وجهة نظر

أحمد الخمسي في قلب الأوضاع(19):بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرامُ؟

تابعت مناقشات تلفزية خلال الشهور الأولى من هذه السنة (2022)، كانت القضايا المطروحة تجاه القوتين الاستعماريتين السابقتين للمغرب: فرنسا واسبانيا.

بصدد اسبانيا، انتبهت لما أساءت وزيرة خارجية اسبانيا التصرف بصدد مصالح بلدها، ضمن الموقف الاسباني التلقيدي السابق، طبعا لما أساءت تدبير العلاقات المغربية الاسبانية مستعملة مومياء من بقايا شعب البوليزاريو. وكم اطمأنت، لما استشرف صديقي الأستاذ عبد الحميد البجوقي احتمال إقالتها، نظرا لمعرفته الدقيقة بالعقل الاشتراكي الاسباني الذي يتمثل التحولات الجارية في المغرب، مقارنة مع التصلب اليميني المتقوقع داخل كبريائه المتجاوز. وكذلك كان، أقيلت الوزيرة غير المأسوف على ذهابها. وبعد ذلك، جاء إصلاح الموقف/المنعطف الذي سمعنا خبره من الديوان الملكي، تأكدت مصداقيته من خلال زيارة رئيس الحكومة الاسبانية إلى المغرب، ليثبت في المجمل أن المغرب صار قوة اقليمية صاعدة لها كلمتها في توجيه السياسة الإقليمية في غرب المتوسط.

بصدد فرنسا، استمعت إلى برناج مناقشة قبيل الدور الثاني للانتخابات الرئاسية الفرنسية، كان ضمنه الأستاذان مصطفى السحيمي وابراهيم السملالي. كان المحور كيف تتعامل فرنسا مع المغرب في عهد ماكرون وكيف سيتعامل الرئيس المقبل كائنا من كان. كان النقاش وفق حكمة المغاربة “شي يكوي وشي يبخ”. ولكن الخلاصة هي أن الدولة رفعت السقف تجاه القوة الاستعمارية السابقة وهي تتلمس الطريق للخروج التدريجي من تحت جبة الوصي الاستعماري السابق. لا أعتقد، أن الكتلة الديمقراطية السابقة (الاستقلال/الاتحاد الاشتراكي/التقدم والاشتراكية/منظمة العمل) كانت معارضتها سلبية أو عدمية أو منغصة، على التوجه العام للدولة على طريق الديمقراطية، بل كانت تهدف أساسا لبلوغ المغرب ما يعرف اليوم بالدول السيادية، وأنها استحقت استقلالها السياسي عن جذارة، مثل التوجه الذي سبق للزعيمين الافريقين الراحلين محمد الخامس عن المغرب وأحمد سيكوتوري عن غينيا. كلاهما قلب الطاولة على الاستعمار الفرنسي. بدأ ملك المغرب مسلسل التحرر بكرامة ومشى على خطاه الزعيم الغيني بعد بضعة سنوات. والأغلب الأعم من أعضاء وأطر الأحزاب لا يعلمون ذلك. كان هذا الأمر في عهد الجمهورية الرابعة (ثورة ابن يوسف ضد الماريشال جوان) وفي عهد الجمهورية الخامسة (ثورة سيكوتوري ضد الجينيرال دوغول).

وفي الأيام القليلة الماضية في نشرة الأخبار، كان خبر السلطة الانتقالية الحالية في مالي، بصدد فضيحتي المقبرة الجماعية والتجسس الفرنسي خلسة بلا إذن من السلطات المالية بواسطة الطائرات المسيّرة. كانت الصياغة في التقرير دقيقة، يمكن للسفارة الفرنسية في الرباط أن تعتبرها منحازة إلى مالي. لكن المغاربة سيجدون فيها نبرة الخبر المستقل. وإن ذهبوا بعيدا واعتبروها جرأة غير عادية للتعامل مع الأخبار التي تهم الحضور الفرنسي في افريقيا، فسيطبعون لها كما يقول المغاربة. ذلك، أن حضور المغرب في افريقيا خلال السنوات العشر الأخيرة لا يمكن أن يبقى في صيغته الاستثمارية العارية بلا سقف سياسي منحاز إلى القارة التي ينتمي إليها جغرافيا. ولا يمكن الاستمرار في التباكي على التنافس لدول بعيدة على القارة مثل الصين وروسيا وتركيا واسرائيل، في الوقت الذي يبقى الأفارقة غير مبالين بما يفعله الأغيار.

وإذا كان السلوك السابق للخارجية المغربية يستحضر موازين القوى والضوء الأخضر الذي كانت تحضى به فرنسا لتنوب عن كل بلدان الغرب بحضورها في افريقيا كمستعمرة سابقة، فهذا الأمر لم يعد قائما. بل لما تتجرأ أمريكا على فرنسا وتخطف منها صفقة الطائرات المبيعة الى اوستراليا، كان على المغرب أن يرد الصرف إلى فرنسا في التوقيت المناسب. ويظهر أن المغرب، بدأ يحسن النظر إلى ساعة يده ليحدد توقيت القرار في الزمن السياسي المناسب.

كان الأستاذ الشكراوي مثل الأستاذ السملالي يبخ، ليخفف الخطاب الصحفي.

عندما، تولى محمد السادس العرش، روجت الصحافة الفرنسية ساعتها أن كتابا فرنسيا صدر تحت عنوان مغرض: “الملك الأخير”. ولمن يطلع على أساليب الاستعمار يعلم أن ذاك الترويج من باب الملك الشاب ساعتها (سنة 2000). كنت معارضا أحسب نفسي شرسا وأحسب نفسي ما زلت وسأبقى، لكن التطاول على مؤسسات المغاربة، من جهة استعمارية، عملا مرفوضا.

يظن الناس عموما أن الموجات الايديولوجية التي تصل المغرب، تسمح للقوى الاستعمارية بتسريبها كي تمزق وحدة المغاربة. لكن الحقائق تكذب ذلك. فقد تحالف الملك محمد الخامس مع الجناح اليساري في حزب الاستقلال ذكرت بحقائقها من قبل. ففي عهد محمد الخامس تولى المهدي بنبركة رئاسة البرلمان الانتقالي (المجلس الوطني الاستشاري) وترأس عبد الله ابراهيم الحكومة. في انتظار ارساء مؤسسات منتخبة.

وفي عهد محمد السادس ترأس عبد اللطيف المنوني الذي تزعم الجناح اليساري في الاتحاد الاشتراكي خلال نهاية السبعينات. وما بينهما ترأس عبد الرحمن اليوسفي حكومة التناوب التوافقي وكانت الجسر المتين الذي مر فوقه العرش من الراحل الحسن الثاني إلى محمد السادس.

وفي الوقت الحاضر، ما زالت الأمينة العامة للاشتراكي الموحد تمارس نفس الأسلوب الذي سلكه حكيم اليسار عبد الرحيم بوعبيد. حضرت المجلس الوطني للاشتراكي الموحد كملاحظ (لأنني لست عضوا فيه) باقتراح من العزيز عبد الاله بعيصيص. وكانت تدخلات الأعضاء الذين أبدوا صرامة في الرد على صلف رئاسة مجلس النواب، والرئاسة البرلمانية تصرفت بسلوك التلميذ لرئيس فرنسا الذي هدد كل من لم يجر التلقيح. اقترح المجلس الوطني تشكيل لجنة تكتب رسائل وتبعث بها الى السفراء المعتمدين وكذا الى المؤسسات البرلمانية والحقوقية الدولية. ولكن الأمينة العامة تجنبت إحراج المغرب خارجيا واكتفت بالوقفة أمام البرلمان للاحتجاج، مرددة حكمة الشاعر الذي قال:

بلادي وإن جارت علي عزيزة … وأهلي وإن ضنوا علي كرام؟

كان ممكنا أن تنفذ الأمينة العامة بالحرف مقترحات المجلس الوطني، لكن الاشتراكي الموحد، وهو سليل حزم اليسار المغربي، يدبر المواقف ويتخذ القرارات بناء على المصالح العليا للمغرب.

بنفس الروح (بلادي عليّ عزيزة…) استحضرت نبيلة منيب مناضلي الريف وباقي المعتقلين، وقدمت مقترح عفو عام..

في الحقيقة، عندما تمارس نبيلة منيب عضويتها في البرلمان بهذا الأسلوب، يسقط في يد خصومها السياسيين، وتظهر بمظهر الامتداد الأصيل لكل حكماء السياسة في المغرب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى