وجهة نظر

أحمد الخمسي في قلب الأوضاع(17):العمل الحزبي والمؤسسات المنتخبة نقد تجربة الاشتراكي الموحد

لم تثر تجارب توحيد اليسار طيلة عقدين (2002- 2022)، المهمة التي كان علينا أن نجعل منها مهمة مركزية في البناء الحزبي: موازاة التنظيم الحزبي الداخلي بالمؤسسة المنتخبة الموازية لكل فرع حزبي: الجماعة القروية، الجماعة الحضرية، التنظيم الاقليمي، التنظيم الجهوي، ربط المجلس الوطني بجدول أعمال البرلمان المغربي.

يمكن، لكل من وجد نفسه منتخبا في جماعة محل ولادته أو إقامته أو عمله، طيلة العشرين سنة الماضية المذكورة، أن يلاحظ أن الحزب لم يهتم باشتغاله في الجماعة الترابية المنتخبة حيث يوجد. وسيلاحظ أن تضخم التنافس التنظيمي المحض، من حيث السعي إلى تبوؤ المواقع القيادية في الحزب، لم يوجد ضمن صراع الأفكار ما يجيب عن أسئلة مسؤولية بصدد المؤسسات المنتخبة.

ليس الإهمال سببٌ غلافُهُ فارغ عبثي من فرط اللامبالاة. بل السبب تبعة من تبعات الفكر المقتبس من اليسارية المتطرفة لفظيا. فمن المعروف أن اليسار منذ الثمانينات لم يكن يوما على يسار الاتحاد الاشتراكي إلا من باب الثرثرة الثوروية وفق ما سبق للينين تسميته ب”مرض اليسارية الطفولي”. وظلَّ الاستعداد للدعوة الى مقاطعة الانتخابات استعدادا “جاهزا” تلقائيا. بل، كان التحوّل من السرية الى العلنية، لا يفسّر بشكل أساسي انعطافة نوعية وملاءمة لتحول الظروف الاقليمية (الثورة المحافظة في ايران والغرب: تاتشر وريغان). بل كانت الانتخابات مجرد “واجهة” للتعريف باليسار. وكأنّ وثيقة “الشرعية” التي لم تكن مقنعة في كل الأحوال، شكّلت تكتيكا مكتوبا وليست استراتيجية جديدة لم تعد ترى في العمل الحزبي السري ضرورة تنظيمية.

كان النقص في التزود بالإسنادات المنطقية مثل التي قال بها غرامشي بصيغة ضرورة الانتقال من الفلسفة (الماركسية) إلى التاريخ (المحلي)(ريجيس دوبري) للتكيف مع قواعد السياسة التي تفرض نفسها على المناضل اليساري كي يصبح من صنف “المثقف العضوي”. لأن قادتنا كانوا عضويين كمناضلين مخلصين لما كانوا يرونه من أهداف، لكن التثقيف كان لسنيا لغويا ولم يكن تاريخيا إلا في حدود التتلمذ على تاريخانية العروي. وفي هذا الباب، لم ينتج اليسار ثقافة يسارية مغربية/ مغربية إلا في حدود استهلاك الجاهز منها، بشكل انتقائي. ولسوف يأتي الوقت لمناقشة مؤرخينا الذين ننصت لاجتهاداتهم بإمعان.

مما كان يعني ممارسة السياسة من باب الهوايات المتنوعة، بعد التركيز على تكوين أسرة والاطمئنان على مصدر القوت والترقية المهنية. مما ترك الذين تصدروا واجهة القيادة ينزلقون للموقف البيس تجاه لجنة الدستور وتجاه انتخابات نوفمبر 2011.

ولأن ممارسة السياسة في حدود حقنة الهواية (أتحدث على الغالبية العظمى ممن يوجدون في العيئات القيادية) لا توفّر التراكم ولا تساعد على تحويل الحزب الى آلة مدنية سياسية، فقد وجد اليسار نفسه غارقا في المشاكل التنظيمية دوما وأبدا.

ولقد حاول البعض منّا أن يكون لديه وضوح بصدد التمييز ما بين الانتماء الحزبي الدؤوب وبين الابتعاد عن التنافس “الطفولي” على مواقع القيادة التنظيمية. فكانت ملاحظة وتفسير البعض (الذين لم يتفحصوا تجلي هذا التمييز بين الالتزام الحزبي وبين الابتعاد عن المواقع القيادية) أن السبب هو الابتعاد عن المسؤولية المباشرة وتخفيض الالتزام إلى أدنى درجات المتاعب.

والحال أننا عشنا النقيض الصارخ وما زلنا نعيش: التسابق الى العضوية القيادية في الأجهزة مقابل التراخي في حضور الاجتماعات والأفول في المحيط الاجتماعي حيث العيش. إذ تجد بعض أعضاء في المكتب السياسي لا إشعاع لهم بل ويجهل أقرب المقربين إليهم أنهم عناصر قيادية في حزب يصنع الحدث باستمرار. ومنهم من ظل يتسابق على عضوية المكتب السياسي لأنه منذ صعد اليه لم يعد يستطيع تخيل نفسه أنه خارج المكتب السياسي. والبعض بمجرد ما يصبح في المكتب السياسي يسرع الى مطبعة بجواره ليسحب 500 نسخة من كارط- فيزيت لتعلم الاوساط النخبوية في محيط اشتغاله الوظيفي انه قيادي في حزب نبيلة منيب. والحال أن هذا النوع من “القادة” يكادون يكونوا عديمي القلب والعقل بصدد القضايا الرئيسية في كل ظرفية ساخنة. أما فترات الموات والبرودة في الحياة السياسية فلا تثقيف ولا بحث لغرس قدوة اليسار في المحيط الاجتماعي.

مقابل هذه الجهود للتشبث بالعضوية في الاجهزة القيادية للحزب، لا يكلف القياديون أنفسهم تخصيص الوقت لحضور دورات الجماعة الحضرية حيث يقيمون.

على صعيد السياسة التنظيمية في الحزب، لم يقع في مؤتمرات الحزب أن وُضِعَتالعضوية التلقائية في المجلس الوطني نتيجة للعضوية في الجماعات المنتخبة بشكل من الأشكال. كأن يكون قطاع منتخبين في الجماعات الترابية له الحق الناجز في أن يتمثل في برلمان الحزب بنسبة معينة. وبذلك، تصبح القضايا العملية في دوائر التراب الوطني والمستخرجة من جداول أعمال الدورات للجماعات الترابية، ضمن النقط الثابتة لدورات المجلس الوطني. في غياب ذلك، ينشغل المجلس الوطني للحزب بعيدا عمّ يجري طول وعرض جغرافية المغرب مدنا وقرى.

مما ترك نشأة اليسار في القطاع الطلابي وداخل النقابات تؤثر على انشغالاته فيعيد الخطاب الايديولوجي والمطالبي القطاعي، بدل الذهاب رأسا الى ما يشكل نواة جنينية لسيادة الشعب التي ما زالت تحت رحمة السلطة الوصية، وهي (الجماعات الترابية)، لا يدخل في اختصاصاتها سوى ما لا يزيد عن 20 في المائة مما يصرف ميزانية سنوية في الدوائر الحضرية والقروية بسبب غلبة الطابع التنفيذي السلطوي الممركز على النظام السياسي بالمغرب.

وهو ما يبعد الاشتراكي الموحد عن أن يكون أهلا لتنفيذ شعاره المركزي: “معنا مغرب آخر ممكن”.

إذا كان الاستاذ محمد لمباركي قد طرح (نوفمبر 2021) سؤال أي حزب نريد؟ فعصب الجواب تتضمنه الجماعات المنتخبة وموقعها في برنامج المؤتمر الوطني الخامس.

وقد بقي لدينا رصيد السي محمد بنسعيد آيت يدر الذي أبدع المضمون السياسي الفريد من نوعه، والمتماهي مع حزم القيادة الاتحادية يوم كانت حازمة في عملها البرلماني. علما أن عمله اتسم بالابتعاد عن السجال مما وفّر له المصداقية والفرادة عندما تجرّأ لطرح قضية تازمامارت. ومن المفارقات أننا نكاد نقدس السي محمد في الوقت الذي لا نتأمل تجربته الفريدة ولا نقتدي بها عمليا.

ومن حسن الحظ، أننا انتبهنا مؤخرا إلى ضرورة المزاوجة بين الطاقة الاعتراضية (على القرار المجحف في حق النائبة البرلمانية الأمينة العامة) وبين القوة الاقتراحية (تقديم مقترح قانون بصدد العفو العام على المعتقلين السياسيين).

كما من حسن الحظ أننا انتبهنا إلى جمع منتخبي الحزب في الجماعات الترابية في جمعية مدنية تجمع شملهم وتوفر لهم التكوين القانوني وفي نفس الوقت تلحم العرى فيما بينهم، شرط أن توفر برنامجا يغطي السنوات الخمس المقبلة.

يبقى التساؤل: لماذا لا يشكل الحزب في كل فرع ما يشكّل “جماعة الظل الترابية” ليتشرب أعضاؤه بالتمرن على تسيير الشأن العام. وليركز برامج عمله، كل ما يتعلق بالقضايا اليومية للناس، حتى نتمكن من الإلمام اليومي بما يجري في محيطنا، ليس فقط كمشاكل وحاجيات، ولكن أيضا كمساطر ووسائل عمل لحل مشاكل الناس، بتقديم مقترحات حلول، بدل البقاء في “دار غفلون”.

مطلب التشبيب والتأنيث ليس لوكس ولا موضة، بل سفر خروج من البطالة التنظيمية التي يعاني منها الأعضاء الجدد، خصوصا عندما يقفز القدماء كل مرة لاحتلال مواقع القيادات المحلية، بدل فسح مجال الابتكار والممارسة المنتجة أمام الأعضاء الجدد، فالخاصية التي تطبع الطاقة الاستقطابية للحزب الاشتراكي الموحد، أنه يجتذب الأطر ذات الرغبة الجادة في خدمة الوطن والمواطنين، من منظور حداثي يساري مرتبط بالناس “للي ما فحالومش”. ولقد تم نقل البرنامج التكويني الذي صدر عن الأستاذ عبد الوهاب البقالي، بصدد الجماعات الترابية، إلى تطوان. وتكفل به العضوان المنتخبان في البلدية، ولم يقع أن ارتبط التنظيم الحزبي باهتمام الأعضاء الجدد والقدامى مثل ما نتج عن اليوم التكويني المذكور. بجدية الاعداد وتبسيط المنطوق القانوني، وتوزيع المهام بالمناصفة وبين الاجيال في النقاش وصياغة التقارير. مما ظهر في مجمله في جودة عالية.

ولم يكن ذلك ممكنا لو لم يكن التدبير التنظيمي منتبها لضرورة توفير البنية التحتية للاستقبال: مقر وتجهيزات ولوجيستيك وتكتيك يوفر الطاقة الايجابية الجامعة لكل الاعضاء. بحيث تحقّق ما بين 25 يوليوز 2021 و8 ابريل 2022 ما كان يتطلب سنتين من العمل. ما هو السر؟ ثلة من القادة الشباب ما بين 25 و47 سنة. فكر سياسي ودربة حزبية وجمعوية ورفقة طيبة بلا ضغائن والتزام عملي لتنفيذ المهام.

أحمد الخمسي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى