ثقافة و فن

أحمد حبشي :خريف التفاح الحكاية والدلالات

بعد حصده لأربع جوائز في مهرجان طنجة السينمائي ، يستعد محمد مفتكروالجائزة الكبرى لمهرجان خريبكة  الافريفي ، لعرض فيلمه الثالث ” خريف شجرة التفاح” وهو في موضوعه يمتح من تيمة فيلميه السابقين” البراق” و “جوق العميين” حكاية ذات صلة بمروياته السينمائيةو أسلوبه الخاص في تقديم الوقائع وسرد الأحداث.مرة أخرى يعود مفتكر في فيلمه الجديد لتفكيك سلطة الأب وإبراز تداعياتها على الأبناء، معاناة يومية تعكس صراعا معاشا وغير مرئي، تحكمه أحقية الأب في تحديد مسار حياة أبنائه وتقويم شخصياتهم، سلوك اعتاد الناس في مجتمعنا تقديسه ووضعه في دائرة الخاص وما يجب على الأب القيام به في تنشأة الأطفال وإعدادهم للإنخراط في النسق المجتمعي والتفاعل معه، دون الأخذ في الاعتبار ما يتركه ذاك التقويم المفترض من تأثير بالغ على نفسية الأبناء وتشويه ملامح شخصياتهم في فيلم “البراق”يرفض الأب أن يكون مولده الأخير كذلك بنتا، بعد أن أنجب ثلاثة بنات، فيسعى إلى تنشئتها كذكريعلن في الناس ومحيط قبيلته أنه أنجب ولدا، وظل يخفي حقيقة جنس مولوده، اختار لها اسم ذكر وعود طفلته على كيفية الاختباء في هويتها المنتحلة، فأنشأها على ركوب الخيل ومقارعة الفرسان، وهي تسايره مستسلمة لصلابة إرادته إلى أن اكتملت أنوثتها، وبرزت تقاسيم جسدها، فتغيرت نظرتها لمحيطها وتوثرت علاقتها بالعوالم التي حشرت فيها، فتملكها الهديان نتيجة الصراع الذاتي الذي عانت منه وهي تجهد نفسها لإخفاءحقيقة  جنسها.                                                                في “جوق العميين” الأب مزهو بابنه البكر، يحيطه دون غيره بعناية فائقة، يحمله كل أمانيه ومتمنياته، يسخر كل إمكانياته ليجعل منه نموذجا بين أقرانه في كل شيء، عليه أن يكون الأول في الدراسة والأكثر أناقة وتمثلا لأرقى القيم في التمدن والعيش السعيد. معتمدا في كل ذلك على ثقته الزائدة في قدرات ابنه وما  يمكن أن يوفرهله من أجواء وإمكانيات، فمن خلال الطفل يسعى الأب إلى أن يتدارك ما ضاع منه في شبابه وصباه، فهو لم يعرف أي نوع من التعليم، كل ما كسبه هو العزف على الكمان واعتمده مصدرا لعيشه. يواجه الطفل إصرار والده بالتدليس وإخفاء حقيقة واقعه ومحدودية إمكانياته. عاش الإبن حالة الانفصام بين ما يناسب قدراته وأوضاعه كطفل يكتشف العالم من حوله ويتفاعل مع محيطه متمثلا لكل ما يقوم به الكبار ويمارسونه كسلوك، وبين هوس والده الذي يسعى إلى أن يجعل منه شخصا ذا مكانة اجتماعية بمؤهلات معرفية وحضور وازن.فما  كان منه إلا أن يخادع والده من أجل إسعاده كسلطة .

الأب في “خريف التفاح” نموذج مختلف يرفض أن يكون كذلك، أب يتنكر لصفته يستفزه ابنه حين يدعوه بأبي ” با” ولا يكل في أن يرد عليه بعنف، بأنه ليس والده وأن عليه أن يناديه فقط باسمه ” احمد”. هكذا يجد الأب نفسه أمام كائن ينسب إليه و يصر محيطه العائلي على أن يجعلهيدعن لحقيقة كان طرفا فيها. يقاوم الطفل رفض والده لنسبه وعدم الاعترافببنوة ناتجة عن علاقة غير موثقة،تسنده جدته وجده الجندي السابق المقعد ليقينهما بصحة النسب وشاهدين عليه.

هي ثلاثة أفلام والموضوع واحد، تختلف في بنائها الدرامي وكتابتها السينمائية، لا تطابق فيها بين الوقائع ومسارات السرد الحكائي، لغتها السينمائية متباينة واستقراؤها للواقع فيه كثير من التركيز على إبراز معالم الأبوة وقوة تأثيرها في سياق مجتمعي منغلق. عوالم فيلم “البراق” تحيل على أجواء مجتمع تقليدي، تقوم فيه السلطة على المال والجاه، فلكي تستمر في قيادة القبيلة عليك أن تكون لديك من المقومات ما يجعلك أهلا لذلك، وأن تخلف ابنا يتولى الشأن من بعدك ويحافظ على سطوتك ونفوذك. في فيلم “جوق العميين” يختلف الوسط الاجتماعي، عائلة تقليدية في بنيتها الاجتماعية،تسعى إلى تجاوز واقعها بمحاكاة النمط العصري في توليفته الغربية حيث يحرص رب الأسرة ومعيل العائلة على أن يتم كل شيء طبقا لما يفعله الأوربيون في حياتهم الخاصة.                             يختلف “خريف شجرة التفاح” عن سياق الفيلمين السابقين، فضاءات أخرى ونسيج حكائي يبرز أكثر معاناة الطفل وقساوة تأثير رفض الأب لبنوتهوغياب أي سند يعينه على مسك توازنه النفسي والمعنوي .

ما يوحد الأفلام الثلاثة هو فشل الآباء في تحقيق رؤيتهم او السير حتى النهاية في تثبيت اختياراتهم، يواجههم في ذلك واقع حابل بمتغيرات ومؤثرات أخرى يصعب التحكم فيها، فالجسد في “البراق” يفرض حقيقة طبيعته ونوعيته، ومحيط الطفل في “جوق العميين” يساعده على التخلص من سطوة الأب ويكسبه نوع من الاستقلال والقدرة على المواجهة. أما في” خريف التفاح” فإصرار الطفل ودعم جديه له يقودانه إلى هزم تعنت والده وإخضاعه للأمر الواقع، في مشاهد درامية تحمل الكثير من الدلالات القوية في تثبيت حقيقة لم يعد الأب يقوى على مواجهتها.

هكذا يكون محمد مفتكر بشريطه الأخير “خريف التفاح” قد اكمل دورته الابداعية بثلاثيةرصد من خلالها واقع الطفولة ومعانات تشكلها النفسي، في مسار تحول مجتمعي تغيرت فيه الكثير من المعالم ، وظل محافظا في جوهر علاقاته على موقع الأبكفاعلقوي في هندسة وتحديد الملامح الأساسية لمسار الأبناء وضبط ردود فعلهم.

ما يميز تجربة محمد مفتكر السينمائية هو اشتغاله، منذ أن خطا خطواته الأولى في عالم الابداع ، على موضوع ملفوف برؤية مصاغة بإحكام وتحمل أفكارا تبطن نقدا هادئا لواقع مجتمعي مثقل بالمتناقضات المدمرة لنفسية الناشئ وجعله تحت سلطة مطلقة لولي أمر يفتقد لكل مقومات لاستيعاب كل ما يطفح به محيطه المجتمعي من تحولات وما تتطلبه التربية الحديث من أدوات. على المستوى الكتابة السينمائية يعتمد مفتكر تقابل المواقف وبسطها في مختلف مكوناتها، حتى تتجلى كل جوانب التلاقي وملامح المتناقضات، البحث عن استمرار السلطة والنفوذ في “البراق” يقابله المتغيرات الطبيعية لجسم الفتاة، جهل الأب ورغبته في تجاوز وضعه الاجتماعي بالاعتماد على طاقاتأحد أبنائه في “جوق العميين” يوازيه محدودية قدرات الإبن المعرفية وتقليدية وسطه العائلي، وفي “خريف التفاح” صلابة الإبن وإصراره على مواجهة واقع فرض عليه في مختلف تفاصيله، تقابلها العنف والتوتر المستمر لأب يتنصل من مسؤولية إنجاب طفل في علاقة “غير شرعية”. كل ذلك مسبوك في بناء درامي يعتمد السلاسة والحكي المتراص المحكوم بقواعد تحيل على زمان ومكان مسار حياتي وكل مستلزمات الفعل المجتمعي وشروطه التاريخية. ولعل قوة محمد مفتكر لا تكمن فقط في صياغة أعماله بكثير من الدقة واللغة السينمائية المسبوكة، بل في حرصه على اختيار الممثلين والممثلات  الذين واللواتي بمقدورهم إضافة لمستهم الفنية لتشخيص المواقف وبلورة أبعادها. ويتضح أنه أخذ وقته الكافي في كل مراحل الإعداد، لتظهر كل مشاهد الفيلم صورمنحولة من واقع معاش وتحيل عليه،فيها كثير من التجلي لواقع علاقاته الملتبسة والمحكومة بشرط الاستصغار، سلطة الأب المطلقة تترك أثار فعلها على الأبناء وتسم حياتهم بكل مظاهر الصد والانفعال. ودون الخوض في خلفيات محمد مفتكر ودواعي اختياره الاشتغال على موضوع ظل غائبا في السينما والأدب المغربي، أو تم تناوله بشكل عابر في أعمال مختلفة، فإن الحاجة إلى استقراء سلوكنا العام انطلاقا من علاقاتنا بالأب وما يؤطرها من مفاهيم وقيم، وما يجعلنا نستسيغ كل ممارساته ونجد التبرير لتداعياتها. لقد اكتفي محمد مفتكر ببسط مظاهر واقع مركب وكشف بعض علله، دون أن يتجاوز ما هو موكول إليه كفنان، فقد سلط الضوء وترك المجال شاسعا لدوي الاختصاص لتعميق التحليل والبحث عن المخارج لواقع تتفاقم مظاهره السلبية وبدأ تطهر جليلا معالم التفكك في الروابط والعلاقات المجتمعية. هكذا استكمل محمد مفتكر ثلاثية في تناول ذات الموضوع من زواياه المختلفة ، وهو إنجاز غير مسبوق في السينما المغربية ، يعكس رؤية سينمائية واستقراء لمكان الخلل في بنية اجتماعية تصدعت الكثير من معالمها في التربية وتقويم التنشئة في عوالم تعرف تحولات متسارعة ، وتدعو إلى إعادة النظر العميقة في كل العلائق وتصحيح مفاهيمها .

أحمد حبشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى