توازن معادلة الملكية البرلمانية. فهي ليست مجرد برلمانية وهي ليست مجرد ملكية. هي برلمانية ملكية وهي ملكية برلمانية.

يذكر مقال الأستاذ عبد الواحد حمزة ضرورة مراجعة الفكر والتاريخ وضرورة تجديد الخطاب السياسي. لسنا مولعين برمي الورد مجانا في وجه أحد. ولكن لسنا من المسلوخة جلودهم. نحن مغاربة أقحاح بنضالنا. ونضالنا التاريخي لم يستطع جر الشعب الى منظومة الفكر السياسي اليعقوبي الذي يضع الجدار الفاصل بين الديمقراطية والملكية.

وللفرنسيين أن ينشغلوا أولا بما سمّاه ألان بيرفيتle Mal français. وعلى المغاربة الليبراليين أن يتقدموا في اتجاه الفصل بين المنافع الطبقية الأنانية والانتهازية. وعلى المغاربة اليساريين أن يروا وجوههم في المرآة ليجدوا حظهم يوم يحصلون على الأصوات لترؤس الحكومة أن نضالهم لا يتوقف عند التدبير الشكلي، كما أن وجودهم المحتمل على رأس حكومة منتخبة في ظل ملكية برلمانية، لا يعطيهم الحق في تجاوز دور اليسار في كل أنظمة الحكم وهو احترام العقد الاجتماعي والسياسي الذي يوصلهم إلى الحكم.

أليس من حق الملك والملكيين في المغرب أن يشمئزوا من ركوب اليساريين رؤوسهم فيستغلوا اختصاصات البرلمان ليصوتوا على استبدال الملكية بالجمهورية متجاهلين وفاء جزء واسع من الشعب والمؤسسات للملكية؟ لقد ارتكب اليسار الاسباني هذه الخطيئة مرتين: سنة 1873 و1931. وفي المناسبتين عانى الشعب الاسباني من الدكتاتورية. ولليسار أن يتساءل مع نفسه: هل ينتظر ملكا ضعيفا في ظل الملكية البرلمانية؟ مرة أخرى لنا المثال في تاريخ اسبانيا. فعندما أصبح الملك ضعيفا إما صعدت حكومة يمينية بقيادة دكتاتور (بريمو دي ريبيرا) وإما ردّ اليسار المتهور بالتصويت في البرلمان على إرساء الجمهورية. ولما يصوت اليسار على الجمهورية ردّ اليمين بإرساء الدكتاتورية (فرانكو).

اعتبارا لمستقبلالمغرب، و عضة  من دروس التاريخ، واستحضارا التساؤل المركزي المطروح أمام النخب المغربية كلها بصيغة الاستاذ عبد الواحد حمزة، نأتي الآن فقط لنذكّر كون اليسار لا يشكل من حيث المشاريع المجتمعية المطروحة سوى واحد من بين ثلاثة مشاريع متنافسة: المشروع الليبرالي والمشروع الأصولي والمشروع اليساري. هذه هي البوابة الواسعة التي تدمجنا جزءا لا يتجزأ من النخبة المغربية الصاحية. النخبة التي تأبى أن تركب رأسها وتكرر ببغاوية القاموس السياسي الاجنبي بلا تدبر وفي حالة شرود، خارج المسلك الواصل بين مستقبل المغرب وتاريخه عبر نقطة الحاضر.

 

[1]) اقتبس اليسار المغربي وكل يسارات القرن العشرين بدءا من الثورة الروسية والصينية والكوبية والفييتنامية والفلسطينية واليمنية الجنوبية بقاموس جاهز في الفكر السياسي يتلخص في ما عُرِفَ “الماركسية-اللينينية”. بحيث كان كتاب لينين “ما العمل؟” بمثابة برنامج عمل جاهز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى