وجهة نظر

أحمد حبشي:الوطنيون المغاربة التحديث وأزمة الحداثة للأستاذ مصطفى بوعزيز

في إعادة لترتيب الزمن المغربي وتدقيق تفاصيل وقائعه ، يستعيد الأستاذ مصطفى بوعزيز في مؤلفه “الوطنيون المغاربة في القرن العشرين” أقوى اللحظات المفصلية في تاريخ  المغرب المعاصر، في محاولة لتوضيح السياقات التي حكمت تطور واقع منكفئ تحاصره معيقات بنيوية ، تكبح كل محاولات التجاوز والانصهار في لحظة فارقة من تاريخ البشرية، والتي شكلت مدخلا لمسار نوعي  من العلائق كان لها أكبر الأثر في تفكيك البنيات الاجتماعية وتغيير سمات المظاهر المجالية ، وفي ربط كل قضايا البلد بما يحشرها في أنماط إنتاج مختلفة شديدة التعقيد وكثيرة التشعبات . احتكاك ثقافي وحضاري فجر أشكالا من الاصطدام في البنيات المجتمعية والإنتاجية في مغرب يحاول أن يستوعب المآلات التي أصبحت تتربص به وتحشره في دينامية تحكمها مكنزمات يصعب التأثير فيها .

في استقراء لكل ذلك كان لا بد في تقدير الأستاذ بوعزيز من منهجية علمية ، قادرة على البحث في المعتقد الهوياتي والأصول التاريخية  لكل ردود الفعل ، التي شكلت أحداثا متتالية أعطت للصراع طابعه الخاص والمتميز في محوريه التأصيل والانخراط في المستجدات ، وما كان لذلك أن يستقيم دون العمل على تفكيك كل مكونات الواقع ومستوى تأثير الفاعلين فيه. فكان المدخل لبسط النقاش وتشريح المعطيات هو السؤال الإشكالي العميق.  ” لماذا لم تتوفق الانتجلنسيا الوطنية الحديثة المغربية ، طيلة قرنيين تقريبا في إحداث قطيعة مع المحافظة كثقافة وكسلوك سياسي “  هذا الإقرار بفشل النخبة فيه تأكيد على دورها الحاسم في تحديد سمات الصراع  وأفاق تطوره ، في مجتمع ارغم على الخروج من قوقعته والإلحاق بمنظومة تختلف في معطياتها ومكونات بنياتها ، ولا تتناسب وإيقاع تطوره البطيء. فقد كان للنخبة موعد مع التاريخ لتحقيق التفاعل المنتج في تماس مع الوافد من ثقافات أخرى ، في سعي لحماية الثوابت التي تصون الهوية والخصوصية المجتمعية .

فالكتاب في جزئيه يعرض بالكثير من التفاصيل ما اعترى المجتمع من جدل وصراع في محاولة لضبط الإيقاع التطوري المفروض مع المكونات التاريخية ومستجداتها، صراع اتسم بتقابل المحافظة والتحديث ، سيكون من نتائجه قبول مظاهر التحديث ورفض قواعد الحداثة. على قاعدة هذا الاشكال يجلي التحليل الفصل بين التحولات المجتمعية والعلائق الاجتماعية ، وما يميز الوعي وتمثلاته عن الأخذ بالمظاهر وتجلياتها ، في سياق ما نتج من احتكاك وتناظر بين الموروث الحضاري والتأثيرات الوافدة والساعية إلى الهيمنة والإخضاع . وهو ما حصل عنه ارتباك يسنده الأستاذ بوعزيز إلى ثلاثة فرضيات تختلف في صيغها وتتوحد في منطلقاتها.  الأولى: ” تتعلق بصدمة الحداثة التي ستحدث في البنى المغربية ارتجاجا مهما سيتزامن مع سيرورة التحديث المفروضة على المغرب من جهة ، وانكسارا كبيرا على مستوى وعي الانتجلنسيات ، ستصاحبه سيرورة استبطان للدونية من جهة ثانية ”  وسينتج عنها في تقديره  ثلاثة توجهات  ، أحدها نفعي يسعى إلى استنساخ النموذج الغربي ، والثاني محافظ يرفض كل ما يعتبره فيه تشويش ومس بالهوية المغربية ويجادل في أصولها ، والأخير يحاول تقويم ما انتجته التجربة المغربية في تطورها ويحاول بلورة نموذج تنموي خاص يتناسب ومقومات النهضة المغربية ومخزونها الحضاري .

الثانية: ” تتعلق بالحركات الاجتماعية المعاصرة ، والمرتبطة بسيرورة التحديث وما ستخلفه من ضحايا ومن حيف ومن ضرر فستتشكل هذه الحركات الاجتماعية في المدى الطويل ، وستتراكم شحنات من الغضب والاستياء ، وستدخل في ديناميات احتجاجية مطالبة  بالتغيير لرفع الحيف والضرر ”  وهي الظاهرة المجتمعية التي ستعرف الكثير من التحولات  في أسلوبها وآلياتها ، لتبقى كأبرز نتيجة مؤسسة ذات فعالية في البنيات الإجتماعية وامتداداتها، وذلك لارتباطها العضوي بالحقل السياسي.                      الثالثة: تتجلى في “عدم التطابق بين الفعل التحديثي للأنتلجنسيا الحداثية والحركات الاجتماعية المطالبة بالتغيير ، خصوصا خلال ظرفية حاسمة قد تنعت بالأزمة ، سيشكل القاعدة التي تنطلق منها إعادة إنتاج المحافظة ” تلك هي السمة الرئيسية للخلل الذي صاحب مراحل التحول نحو الحداثة والتحديث في صيغتي المد والجزر ، وما رافق ذلك من لبس حول مفهومي الحداثة والتحديث ، بما بين المفهومين من اختلاف في السياق والتجليات .فكان لابد من الوقوف عند المفهومين لتوضيح نقاط التماس بينهما وعناصر التداخل في ما بين منطلقاتهما. وهو في المجمل ما يحصره الأستاذ بوعزيز في خمس محاور ، هي الجوانب المادية للحداثة ، مركزة العلم والمعرفة ، مركزية الإنسان وتثبيت رابطة القانون ، التباري الحر على قاعدة الشعب مصدر السلط وأخيرا مركزية العمل وتثبيت الكفاءة والدراية المهنية. ” تشكل هذه المحاور الخمسة زاوية نظر غير مفصولة إلا لدواعي توضيح حمولة مفهوم الحداثة ” وهي في تفاصيلها أساس منهجية البحث مع تحويرها كلما اقتضت معطيات الواقع تعديلا في أجرأتها. وعلى ضوء ذلك يحاول الإجابة عن الكيفية التي صاغت بها النخبة المغربية الحداثية مشروعها المجتمعي ” وكيف تجلى عبر مسائل إصلاح النظام السياسي قبل الحقبة الاستعمارية وإصلاح نظام الحماية في الثلاثينات والأربعينات ، أخيرا المسألة الدستورية والإصلاح الدستوري في ظل الدولة الوطنية ” بعدها تقييم لحظات المقاومة والعنف المسلح ، ثم ابراز ما يميز الحركات الاجتماعية عن فترة السيبة في مغرب ما قبل الاستعمار ، تحديد الحقول السياسية بكشف مكونات بنية المجتمع ورهاناته من خلال الثقافة السياسية السائدة. وهذا ما يقتضي في عرضه اعتماد التحري والتنقيب عن المعطيات في مختلف الأرشيفات ذات الصلة بالموضوع ، إلى جانب استقراء الخطابات والندوات الصحفية التي تناول خلالها مسؤولون جوانب من الحياة السياسية ومختلف الاستراتيجيات المعتمدة في تدبير الشأن العام . في مقاربة كل ذلك اعتمد الأستاذ بوعزيز عملية ” تفكيك وإعادة تركيب مفاهيم برهنت على نجاعتها المنهجية وعلى قدرتها المعرفية في إنتاج المعنى .( ..) وهي مفاهيم ولدت في فضاءات ثقافية غير مغربية ، وغالبا في حقول علمية غير حقل التاريخ” 

كتاب ” الوطنيون المغاربة في القرن العشرين” استعادة لخيط الأحداث التي عاشها المجتمع المغربي في سياقات مختلفة ، قادته إلى ما هو عليه الآن دون ان يتغير الكثير في علاقته الملتبسة مع الحداثة رغم كل مظاهر التحديث وبنياته المتطورة . كما أنه بداية لمحاولة فهم دواع الإرتداد والشد إلى الخلف ، حيث مازال الانشغال بمركزية الهوية يطغى على الأخذ بأولوية المعرفة والقطع مع الأخذ بالعلم ورفض الثقافة التي تنتجه وتداعيات نتائجه وخلاصاته .

في كل الوقائع والأحداث التي يثيرها المؤلف ، يتم عرضها انطلاقا  من ” تمثلات الوطنيين المغاربة للحداثة ” وممارستهم “العنف السياسي المقاوم كحركة تحرير وثقافة محافظة” وصلتهم بالحركات ” الاجتماعية أو الاحتجاج المدني وحالاته القصوى المؤسسة على ( ممارسة) ” ثم ارتباطهم بالحقل “السياسي أو التأرجح بين الأفق الحداثي والمعتاد المحافظ ”  هذه المنطلقات الأربع تتفرع عن إشكالية الحداثة كما جابهتها النخبة المغربية في سياق تطورات القرن العشرين ، وكيف أجابت أو تفاعلت مع مختلف المراحل وحقب الزمن السياسي ، في صراع مع التوغل الثقافي الوافد بكل حمولاته وتداعيات تأثيره ، وكيف اهتدت إلى ضرورة الاصلاح لتجاوز النفق الذي وجدت نفسها منحسرة فيه ما بين الحفاظ على الهوية والدفاع عن الإرث الرمزي وبكل ما يرتبط به ،  والالتحاق بقاطرة التجديد وما تحمله مستجدات وقضايا بالغة التأثير في بنية المجتمع وعلاقاته.

أحمد حبشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى