وجهة نظر

ذ.عبدالواحد حمزة:مقاولات مغربية بين الزطاطة والهنزة و”المخزن الجديد” (الجزء الخامس و الاخير)

ذ. عبد الواحد حمزة

سوسيو– اقتصادي 

كل معالجة سليمة لمكان ووظيفة وبنية المقاولات المغربية تتطلب وضعها في الإطار الماكروقتصادي والتاريخي، الظرفي منه والهيكلي، إذ أن تلك الخصائص لا يمكنها أن تقتصر على أثر الحالة الراهنة لجائحة كورونا 19 وتحوراتها المتعددة فقط، ولكنها تطول إلى قياس الأثر الذي يسببه انتماءها لنظام اقتصادي –اجتماعي- ثقافي سياسي متأخر وتابع لدوائر القرار الرأسمالي- العولمي، وذلك فضلا عن الثقل الذي يأتي للمقاولات من صلب تاريخها وواقعها المتخلف، وإن بأشكال ودرجات جديدة ومتراكبة توصم سلوك الفاعلين في الدورة الاقتصادية والاجتماعية بسلوكات أقرب إلى “الزطاطة” منها إلى العقلانية الليبرالية الاقتصادية والسياسية.

فعوض تأسيسها على أصول عصرية، فهي تبدو أقرب إلى “نشاطية نزقة”، فتجدها منجذبة نحو التقليد ومتذوقة لطعم “الهنزة” (بالنون) أكثر منه انجذابها إلى تأكيد وتبني الحرية الاقتصادية وتأصيل الفردانية (ولا أقول الأنانية) ودوام التوازن الاقتصادي والاستقرار.

مقولات محلية خصوصية تروم العالمية لا الاستثناء

ما يميز جسوس محمد، الأستاذ والمناضل السياسي والملتزم، قدرته على شرح أحدث النظريات وتقريب مفاهيمها السوسيولوجية (طبيعة الدولة المغربية وآليات اشتغال السلطة ومكان الخلل وكذا استشراف المستقبل السياسي للمجتمع المغربي…). وما يميزه أكثر من غيره أو على خلاف الكثير من مجايليه من الأكاديميين هو استعماله للمثل الشعبي المغربي الذي يبسط ويلخص في جملة واحدة، أو كلمة واحدة، غالبا ما تكون ساخرة ولاذعة ومقذعة، الرؤى والاستراتيجيات الأساسية لأفراد المجتمع، كما صوروها من خلال تجربتهم الخاصة، لاسيما فيما يتعلق بمواضيع شائكة وصعبة كمواضيع السلطة والتراتب الاجتماعي والتعاطي مع التقاليد وعوامل الثبات والتغير والمشروع المجتمعي المغربي نحو التقدم، إلخ. ذلك كان شأنه لاستيعاب وتدريس البنيات والعلاقات الاجتماعية السائدة والعقليات والإديولوجيات المهيمنة على المجتمع المغربي (الخصوصية حد الاستثناء، الهويات المنغلقة،…)، لتحتل كلمة “الهمزة/ الهنزة” لديه واحدة من أدوات التحليل النافذة والمبسطة لتوضيح عمليات اقتناص الفرص وتصيد الصفقات، شأن أصحاب المال في ذلك كـ”دببة تتصيد سمك السلمون في الماء الزلال، أو قل كخنازير تستحم في الماء العكر” (من وحيه)، وبما تعنيه من تقليل الكلفة والجهد وتعظيم الفائدة والربح (…). وفي منحاه ذلك، فهو يدعو إلى النأي عن كل تحليل “خصوصياتي” وهوياتي – انتقائي –دوغمائي أو قطعي ولا تاريخي في التعامل واستيعاب الموروث الثقافي (انظر محمد جسوس/  ادريس بنسعيد أعده للنشر وقدم له (2002)، رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب منشورات دار الثقافة، المغرب).

فإلى أي حد يتعارض منطق الزطاطةوالهنزة تحت سلطة المخزن مع تطلعات مقاولات عصرية في دولة عصرية؟ وإلى أي حد استطاع الانفتاح  الاستراتيجي للمغرب على العولمة من كسب رهان التقدم الاقتصادي  والاجتماعي والثقافي؟وعليه، فحري بالملاحظ/ المحلل السوسيواقتصادي أن ينتبه لـ”الانزلاق في الصورة” (السبتي عبد الإله) لمفهوم الزطاطة/ الزطاط من ممارسة في المجال، وهوما يحيل إليه المعنى التاريخي للكلمة، إلى ممارسة وآلية الحكم/ السلطة الوقتية، وهو ما يحيل إليه المعنى “العصري” لها، فيما يمكن أن نصفه اليوم بـ”المخزن الجديد”.

ويكفي أن نسائل الأجيال الجديدة اليوم حتى يتبين لنا أنها لا تعرف كثيرا المعنى الأصلي للكلمة، لكثرة ما تعرض له ذلك الانزلاق من تدرج وتحول، ليصبح مرادفا غريبا لمعنى الرشوة والنزقية والتهريب وركوب الخطر ومحاباة عصابات قوارب الموت والجريمة (…). وعليه أيضا، كيف تتحول الزطاطة (مما تطرقت له مصادر عدة كالمناقب والنصوص القانونية وأدب الرحلات عند ابن بطوطة وشارل دوفوكو ومعاصرين كالمنصوري عثمان وغيرهم) من علاقة اجتماعية – قبلية –مخزنية و”نظام متميز بقطائع ترابية” (السبتي مرجع سابق)، يستدعي ثلاثة مستويات (المخزن والمركز وأسفل التراتبية)، حيث “الدولة” تتميز بقطائع في الزمان” (السبتي مرجع سابق)، و”المخزن يتسم باستمرارية ما وبتراكم للحنكة المرتبطة بالمكان، وبتدبير القطائع في مراقبة التراب” (السبتي نفس المرجع)، إلى ما يمكن أن نصفه اليوم بـ”دولة المخزن” أو بـ”المخزن الجديد” المركب للصفتين، صفة ورثها من ما قبل الاستعمار، وصفة الدولة الحديثة، مما أرساه هذا الأخير دون أن يقطع مع مفهوم المخزن التقليدي، لنجد أمامنا اليوم نظاما “نيو مخزنيا”/ “نيو تقليديا”، أو ذو حداثة مشوهة.

وتجدر الإشارة إلى العلاقة الخاصة والمتميزة بين الدولة–المخزن والمقاولات، فضلا عن بنيات وأقسام الرأسمال والعلائق فيما بينها، إذ لتلك السلطات باع في الأمر والنهي والمراجعات الضريبية والحَرْكات والتتريك، وتهريب المعادن والعملات، وغير ذلك. أليست هي الفاعل الاقتصادي والسياسي، المركزي، الجابي والزبون الأول، المبادرة والحامية والمشجعة والمصاحبة (…) ما يعج به تاريخ وواقع الأحداث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لبلادنا؟

ولهذا فإن التعليق على ما عنونه المكتب المغربي للملكية الصناعية من تنامي أعداد المقاولات لسنة 2021، مقارنة مع سنة 2020 و2019، قبل جائحة كورونا، أمر يستدعي الكثير من الاحتياط المنهجي والنظري.

ضرورة الحذر المنهجي والنظري لدراسة أنشطة المقاولات

لقد تم حقيقة سنة 2021 إحداث ما يناهز 72227 مقاولة شخص اعتباري، بزيادة ملحوظة قدرها 31% مقارنة بسنة 2020. أما المقاولات الفردية-الذاتية، فعرفت زيادة قدرها 9%، حيث تم تقييد 32521 شخص ذاتي في السجل التجاري مقابل 29898 سنة 2020.

غير أنه لا يمكن الاكتفاء بعرض معطيات حول خلق المقاولات دون التعامل معها في حقبة طويلة المدى نسبيا، حتى نتبين مدى استقرار وديمومة الشركات المستحدثة، ومن ثمة مدى صحة الأثر الإيجابي على النمو الاقتصادي ببلادنا، قبل وتحت – ولربما بعد ذلك بقليل – انتعاش الدورة الاقتصادية بعد انكماشها مع الجائحة؛ خاصة وأن خبراء في الاقتصاد أوضحوا أن الأرقام المزعومة للمكتب لا يمكن ان تؤشر على تطور حقيقي للاقتصاد المغربي (نجيب اقصبي 2022)، بل وإنها لا تخرج قط عن خانة ما يعرف في الأدب الاقتصادي بـ”الاقتصاد الأسود” (المهدي لحلو 2022).

كما لا يمكن ان نتعامل مع خلق المقاولات دون التأكد مما أفلس منها فينفس الحقبة، وخاصة منها المقاولات المستحدثة (أقل من 5 سنوات) والتي قد لا تصل إلى درجة ان تقف على رجليها، ودون التساؤل ايضا عن طبيعة الولادةأقيصرية هي أم طبيعية وباحترام تام لشروط الولادة والتسيير (رقم التسجيل…)، أو غير مهيكلة، هشة وهجينة و”حثالة” – خارج عملية الاعتراف الرسمي والقانوني بها، فميا يعرف بـ”اقتصاد الظل” أو “الظلام” أو حتى “الشيطان”، حسب تعبير ألفريد سوفي.

ومعروف أن القطاع الغير المهيكل في المغرب يكتسح نسبة طاغية، كما أنه منفلت من أداء الضرائب ومن بروتوكول مراقبة الجودة، الخ. وللعلم فهو موجود ليس فقط في الأنشطة المعيشية الصغيرة والأصغر، كما نلاحظها على قارعة الطرقات وفي الأسواق الشعبية وأمام المساجد والمدارس العمومية وفي السويقات بعد العصر وفي مقاهي متحركة على متن دراجات نارية أو دراجات او حتى على متن سيارات صغيرة في الشواطئ صيفا، إلخ، وإنما أيضا وأساسا في الأنشطة الكبرى المدرة لأرباح خيالية وفي شبكات وطنية وعابرة للحدود ومفترسة في مجال صرف العملات وتهريب الأقمشة المستعملة وقطع الغيار المستعمل/ الخردة. إنها تحول المعونات والمساعدات الخيرية إلى بضائع تنافس المنتوج القانوني، محليا كان أوأجنبيا، خاضعا لحقوق الديوانة. ويكفي أن نرى طوابير السيارات الخاصة والشاحنات المزودة بالأقمشة البالية (البال) وبالخردة حتى تتذكر قدر الغربان والنسور والطيور المهاجرة في الترحال والتنقال، وكأن بتلك الافواج للشاحنات، أسراب طيور تنقل وتُنَقّي وتصفي فضاءات أوروبا وغيرها من أزبال ومتلاشيات مؤكدة !

وفي أحسن الحالات يكون “اقتصاد الليل” والرشوة والفساد والتهريب أداة موصوفة ومعتمدة لضبط الأسواق ولتمكين “الاقتصاد- التجارة الدولية والمحلية” من توازنات للنظام الرأسمالي- الكوكبي. ومن غريب الأمور أن يسمح تبييض الأموال ببناءعمارات/ منشآت تضل مقفلة إلى حين أو دور رفاه تنشط في مجال الدعارة وخدمات السياحة المتنوعة والمشبوهة! وغريب أن تقدم -عن حق أ وباطل- هذه العروض “دفعة أكسجين” للدورة الاقتصادية – التجارية المغربية والعالمية! وغريب ان يشوب جزء من “الرأسماليين” من رجال ونساء أعمالنا – في مجال التهريب بمسوخ وشبهات “الوطنيون الجدد”!

بشكل خاص وضعت ظرفية كوفيد 19 كافة قوى الإنتاج على المحك، إذ أوجدت فرصا غير منتظرة ومدرة لأرباح كبرى. وهو ما يستدعي التمييز بين مقاولات وطنية/ مواطنة “حقة” وأخرى تلعب في الماء العكر، وبين نوع المقاولات، قطاعاتها وانشطتها الواضحة والمستورة، وأحجام شباكتها وامتداداتها المختلفة، الخ. ذلك أن أنشطة اقتصادية واجتماعية بعينها تضررت، كأنشطة السياحة والترفيه والاستهلاك الباذخ، وما يحيط بها، في الحاشية، من مأكولات خفيفة ومقاهي ومطاعم (…). هكذا فالمقارنة الحدية للإفلاس، هنا وهناك، ستسمح نسبيا باستصدار ملاحظات حول فوائض أو مسالب معدل الخلق للمقاولات. فهناك من الخبراء من شكك حتى في أن تعبّر أرقام المكتب عن تطور حقيقي للاقتصاد المغربي، رغم ظروف الجائحة.

أي إطار نظري تحليلي ملائم لانشغالات المقاولات

إن الذي يدعو إلى الاعتبار صراحة هو الإطار العام الذي يربط بين المقاولة الخاصة، ذاتية كانت أو معنوية، والدولة (ولعلو فتح الله، 2001). إننا نرى أنها تقوم وتفعل على وقع تعامل “الدولة- المخزن” معها، وكل المشكل يكمن في غياب الوضوح الكافي لهذا التعامل وكذا نقاط الظل التي يُبقى عليها فيه، وذلك عبر الزمكان المغربي والإقليمي والدولي العميق والطويل. هكذا فبقدر ما يجب ان يهتم به التقييم/ التحليل بخلق المقاولات يجب عليه ايضا الاهتمام بإفلاس بعضها.

كما يجب ايضا التساؤل عن أسباب ذلك، وهوما يمكن ان نجده في الظرفية الحالية لكوفيد 19، لكن بالأخص يمكن تعقبه في بنية الاقتصاد والمجتمع العميقة الممتدة في التاريخ القريب والبعيد، نسبيا، أي في الاختيارات الكبرى لبلادنا. إن الأمر يدعو صراحة إلى التساؤل عن مكانة المقاولة في النسيج الاقتصادي المغربي وفي ابعاد السياسة الاقتصاديةلـ”دولة –المخزن”، أو ضمن الاقتصاد المخزني، وكذا هل من إرادة سياسية حقيقية لإطلاق سراحها الليبرالي من عقال سلطة مشدّدة !؟

وقبل التطرق إلى ما آل إليه اليوم مفهوم الزطاطة/ الزطاط، ليصبح نظاما متجددا وأداة متشابكة من أدوات “المخزن الجديد”/ “دولة المخزن”، في علاقتها مع الفاعلين الآخرين، تجدر الإشارة إلى أن الزطاطة نموذج أصلي تاريخي عرفه المغرب منذ العصر الوسيط حتى نهاية القرن التاسع عشر، تمت دراسته بما فيه الكفاية. فالزطاط شخص محدد يواكب المسافر أو القافلة على الطرقات الخطرة أو غير المؤمنة من طرف المخزن. أما الزطاطة فهي إيجار الزطاط، بما هو شخص من القبيلة شريف أو ممثل لزاوية، وذلك حسب المناطق العابرة. وكممارسة اجتماعية، فالزطاطة تنطوي على تعقيد بمكان، فهي تستدعي الحماية والزبونية والوساطة، وكذا تدبير المجال والتراب. ولها ثلاثة مستويات: في وسط النظام توجد وضعيات محلية متنوعة تعكس طبيعة القوى المحلية الفاعلة. في الأسفل يوجد الفرد الذي يجب أن يفاوض مع السلطات التي يجدها في طريقه، وذلك من أجل الحماية. وفي الأعلى يوجد المخزن “التاريخي” الذي من المطلوب منه أن يسيطر على الكل، لكنه يتأقلم كذلك مع تشكلات القوى الفاعلة (قبائل، قيادات، زوايا…)، لأنه لا يملك الأدوات الضرورية والكافية لاعتماد جهاز إداري يغطي بالمرة كامل تراب البلاد.(انظر السبتي مرجع سابق/ انظر فاطمة موس وادريس كسيكس (2014)، مهنة المثقف (…)، منشورات الجامعة المواطنة، المغرب، بالفرنسية ).

والملحوظ أن الحوار والنقاش الوطني لم يولي حقيقة اهتماما خاصا للمقاولة الخاصة إلا بداية الثمانينات، مع اعتماد التقويم الهيكلي ومسلسل الخصخصة وإبداء رغبة في الاندماج في العولمة، بتشجيع الحرية الاقتصادية والمبادرة الحرة، الخ. لقد جاءت ظرفية كوفيد 19 لتضع هذا الاختيار/ الادعاء الهش تحت المحك ولتسائل جدوى التدخليةللـ”دولة/ المخزن” في تحريك الاقتصاد والمجتمع.

ومن هنا يمكن إيعاز فشل اقتصاد السوق على مستوى رهانين: المستوى الهيكلي المرتبط بالاختيارات الأساسية لبلادنا ومدى إنجاحها، والمستوى الآني المرتبط بالجائحة وعولمتها وأثر الحروب (أوكرانيا – روسيا)، وسابق التوترات في الشرق الأوسط والعالم (…). فكثيرا ما نربط إفلاس مقاولاتنا الخاصة بطبيعة المحيط الاقتصادي والسياسي والثقافي للمقاولة الحرة (تتريك – حَرْكات – رشاوي – ريوع، تبييض، قرصنة، صعلكة ومروق، ابتزاز و”خلق ملفات”،…)،أو في سوء التدبير والمصارفة، أو إلى انخفاض هومش المردودية (غلاء الموارد…) لدى بعض الشركات الهشة وانخفاض النشاط الاقتصادي –عموما- تحت طائلة الأزمةالنيوليبرالية العالمية منذ 2008، على الأقل، وكذا طائلة كوفيد 19، وضعف السيولة وما ارتبط بكل هذا من أسباب غير منتظرة ولا يقينية تعاظمت مع غياب الوضوح في الأفق المنظور، وطنيا ودوليا، والتمادي في إشعال التوترات في إفريقيا وشمالها والشرق الأوسط وآسيا، حول مناطق النفوذ وملكية الأرض والطاقة والمعادن في العالم (أوكرانيا، اليمن والعراق وسوريا وفلسطين…). والحقيقة أن هناك أسبابا عميقة لإفلاس المقاولات الحرة مرتبطة بطبيعة النظام المخزني للاقتصاد والمحاصصة والزبونية والفساد، ومدى قدرتها الفعلية للاندراج الناجع في السوق الدولية والعولمة المتوحشة.

على مستوى الاقتصاد العام (وليس العمومي فقط)، يمكن التساؤل عن مكانة/نية/ وظيفة المقاولة المغربية في الترسيمة الاقتصادية الكلية ومدى إعاقة تحررها ودرجة تخلفها أو تبعيتها ومدى انخراط “الدولة – المخزن” في تنشيط الاقتصاد في شموليته، وذلك ما يتطلب مساءلة الفاعلين الاقتصاديين – الاجتماعيين: الدولة نفسها والمقاولات والعائلات وعالم المال، وكذا الخارج، إذ لكل منها وظيفته البنيوية التاريخية الخاصة والمرتبطة بباقي سلوك الفاعلين، وطنيا ودوليا، وهي بالتالي، من حيث النموذج النظري جلب الضرائب وصرفها للصالح العام، الإنتاج، الاستهلاك وتحصيل الفوائد والقروض والتسويق الداخلي والدولي (…). أما واقع الأمر فيشهد على ركود هائل للدورة العصرية، ولكثير من الاختلالات الوظيفية ولتراكب وضعف الإلتقائية والإنتاجية الوطنية.

اراد المغرب ان يجعل المقاولة – القطاع الخاص في صلب العملية الاقتصادية لكن على ما يبدو فقد اعترت إرادته الكثير من المعوقات الموضوعية والذاتية، مما جعل الاقتصاد السياسي المغربي في المدى الطويل يشكو من “متلازمة النمو والثقة والريبة” (المصباحي كمال، 2017)،  والحال أن النمو عانى ولا زال من تأثير الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية (السعيدي سعيد محمد، 2013). ذلك ما يجعل المغرب في حاجة ماسة مستمرة إلى الاستثمار لتوطيد أواصر الثقة/ الصورة، وهو ما يتطلب إرادة سياسية واضحة (المصباحي كمال، نفس المرجع)، وسيؤثر على طبيعة وأنواع وأشكال نسبة الاستثمار الوطنيفي الناتج الداخلي الخام.

وعلى ما يبدو أيضا فإن جائحة كورونا أرجأت التعويل عليها، مرة أخرى، إلى حين آخر، وكأن بها “لعنة أصلية” واكبتها منذ الولادة، ثم أن ذلك به نوع من الالتباس والتردد في سلوك “الدولة – المخزن”، من حيث المساعدات المالية، والحديث المتلعثم عن “دخل الكرامة” (…)، وعن الدولة الاجتماعية – ولو عبر مدخلها الأساس/ الحماية الاجتماعية، درءً لتغول الرأسمالية المتوحشة ورفعا لحائط أو خيط يحمي المقاولات الصغرى والأصغر وباقي اصحاب الأنشطة الغير المهيكلة من شرها، إيذانا بإعمال “دولة الحق والقانون”، وليس بالأداة السافرة لخدمة طبقة/ طغمة مهيمنة بعينها!

ففي الماضي كانت المقاولة غائبة تماما، بالرغم من الطابع اللبرالي للخطاب الرسمي المصاحب للسياسة الاقتصادية لبلادنا. والحقيقة أنها لم تأخذ المكانة اللازمة لها منذ الاستقلال، مرورا بحقبة الحماية الفرنسية/ الاستعمار، إلى اليوم، والذي صراحة ساهم منذ انغراسه في تربة المغرب في نشأتها وتطورها. فمنذ الاستقلال إلى الان، ومع الجائحة بالذات، كانت “الدولة – المخزن” بالذات ولا زالت هي المبادرة وهي المؤطرة، وخاصة هي الحامية للاقتصاد ككل، وهي المهيمنة عليه تماما. وهو ما ساهم حقيقة في صعود وتوسع وتنوع مجالات تدخل المقاولة المغربية الشبه – عصرية، ولو ظلت تحت هذا الغطاء الزجاجي/ الوصاية الذي يحد من انطلاقها وإطلاق مغامراتها وتسْييدلبراليتها (…) وتطورها.

نشاطية الاقتصاد المغربي على المحك: مقاولات أو انشغالات

في الظرف الحالي، وكما هو الأمر في إطار دينامية الرأسمال التنافسي المحجوز/ الاحتكاري، حيث تصعد شركات على ظهر اندحار أخرى، وحيث خطط واستراتيجيات الإغراق – عبر الأثمان أو الجودة او العلامة… –وحيث تتم باستمرار عمليات عديدة في هياكل المقاولات، كابتلاع شركات متعثرة/ حيتان صغيرة من طرف حيتان كبيرة، وحيث يمكن لأخرى أن تندمج او تتوالف مع اخرى لتتقوى اكثر ولتعزف (لحن الخلود” إلى حين، أو تُحْدث “احتكار القلة”، كمجموعة المحروقات ببلادنا، الخ.

ويمكن أيضا – في ظل كذا دينامية للرأسمال المعولم- قراءة صعود مقاولات ذاتية بعينها كإجابة عن تفسخ العديد من المقاولات وانحسار بعضها وصعوبة انتعاش أخرى، في قطاعات دون غيرها، بالضبط، في قطاع السياحة تحت عقال كوفيد 19، مثلا، إذ لم تعد تشتغل البتة، بل سارعت إلى تسريح العديد من عمالها، لتتفرغ لإعادة تجميلها – في انتظار أيام أحسن.

ولعل هذا ما سيسمحبخلق فرصة “البطل المُكْرَه” على خوض المعركة الخطيرة، كزطاط تحت قصف نقص التجربة وارتفاع اثمان المدخلات، الخ، لتأسيس مقاولة فردية ذاتية، قد تستفيد – بـ”نزقية” ما – من مزايا الدولة أو أخرى من صميم قانون الشركات، كما هو أمر الشركات المحدودةالمسؤولية ذات الشريك الوحيد، أو المستفيدة من برنامج رشوة التنمية البشرية ! فضلا عن الإفلاس المحتوم – بنيويا أو ظرفيا– يمكن أن نفهم التكاثر النسبي لهذه الشركات المعنية – أعلاه – لأن رأسمالها متواضع – أصلا – إذ يمكن تأسيسها بقيمة 10 ألف درهم (على الأقل)، فتكون بهذا مقاولات صغرى أو أصغر، صراحة، فضلا عن ما يحتمل أن تجود به “الدولة – المخزن” عليها من ذر للرماد في العيون.

ثم أنها مهددة بالملاحقة أو المنافسة أو التستر أو الهروب من أداء واجب الضريبة، إذ تخضع، هي كذلك بدورها، للضريبة على الشركات او للضريبة على الدخل في أهون الحالات. كما أنها تبقى غير معنية طبعا وبتاتا بمجال الاستثمار، إذ أن أنشطتها “الفجة” بحكم القانون وقدرتها الهزيلة على تمويل مشاريع أكبر، فهي أنشطة في المقام الأول والأخير، تجارية بسيطة، لا تعني بأنشطة البنك أو التأمين أو القرض، فأحرى أن تفكر في الرسملة والادخار.وفي أحسن الحالات، فرأسمالها وحجم مبيعاتها – فضلا عن تلك المقاولات التي تجاوزت الحد الأدنى للاستثمار لتصل في المتوسط (لسنة 2021 حسب بعض مكاتب الخبرة) إلى 100.000 درهم–وهو ما لا يكفي أغلبها الساحق من سد الحاجة ودرء العوز، ليس أكثر، خاصة في ظرف كورونا، وتبقى مهددة بالإفلاس في كل وقت وحين. ثم إن مسيريها بالضرورة وفي الغالب اشخاص – ذاتيين، تتحدد مسؤوليتهم في حدود ما أتو به، كـ”شركاء– وحيدين”، كما أنهم يتحملون – فرادى – المسؤولية المدنية والجنائية في كل ما يترتب عن التزاماتهم وأنشطتهم الأقرب إلى “الناشطية” منها إلى مساهمة فعلية في الاقتصاد العصري المندمج والدامج.

استراتيجية الانفتاح الاقتصادي للمغرب على المحك: بوار التجارة الدولية والاستثمار

على المستوى الرسمي يلاحظ طوال الخمس والعشرون سنة الماضية ان عجز الميزان التجاري المستمر لم يسمح لسياسة الدولة في الانفتاح أن تحقق نتائج محمودة تذكر. ذلك أن مجموع الصادرات والواردات يسجل 87% من الناتج الداخلي الخام، وهوما يؤشر على “خارجية” extraversion الاقتصاد المغربي. فمنذ سنة 1974 وهو يسجل عجز بنيوي للميزان التجاري، إذ هو اليوم حوالي %17 (2021)، كما أن تغطية الواردات بالصادرات في انخفاض ميلي عام (60% سنة (2021). ليساهم العجز القار الناتج عن اتفاقات التبادل الحر في العجز الإجمالي نسبة 40 إلى 56%، مما يطبع الاقتصاد المغربي بطابع مميز: “اقتصاد الواردات” (40% من الصادرات مستوردة من الخارج)؛ وهوما يستوجب بالتأكيد مراجعة كل الاتفاقيات المبرمة مع العالم، والعمل على تطوير فعلي – تنافسي للاقتصاد الوطني حتى يتمكن من رفع الصادرات، دون أن تعني التنافسية رفع الجودة المقرونة بخفض الأجور/ الأسوار القصيرة!

والحال ان لا التطبيل للاستثمار الأجنبي المباشر ولا التعويل على السياحة الأجنبية أو التحويلات للمغاربة المقيمين بالخارج (استثناء 2021 و2020) سمح بوضع المغرب في مستوى مشرف للاندماج في الاقتصاد الدولي.

فعدا مشجب الجائحة، يمكن إرجاع كل تلك الاختلالات البنيوية إلى مراوحة الاستثمار الأجنبي المباشر في نسبة 3 إلى 4% من الناتج الداخلي الخام، أي أنه بقي باستمرار في حدود 3.5 مليار دولار في المتوسط، وهو رقم دون المطلوب مقارنة حتى مع الاستثمار الأجنبي في البلدان النامية الأخرى. وللإشارة فقط،فإن اغلب استثمارات المراكز الرأسمالية العالمية تتم بداخل موطنها وليس بالخارج. وهي بذلك تعمل على تقوية نسيجها الإنتاجي، صناعة وفلاحة وخدمات وغيرها، من الداخلIntroversion.

وهو الأمر الذي حد بالتأكيد من أزماتها كل ما حلت بها إحدى نوبات الاقتصاد الدولية المرتقبة والغير المنتظرة. بل وهوما شفع لها في مواجهة أريحة لآفة كورونا، فكان أن أغلقت معاملها في الخارج وحدت او نشطت بعضها منها في داخل ترابها، ليكون ذلك درسا معتبرا لمن يريد أن يأخذ العبرة، من البلدان المتخلفة التي ترهن كامل اقتصادها على الخارج (مثال صناعة الأدوية…).

وللإشارة، أيضا، فلا يجدر الاغترار بمنسوب الاستثمار الأجنبي ببلادنا، إذ أنه غير قار ويمكنه ان تقفل أبوابه كامل سيادتهعلى أصوله (انظر معامل رونو بالقنيطرة وغيرها زمان كورونا)، إضافة إلى أنه، باستهتار ما، لا يلتزم بإعادة استثمار أرباحه (20% فقط) في الدورة الاقتصادية المغربية، مفضلا تحويل 80%إلى المركز الرأسمالي- الأم.

وحتى لا تنطلي الحيلة على البعض، يجب التنبيه، أيضا، إلى أن تذلك الاستثمار الأجنبي المباشر ليس في أحسن الحالات سوى خصخصة قطاعات عمومية، إذ أن ارتفاع مؤشرات البيانات المتعلقة بالاستثمار تخفي حقيقة شراء لقطاعات بعينها كاتصالات المغرب أو مكتب التبغ، الخ، مثلا. أضف إلى هذا ما لوحظ طوال العشرية المنصرفة (منذ 2011) من أن شركات مغربية المنشئ اصبحت تستثمر في الخارج، خاصة في بلدان من إفريقيا، ولا يمكن ان ينسينا التبجح بهذا حقيقة إخراج / الأداء بالعملة الصعبة، طبعا، مما يُحوّل جزء من ودائع مكتب الصرف إلى بلدان النمو/ الاستثمار المغربي في الخارج، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على رفاه المغاربة في جودة الخدمات العمومية، في الداخل.

هكذا، ففي سنة 2019 لوحدها، مثلا، خرج من المغرب ما يقارب 18 مليار، فيما دخلت إليه 34 مليار من العملة الصعبة، كما ان السياحة (عدا سنوات كورونا العجاف)، فهي لا تسجل طوال العشرية الأخيرة سوى 6 إلى 7% من الناتج الداخلي الخام (أقل من 80 مليار درهم، مثلا، سنة 2019). اما تحويلات مغاربة العالم، فتروم 6 إلى 7%، كذلك، إلى 8% في احسن الحالات نسبة إلى الناتج الداخلي الخام، عدا الارتفاع الغير المنتظر لسنوات 2020-2021، الذي فاق كل الانتظارات، اعتبارا لأزمة كوفيد العالمية، حيث وصل 93 مليار درهم.

وإذا كان من العملي الترحيب بذلك، فإنه يطرح أكثر من سؤال عن اعتماد الاقتصاد الوطني على موارد برانية وقد تكون غير قارة. ففضلا عن قوة التضامن العائلي العابر للقارات، وعن ظروف الياس التي دفعت بمهاجرينا إلى الغربة، فمن شامات الدول المارقة أن تعبر المغاربة المقيمين بالمهجر “بقرات حلوب” تنفخ في شهامتهم وطول بالهم على عائلاتهم هنا، في الداخل، خاصة في اوقات الشدة. والحالأن سلوكهم يغطي على ضعف الحماية الاجتماعية للأسر في الداخل، إضافة إلى التنكر الذي لحق بالمهاجرين في المشاركة السياسية (الانتخاب…). ولهذا فبالرغم من أهمية تلك التحويلات (6 إلى 8%) ومثيلتها السياحة والاستثمار الأجنبي وهزالة الاستثمار الخاص، فإن ثقل الاستثمار الوطني يسقط على كاهل “الدولة – المخزن”، وما قد تستتبع الحاجة للتمويل وتفرضه التبعية من فضائل المديونية الخارجية المشبوهة، ومن تم فقدان السيادة الوطنية، على كل المستويات.

هل من تفاؤل مجدي لتجديد أسطول الإنتاج المغربي؟   

حسب مكتب دراسات “أنفوريسك 2022” يكمن إيعاز أسباب إفلاس الشركات إلى اعتبارات ظرفية – كما تطرقنا لها في ارتباطها بالجائحة – وأخرى اعتبرها عنوة “هيكلية”، فيما هي لا تتعدى أن تكون أثرا منها،أوما قبل ذلك بقليل. والحال أن تلك الأسباب كامنة في البنية العامة للاقتصاد والمجتمع المغربي– تكرسها القوانين – كما أسلفنا ذلك عن قانون الشركات ودينامية نزع الملكيات والسطو عليها– بل وتعكس طبيعة تعامل دولة المخزن مع كافة الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين.

يلاحظ أن كل إفلاس لمقاولة سنة 2021 يتم خلق 5.5 (عكس 6.5 سنة 2020)، ما جعل تفاؤل احد خبراء المكتب أعلاه يزيد عن حد التفاؤل ليعتبر ذلك ميلا عاما واعداً نحو تجديد ترسانة المقاولات بالمغرب دون اعتبار لحماية مؤسسية للشركات الصغرى والأصغر، ودون الاهتمام بالأثر المدمر لهيمنة الشركات المتعددة الجنسية والعابرة للقارات في سعيها لتسيير  نظام اقتصادي –عولمي رقمي جديد في خدمة القلة المحتكرة.

وتفضل ولاحظ المكتبأن نمو شركاتنا إيجابي مقارنة مع بلدان الجوار، بحيث يصل خلق المقاولات بالمغرب 69% (2021) مقارنة مع تونس (17%) والجزائر (13%) سنة 2018، وبحيث كذلك عرف المغرب من 2018 إلى 2021 نسبة نمو مقاولات ب 52%. كما ان توزيع الشركات حسب النوع يعطي الأغلبية الساحقة – كما أسلفنا ذلك اعتمادا على معطيات مكتب آخر – لخلق المقاولات المحدودة المسؤولية الذاتية بنسبة 100% (99.48%)، فيما إحداث الشركات مجهولة الاسم ظلت ضعيفة ولا تصل ولادتها اكثر من 0.27%.أما باقي أنواع الشركات فتصل 0.25 فقط !كما لاحظ أيضا أن متوسط الرأسمال لتلك الشركات يدور حول 100 ألف درهم – كما أسلفنا – ويتمركز في الدارالبيضاء.

أما أسباب الإفلاس، فيلاحظها “بالجملة” في سنة 2021 (من 2020 إلى 2021) إذ تسجل 59%، حوالي 10556 شركة ، ليجد أسباب الإفلاس، ونحن نعلم كيف أن ظرفية كورونا تسببت في الكثير من التسريحات للأجراء وعملت بعض الشركات على تخفيض اجور عما لها – المتبقين مما دفع بهم إلى مجهول خلق مقاولات أصغر ينعتونها “بالمبدعة”، فيما هي اقرب إلى لعب الصغار! والحال أن هذه الدينامية تستدعي – صراحة – الكثير من التأمل ومراجعة المسلمات الفكرية حول طبيعة الدورة الاقتصادية – الاجتماعية الواعدة ! وحول العلائق بين مكوناتها المؤسسية المباشرة. والغير المباشرة، القريبة والبعيدة (…).

إن الالتباس في تلك العلائق يمليه تبادل المنافع والمصالح الاقتصادية والسياسية، أي المرتبط عموما بالسياسة بما هي مهتمة مباشرة بالحياة الواقعية لمجتمع ما وآرائه وعادته السياسية وكذا مجموعات الضغط فيه وتعارض مصالح قواه الاجتماعية من أجل التأثير وتوجيه فعل “الدولة – المخزن” وصناعة نوع من القانون، بقدر ما يمكن ان يكون مبدعا، يمكن أن يكون، مقابل ذلك، محافظا، ككل القوانين، تعبيراً منها عن موازين قوى سياسية – اجتماعية محددة.

ثم أن بعض فقهاء القانون اعتبروا الالتباس ذلك من صميم العلاقةتلك بين العام والخاص، ومن صميم صعوبة إيجاد مؤشرات ناجعة للتمييز بينهما، وقد خبّروا مقاييس متعددةكـ”غايات القاعدة القانونية” أو خصائصها وكذلك مقياس العقوبات في حالة تحققها، مما اعتبروه مقياسا أكثر نجاعة (انظر جلال السعيد، 2022)، في التحليل النظري القانوني.(أنظر كذلك المرنيسي فاطمة (2003) في بحث سوسيولوجي حول Les Ait débrouils)، حيثladébrouillardiseنوع من زطاطة قبيلة ايت ابراهيم (وغيرهم كثير)، وتتحدث عن فرصة “المغرب الديمقراطي الذي سيسمح للمجتمع المدني بجوار الدولة والخاص بإنعاش الشغل.

ويمكن قراءة ذلك النمو المفاجئ – والهش والظرفي أيضا كأسلوب تنهجه الدولة لدعم يظل غير مستقر وداعم لأنشطة معيشية هجينة، وهي التي دأبت على دعم كبار الفاعلين الاقتصاديين قبل الصغار او المعدمين من المياومين خارج التغطية. وهوما يعزز أسلوب  ناشطي تدبيري – فرداني لدىالمناولين/ المياومين أو المسرّحين أو منبوذي الدورة الاقتصادية الرسمية، ضحايا انحباس وتفسّخ وانقفال النسيج الاقتصادي المغربي العصري الراهن أو المستمر والبنيوي. وهو ما أسميناه بالأسلوب “الزطاطي” للعديد من نشطاء الدُّوَيْرات/ السويقات المغلقة( كما عند الاقتصاديين ما قبل سيطرة النقود المطلقة على الدورة الاقتصادية، عند بيتيPetty وبوا جيلبيرBoisguilbertوكانتيونCantillon)،  بحثا عن مكان او قدم فوق أسلاك الاقتصاد الجهنمية. وقد تتميز هذه الوضعية بكثيرمن العدوانية في ظروف حرجة بالذات، فضلا عن ما تؤسس له الأزمة الهيكلية للاقتصاد المتخلف والتابع للعولمة المتوحشة.

في جدلية الزطاط وقاطع الطريق و”دولة المخزن الجديد”

إننا صراحة أمام جدلية عدوانية ممتدة عبر التاريخ المغربي لفاعلين أساسيين في الساحة الاقتصادية – الاجتماعية، جدلية الزطاط، من جهة وقاطع الطريق من جهة أخرى (انظر كتاب/ دكتوراة الأستاذ عبد الأحد السبتي في هذا الموضوع، بالذات)، لتأخذ شكلا أكثر قساوة وحدّة وبهلوانية اليوم، مع تغول الكوكبية المفترسة؛ إذ لا يمكن تصور “زطاط” في النموذج التاريخي الأصلي دون “قاطع طريق”، كما لا يمكن اليوم تصور شركات منفلتة من شبكات العدوان والريع والفساد دون “قاطع طريق” محترف، كاسر ومن نوع جديد، خبّر الماضي – المخزني – وأضاف لذلك شراسة “روح العصر”!فلا يمكن تصور أحد وجهتي العملة دون الأخرى. فلكي يكون هناك “زطاط” لابد من ان تكون الحاجة ماسة لـ”قاطع طريق”، فهما في ديالكتيك قاتل! فمطلوب منهما معا التحلي بكل خصائص “الشخصية القوية والمتجاذبة”، ما يعني ذلك آداب وحذق وجرأة وجدارة وجسارة وحنكة ورباطة جأش وبسالة وافتراس أحيانا حد العنف والموت والقتل، ويمكن ان نقيس على ذلك عنف “الدولة – المخزن” وعنف الخواص المستتر وعنف الإكراه والارتزاقوالتزلف، الخ.وقديسبق التفاوض الناعم عواصف المعارك المفتوحة – التي لا ترحم، التي تقتل!!

إن “الزطاطة الجديدة” تعمل تحت وبإيعاز من النظام المخزني الجديد، حيث “القطائع زمكانية”، وحيث الدولة مخزنيةنيوتقليدانية، تنهل من الماضي السحيق للقرون الوسطى المغربية وتتأقلم مع قوى فاعلة ذات رؤوس متعددة، لا تسمح لها بالنمو الزائد عن اللزوم ولا للتربع الكامل والرمزي والنهائي على ركح الاقتصاد والمال والسلطة. وقد شبه اللعبي (2013) “المخزن الجديد” بذلك “الغول” أو “البعبع” الذي يُركّب في خلطة عجيبة بين التقليد والاستبداد. فهو خبير مبدع في تقنيات الإخضاع والتبليد، عارف متمكن وعبقري في موبيقات التخويف وقلة العفة. لقد وارث لحسابه نظام قادم من القرون الوسطى، فطوره وجمّله محولا أناساً أحراراً بالولادة إلى رعايا إلى الأبد. فهو نظام هرمي، أخطبوطي يخدمه جيش من عديمي الأخلاق والضمير، من أولئك المقررين والوسطاء والوجهاء، بحيث لا يمكن أن تحصل على شيء، من حقك، دون مقابل، وفق نموذج اجتماعي يعتبره طبيعياً، هذا إذا لم يكن مجسداً لإرادة إلاهية ! إنه آلية منسحبة على العلاقات بين الناس وعلى علاقاتهم بأصحاب النفوذ والسلطة، وذلك من أسفل السلم إلى أعلاه (اللعبي ع. اللطيف، مغرب آخر، ص. 17، منشورات اختلاف، فرنسا).

وعليه فليس كل أصيلٍأصيل، وليس كل جديدٍجديد! فالأصالة لا يمكن أن تعني استثناءاً أو خصوصية مفرطة، لما يتطلبه التحليل السوسيو-اقتصادي  والعلمي عموما من كونية المفاهيم. فـ”الأصالة”، بمعنى جسوس هي الجذور التي يتغذى منها كل مجتمع، غير أنها لا يمكن أن تكون حية أو فاعلة إلا في تاريخيتها، ولا يمكن اعتبارها بتاتا كنموذج مطلق إلا في إطار مشروع نقدي مجتمعي واعد (جسوس مرجع سابق).

كما أن هناك جدلية النجاح والإفلاس للمقاولة التي تريد أن  تفاوض مع السلطات والتي تجدها واقفة في طريقها من أجل حمايتها)تحت حماية سلطة وسطى (قوى محلية فاعلة) أو أكبر (المخزن الجديد).أسباب الإفلاس في ظرفية كوفيد، طبعا، وكذا في ضعف المبيعات وصعوبة تسديد الديون وخاصةوقف المساعدات العمومية للشركات سنة 2021 (بعد أن كانت الدولة قد عممتها سنة 2020) وإيقاف التعويضات وتعثر مشروع انطلاقة (ضمان أوكسجينPME).

أماما اعتبره “اسبابا هيكلية” للإفلاس،فيجمله في سوءمناخ الأعمال ومشاكل السيولة وضعف “الرأسمال الاجتماعي للانطلاق” وخاصة ضعف المصاحبة المالية. كما لاحظ أن الإفلاس من 2020 إلى 2021 قد اضر خاصة بالتجارة الكبرى (19%) والوسطاء (12%) واعمال البناء (10%) ومكاتب النصح والإرشاد/ الاستشارة للمقاولات والإدارات (5%)، وكذا نقل البضائع (4%).

وفي ما يمكن أن نعتبره محاولة منه لرصد علاقات الإنتاج الأجرية – المحدودة والمثقلة الكاهل أصلا في النسيج المغربي، فقد أشار احد خبراء هذا المكتب إلى الأثر الإيجابي لانحلال بعض المقاولات  لتسمح لبعضها الآخر بالظهور ولو كانت صغيرة أو أصغر! وبقي القطاع الغير المهيكل الحاضر- الغائب في هذه “التصنيفة العصرية” للمقاولات!.

كما أن أي محاولة لرصد الواقع الاقتصادي – الاجتماعي المغربي رصدا وافيا ودقيقا، لابد وأن تحيط بتفشي متقدم لقيم المصلحة ولغة المنفعة ومنطق الاستفادة وليس بقليل من البراغماتية والأنانية في سلوك الفاعلين، والناس عموما. وهوما يعري عن هشاشة ونزقية الشخوص والبنيات، لدى المقاولين الذاتيين، قبل وبعد غيرهم (التهرب الضريبي، الارتشاء…) وما يدفع في اتجاه إغلاق العديد منالأنشطةوبروز أخرى (…).

و غرابة ان تتم عمليات تركيز ومركزة الرأسمال في يد طغمة محدودة تعرف “من اين تأكل الكتف”، من أصحاب الجاه والمال والمتزلفين لسلطة/”دولة المخزن” وحيل أذنابها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فلم يكن من هموم مدبجي ومدبّري المجال الفلاحي – الزراعي ببلادنا – في سياسة المخطط الأخضر ولا الجيل الأخضر ولا باقي المخططات القطاعية الاقتصادية الأخرى، العمل، مثلا، على حفظ السيادة الفلاحية لبلادنا ولا على تأمين الغذاء لمجموع المغاربة، استجابة لحاجياتهم العادية والاجتماعية، وخاصة منذ أن طلق بلدنا المخططات المندمجة واختار “إنتاج التوت بدل القمح” (…)!

ذلك لأن “دولة المخزن” ومن ورائها مصلحة المجموعة الاجتماعية المتنفذة والحاكمة، كانت قد أرست مبكرا – وخاصة منذ الثمانينات – اختياراتها الليبرالية/ النيوليبرالية، أو قُبيل ذلك بقيل، منذ فجر الاستقلال والنيوكولونيالية، عقب إقالة حكومة عبد الله إبراهيم التقدمية، لتظل سياساتها الاقتصادية – الاجتماعية المتوالية مستقرة، لا بل ومُمعنة على تفضيل نفس المحظوظين او اكثر من ذلك بقليل، وهم ثلة من العائلات (300 إلى 400 عائلة…)، كثيرها متطفل ومتزلف على الحقل الاقتصادي!

كما لم تعمل تلك السياسات المعتمدة، قسرا أو تواطئا، إلا على تهميش مصالح “الداخل المندمج” ومصالح “الحشد الأعظم” من المواطنين/ الرعايا ومن الفلاحين الصغار والمعدمين، فيالعالم القروي وضواحي المدن الكبرى (الهجرة الداخلية والخارجية و”قوارب الموت”…)؛ وهي أواليات معروفة ومدروسة بما فيه الكفاية فينقد الاقتصاد السياسي، تتم بموجبهابلترة الفلاحين/ تحت سطوة الأعيان/ القياد (انظر باسكون بول في القيْدالِية والمجتمع المركب…)،ليتم الرمي بهم في هوامش المدن “الصناعية” وفي الخدمات الهشة وفي أحياء القصدير.

فمن الواضح مثلا أن المشروع الفلاحي الأخير لـ10 مليار والذي طبلت له الإذاعة والتلفزة كثيرا، لن يصب إلا في مصلحة الرأسمال المخزني الفلاحي –التصديري الكبير، قبل أن تجد بعض سواقيه طريقا للفلاحين الصغار، ممن يستوجب حقا “الالتفاتةالميمونة” لهم وحمايتهم الاجتماعية قبل غيرهم.فهم المتضررون حقا من وطأة كورونا ومن وطأة الجفاف والسلطوية!

لعل هذاما جعلنا نرى في الدعم الذي قد يصل بعضهم أو لا يصل، يدوم او لا يدوم – تعامل اجتماعي رمزي لافت “لدولة المخزن” إزاء بعض المحتاجين – بعد غيرهم من الرأسمال الزراعي الكبير – اكثر منه بحث عن مردودية وإنتاجية ما، في ظرف اقتصادي  سياسي وطني وعالمي عدواني، حرج ومفتوح على الاختناق والاحتقان، فضلا عن بحث وتكريس مشروعية رسمية متآكلة. ذلك أن ظروف الجفاف الغير المرتقب عرى ادعاءات الميزانية العمومية لتنضاف إلى ارتفاع الأثمان والتضخم الذي قد يعصف بمستوى العيش الكريم ويجر المعدمين إلى الخبز الحافي، لا بل “إلى “قطع الطرقات” بعد استعصاء نهج الزطاطية وملهاة كورونا ودراما عنف الدولة المشروع !(انظر بطولات روايات حنا مينة في هذا الباب، وهي بطولات بورجوازية صغيرة، خاصة “نهاية رجل شجاع” او “الياطر” (…)”.

وغريب أن نرى بعض مكاتب الرأسمال الحرة في هذه الجعجعة في فنجان، وهي الزبد الذي يخفي مرارة العيش والإقصاء والتهميش وقلة الحيلة لدى الكثر، دورة واعدة لإطلاق تنمية اقتصادية – اجتماعية اصيلة (مكتب أنفوريسك 2022)! وغريب ايضا ان يرى بعض منظري “ما بعد الحداثة” في الغرب، في مثل هاته التحولات، مثالا على إطلاق ميل تحرري ليبرالي فردي من سلطة العلاقة الرأسمالية- ذاتها وبريق واعد لتجاوزها (أنطوني نيكري الإيطالي)، في وقت يعاني فيه بلد -مثل بلدنا- من غياب مستلزمات “الحداثة” نفسها وصعوبة تأكيد الفرد الحر والموطن في آن!.

بعض من إشكاليات التنمية المفتوحة للدرس

يبقى هناك امر محير للباحثين ومستعصي على التجاوز ويدعو إلى مجهود علمي أكبر، ألآ وهو ضبابية العلاقة للمقاولة مع الدولة ومع دوائرها ورؤسائهاالمخزنية الصغيرة والكبيرة، ومناخ الريبة والشك وضعف الثقة، وكذا اللايقين الملازم لأواليات اشتغالها وإعمال سياساتها الاقتصادية والاجتماعية (…)، بحيث لم تستطع المقاولة المغربية ان تقف باستقلال تام على رجليها، مما يعني أن تتشبع وتستدخل وتستبطن- بما فيه الكفاية- القيم الداخلية للرأسمالية الأصلية، والتي توجد في صميم النظام الاقتصادي – السياسي الليبرالي، من تنافسية حرة كاملة وشفافية الصفقات، الخ.

كما أنها لاتستطيع أن تفرض نفسها، هكذا كفاعل متميز- بإمكانه أن يحتل مواقع متقدمة في الاقتصاد العصري، لا بل وان ترقى إلى مقاولة مواطنة” حقا، مبتعدة عن عقلية الزطاطةوالهنزة والتزلف – النزق للسلطة. كفى من أن يستشهد مقاولونا فداء للموائد المترفة،فأقرانهم غرباً يموتون من سكتات أمام شاشات البورصات وفي مكاتب ووحدات الإنتاج بسكتات قلبية عوض التُّخَم في الأعراس والمواسم والمنتجعات واليخوت والفنادق الخمس نجوم (ادريس بنعلي)!

إن قدر “الدولة – المخزن” أن تتحول إلى دولة، وفقط، وان تظل في بلد نامي في موقع المسؤولية، استثمارا وتسييرا. فلم  تزد ظرفية كوفيد– عن حق أو باطل – إلا تأكيد هذه الفلسفة. إذ لم يستطع القطاع الخاص ان يترجل ويتبوأ المكانة المنتظرة منه والمدفوع إليها – مكرها لا بطلا – منذ فجر الاستقلال.

ولم تزد ظرفية كوفيد إلا تأكيد هذه “الحقيقة – المرة”، وكلما تراجعت الدولة – في الاقتصاد وإلا تحضر بالقوة  والشدة في المجتمع، محدثة بذلك الخروج دماراً في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي – التعليمي وتكوين الأطر! فأي ضمانات ستسمح للمقاولة بتحمل المسؤولية كاملة في الإنتاج (عوض الاستيراد وفقط!) وفي الإبداع والابتكار وسدِّ حاجيات السوق الوطني (عوض التصدير وفقط!) بمنتوج وطني أصيل (عوض منطق الريع والتواطؤ وفقط!)؟

لقد كانت “دولة المخزن” في المغرب ولا زالت هي من يحدد المقاسات، تضبط الإطار السوسيوقتصادي لانتقال الملكية الكولونياليةإلى الملكية “المغربية” للعائلات المتواطئة المحدودة ولخدمة العرش. (انظر عمليات المغربة لأنشطة اقتصادية بالذات في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، انظر كذلك عمليات السطو الممنهج على أراضي الفلاحين الصغار تحت هجوم المدنية (أنظر الكحلاوي، بلترة الفلاحين الصغار والتمدن(2017) (…)).

كانت “الدولة – المخزن” من بادر إلى إرساء نظام الحماية الجمركية لتشجيع وبزوغ المقاولة المحلية، قبل أن تنبري عن هذا التوجه الحمائي، بداية الثمانينات أساسا، لفتح المجال للانفتاح الاقتصادي، ولترتمي اكثر فاكثر في احضان العولمة. ذلك أن المغرب رفع شعار وتحدي الانفتاح العريض على العالم دون ان يؤهل نفسه بما فيه الكفاية، فكان اندماجه في العومة (56 اتفاقية دولة، شرقا وغربا…)فاشلا– بكل المقاييس.

هكذا فلا الميزان التجاري ولا ميزان الأداءات حققا طوال الأربعين سنة  الأخيرة (منذ 1974) وَفْراً كافيا أو تحسناميْلياً ملموسا، وبالأحرى طفرة تضعه في مصاف الدول  الصاعدة! فكان ان سجل، خاصة الخمس عشرة الأخيرة من هذا القرن، عجوزات قاسية، لم ينفع معها حماس تحويلات المغاربة بالعالم ولا السياحة الخارجية ولا دعوة  الاستثمار الخاص المغربي لتحمل مسؤوليته ولا إغداقالاستثمار الأجنبي بالمحاباة!.

كانت”دولة المخزن” ولا زالت هي المنظمة لشروط تحقيق علميات الاستثمار، مذ بداية الستينيات من القرن الماضي وخاصة سنة 1973، في إطار مدونات وقوانين الاستثمار لتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي. وكانت الدولة هي من موّلت بفائض الفوسفاط، مثلا، بداية السبعينات وكذلك – فيما بعدها- مباشرة بالمديونية الخارجية، لتصبح الزبون الأول والأكبر والأخير للمقاولات، عبر الأسواق العمومية، وهو أمر مهم لاستبيان الربط  العضوي بين السلطات العمومية والمقاولات، على ممر سنين الاستقلال السياسي، ويبدو ذلك جليا أساسا في سياسات الميزانية على الخصوص.

خاتمة:

وفي الأخير ولتلمس هذه العلاقة المتشابكة، الحميمية والشاذة في آن بين “دولة المخزن” (وماهي بالدولة العصرية) والمقاولة الحرة (وما هي بالحرة!)، وذلك حتى حين جائحة كورونا – في خضمها – وبالرغم منها، يمكن أن نرى كيف يُكوّن “المخزن الجديد” دولة داخل دولة، بخبرائه وبممثليه المرموقين ووجهائه أو دونهم، من المرتزقة، وخاصة بحكومة ظل تتمتع باستقلالية كاملة، مُستحْضَرة للتدبير وللحكم وللسيادة لوحدها، أو هي في خدمة النفوذ الأوحد (اللعبي ع. اللطيف، ص. 54 مرجع سابق).

كما يمكن أن نرى كيف تمأسس السلطات علاقات شراكة مع دول العالممحاولة إدراج المقاولات المغربية (أو تحاول أن تدرج – لأن الواردات عموما تتجاوز الصادرات طوال العشرين سنة الأخيرة) في الأسواق الخارجية، دون نتيجةملموسة واعدة. بالرغم من ما في تلك الاتفاقات من حيف ولا توازن لا يخدم المصلحة العليا لبلادنا، ويتطلب بالتأكيد مراجعتها .

ذلك سيكون ناجعا أذا أهّلَ المغرب نفسه بما فهي الكفاية للدخول الناجح في معمعان العولمة الكاسرة، من جهة، وفي ظل انحسار”العولمة البديلة” وصعوبة تحقيق “اشتراكية القرن 21” في الأمل المنظور، من جهة أخرى.ومما يزيد الأمر حرجاً تأزم علاقات القرابة الموضوعية/ التاريخية المصيرية مع بلدان المغارب وتوتر العالم. فعوض علاقات التعاون مع الجيران لازال تسمم الأجواء هو القاعدة (اعتراف أمريكا وإسبانيا بالصحراء المغربية، التطبيع مع الكيان الصهيوني وفكرة القواعد العسكرية، (الدول المارقة والشركات المتعددة الجنسية النافذة في انقلابات لأنظمة،…) جاعلا في “خبر كان” و”إلى حين” الحل المغاربي لقضايا التراب والتنمية والاقتصاد والمتكامل والمصلحة المشتركة .

وإذا سلمنا بوجود “مخزن جديد” قيد التغير، فهل نحن أمام “سيبة جديدة” في الداخل مُتوالِفة مع نظام عالمي متوحش، ضدا على سيادة شعوبودول وعوالم الحق والقانون؟

ذ. عبد الواحد حمزة

سوسيو– اقتصادي 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى